المغامرة الخطرة

الأحد 2013/11/10

الشعر ثأر من البلاغة. وهو بالضرورة، ثأر من التقليد، وثأر من كل ما قرّ من صيغ وتراكيب ومجازات في بنى شعرية لها عدّتها السابقة على عمل الشاعر وعلى لحظته الراهنة، بينما هو في قلب مغامرته، فإذا كانت البلاغة نزوعاً في اللغة نحو نهلٍ من العالم، وامتلاء به، على نحو عرفناه، فإنّها مهما تكن ثرّة، ستبقى ثمرتها تلك التي تذوقناها قبلا، وخبرنا ما فيها، بينما يتراءى لي أن الشعر هو ذلك القدح الناري، وتلك الشرارات المتولّدة من احتكاك الأشياء ببعضها البعض على نحو لم نألف، ولم نختبر، لا في اللغة، ولا في الشعور.

استعمل مفردة (الثأر) لأدل على الطاقة العنيفة التي يتسلّح بها الشاعر بينما هو يغامر في أرض المجهول، مجهول ذاته، ومجهول العالم، ولأدل أيضاً على تلك التلقائية الطالعة من انغمار في اللحظة الثرية للمغامرة، وعلى عمل في اللغة، ينظمه اشتباك وامتزاج غير مدركين من الشاعر بين رهافة الوعي وغموض اللاشعور.


***


من قلب اللحظة المبدعة للقاء الوعي باللاوعي في الأبعد من إصابات الشعور، تتخلق حريّة الشاعر في صنيعه الشعري. من ثمّ لمّا نقرأ، ويقرأ، نقف على ما عاد به الشاعر من مغامرته؛ من صيغ وتراكيب وعلاقات لغوية، وبين الأشياء، لا تنتمي إلى البلاغة المألوفة، قدر ما تؤسس لبلاغة حديثة.

وبهذا المعنى فإن بعضاً مما قصدت بـ"الثأر من البلاغة" إشارة إلى استعداد الشاعر للشك باستمرار بما عنده - في سابقه الشعري - والحذر باستمرار من الاطمئنان إلى المنجز الشعري بصورة عامّة، وجزء من هذا ما استقرّ، وصار بلاغة ناجزة.

توصيف كهذا، يمكن أن ينسحب على مستويات أخرى من عمل الشاعر، ومن المغامرة الشعرية، في ما يتّصل بمشاغل القصيدة: بموضوعاتها، ببنيتها الإيقاعية، بعلاقات الكلام، وبلهجة الشاعر. ونحن عندما نتحدّث عن بلاغة، إنما نتحدّث عن معطى داخل لغة الشعر وفي علاقات اللغة في نصّ شعري، وهو ما يجعلنا نقترب من اللهجة والنبرة، ونلامس المتخيل والصورة في الشعر، وهذا كلّه يمكن – عبر قراءة مبصرة - فحص علاقته بالجدّة من انتسابه إلى التقليد.


***


من المؤسف أن نرى، في كثير مما يوصف بأنه شعر حديث، بلاغة قديمة. المسألة أيضاً، تخصّ الرؤية، رؤية الشاعر، فالرؤية التي يتسلّح بها الشاعر غالباً ما تحدّد طبيعة علاقته بالكلام، بل وتحدّد قاموسه اللغوي أيضاً. فنظرة الشاعر إلى العالم والإنسان والوجود خيط رهيف يربط الأشياء ببعضها، ويصلها، في النهاية، بما هو أكثر من شعري، بما هو فلسفي.


***


من خلال تجربتي في القراءة، وفي استجلاء المشهد الشعري العربي الحديث، لا سيّما في السنوات العشرين الأخيرة، حيث ثراء وتنوع، وتعدد لهجات، ألاحظ بشيء من الأسف أن الشعر العربي غالباً ما يفتقد ذلك الأفق الفلسفي، فنحن نادراً ما نقرأ قصيدة - حتى عندما تكون جميلة- ونجدها تفصح عن ذلك الألق الذي يمكن أن تستشف منه رؤية فلسفية، تكاد تكون القصيدة العربية، قصيدة شبيهة بتلك المرأة الجميلة إلى أن تتفوّه!

لا يكفي - في نظري - وفي مفهومي للشعر، أن يكون الشعر جميلاً وحيويّاً، وكفى. أنتظر من القصيدة أن تبدل قارئها، أن تمنحنا ما يبقى، حتى عندما نكون وقوفاً على ما يندثر، وأثراً مما راح يتوارى في عالم الشاعر. انتظر من القصيدة ظهور ذلك الخيط الرفيع، الذي ما أن ألمسه حتى أكون قد لمست شيئاً من أثر المستحيل، وبعد كل قراءة في نص مبدع هناك عزاء روحي كبير.


***


ولو نحن سلّمنا بأن القصيدة تكتب في منطقة بين الوعي واللاوعي، فمن أي تناقض يكتب الشاعر؟

الشاعر – في نظري- مؤمن كبير، وشكّاك أكبر، ومن هذا التناقض الفادح يكتب الشاعر، من إيمانات عميقة بالجمال والحريّة والحق، من أنفة المعرض عن الصغائر، ومن انحياز كلّي للإنساني، ولفكرة الحريّة وعدالة الفرح بالوجود، وابتكار المدهش والخلاق، من هنا، حقيقة، يولد الصدام بين الأشياء الجديدة والأشياء البالية. إذ ذاك، وعلى هذا الميل من التوق إلى الجدة، والتوق إلى الاكتشاف والتوق إلى المستقبل، تولد القصيدة لتكون صوت الشاعر، والبديل الجمالي بإزاء المؤلم والفادح في راهن حياة الإنسان.

وعلى أساس من هذا التناقض، تتعدّد التناقضات الأخرى التي تحيط بعمل الشاعر، وتفعل في دواخله، وتمتدّ إلى علاقته بالأشياء.


***


لكن، ألا يبدو ما سلف شيئاً مثالياً؟ سؤال طالما شغلني، وليس عندي ما أجيب عنه، إلا بمزيد من التناقض الذي يقوم على فكرة الواقع من جهة، والطموح إلى اجتيازه، من جهة أخرى. قصيدة الشاعر، هي جسره بين ما هو عليه، وبين تلك الأرض المجهولة التي يتطلع إلى اكتشافها. وبين هذا وذاك تنهض الفجوة العدمية المرعبة التي ينهل منها كل شاعر خلاق. وفي كل عصر من عصور الشعر هناك كثرة تكتب وقلّة تبدع. وهذا أيضاً، تناقض آخر من تناقضات العملية الشعرية القائمة "بالمعنى المشهدي" على فوضى كبرى تسببت لنا بانصراف الناس عن الشعر، وكساد بضاعة الشاعر.


***


الشعر ثأر من البلاغة. ومن يكتب الشعر على أنه بلاغة، فهو تائه على أرض الكلمات، كل كلمة فخ لغفلته. فالشعر ليس متانة اللغة، وسلامة النحو، وحسن سبك الجملة، والقدرة الحاذقة على اللهو بالكلمات ناهيك عن أن الشعر ليس الكلمات وحدها، ولكن هي وظلالها، الكلمات وما اشتعل فيها وكان نوراً غريباً، والشعر في مرات عبقرية هو الكلمات لم تكتب قبلا، وهو ثمرة صراع مع الذات أولا، وليس مع أقران أو منافسين. كتب وليام بتلر ييتس: "من صراعنا مع الآخرين نكتب البلاغة، ومن صراعنا مع أنفسنا نكتب الشعر". خيط رفيع جدا بين الشعر واللاشعر، بين ما هو كتابة المكتوب قبلا، وما هو مغامرة خطرة مع الكلمات تجدد الشعر. والأكيد عندي أن الشعر ثأر من البلاغة.

11