المغامرة المفتوحة بين أرض الرواية وسماء الشعر

ثمة جيل ثقافي ولد وعاش في السعودية دون أن يتحصّل على أوراقها الثبوتية، هذا الجيل وقف على جرح الوطن لأنه جرحه، وامتزج بالأرض باعتبارها أرضه، وتشارك في الطين حيث لا يعرف طينا سواه، فلم يختبر هوية سوى أرضه التي تربّى وسط تفاصيلها ليكتب عنها قصيدته وحكايته التي أريد لها أن تكون حكاية جيل بأكمله بعيدا عن تحيّزات السيرة الذاتية، من هؤلاء الشاعر والروائي ذو الأصول اليمنية عبدالله ناجي، الذي توقفت معه “العرب“ في حوار حول روايته الأخيرة “منبوذ الجبل” وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.
الخميس 2018/02/01
القصيدة سماء وأنا اشتقت إلى الأرض

يعيش الشاعر والروائي عبدالله ناجي بين مكة المكرمة وجدة منذ صرخة الميلاد عام 1974، من أم وأب يمنيين، هذه المدينة المقدسة التي شكلت وعيه الأول بالشعر والفلسفة والفنون والتاريخ، وكأنها مصيدة للمبدعين الذين ولدوا فيها، حيث يتمثّلون بوعي خاص بين التصوف والتأمل الفلسفي العميق المتولّد من تاريخ المكان بوصفه حالة شعرية.

ضمن هذا النسيج الثقافي تولدت تجربة عبدالله ناجي في الشعر والرواية، حيث أصدر في الشعر ثلاث مجموعات هي “أتصاعد في الصمت”، “الألواح” و“منازل الرؤيا”. ورواية “منبوذ الجبل” الصادرة حديثا عن دار مسكيلياني. ويعكف حاليا على كتابة رواية جديدة يأمل أن يصل فيها إلى نهاية لا تؤدي إلى جهة معلومة.

منبوذ الجبل

بداية، توقفنا في رواية “منبوذ الجبل” مع ضيفنا ناجي عند المشهد الذي انتهت به، حيث أحرق الشاعر/البطل قصائده، وما يحمل هذا المشهد من رمزية لسقوط الشعر أمام هيمنة السرد الذي اختاره البطل حين بدأ يروي حكايته بصفته منبوذا. ففي لحظة شعر عبدالله ناجي (الشاعر) بأنه لم يقل شيئا، أو أن كل ما كتبه شعرا كان إعدادا لمرحلة جديدة، تمرينا روحيا لنبوءة ما، وكأن تلك اللحظة أخذت تنمو وتتعاظم داخل روحه وعقله معا.

رواية (منبوذ الجبل) تناقش قضية الشعر والهوية والتحولات الروحية، وتقف على مفهوم الشك الوجودي أمام السؤال الكوني

يقول ناجي عن ذلك “الكثير من الأحلام والكلمات والأفكار لم تجد طريقها إلى الوجود بعد، والمساحة التي منحتني إياها القصيدة لم تعد كافية لركضي الدائم. ولم يكن مشهد الإحراق في آخر الرواية فكرة مختمرة في بال الكاتب، بل دفعتْه إليها أحداث الرواية دفعا، وولدت فكرة الإحراق والخلاص عندما وصل النبذ مداه، ولكن ذلك لا يعني أن الفكرة لم تكن تسبح في اللاوعي، ويمكنني القول إن الوعي استخرجها في تلك اللحظة كترميز لهيمنة السرد وسقوط الشعر بشكل ما. وهذا لا يعني أيضا وعلى مستوى شخصي بأنني عزفت عن الشعر. كل ما في الأمر هو أن القصيدة بالنسبة إلي سماء، وأنا اشتقت إلى الأرض كثيرا، وكانت الرواية هي أرضي التي هبطت إليها آخيرا، وكم يسعدني أن أتردد بينهما، بين سمائي وأرضي”.

وتسلط رواية “منبوذ الجبل” الضوء على قضية المواطنين “غير المجنسين” المولودين والمستقرين في السعودية، عبر شخصية بطلها الشاعر أحمد الحداد الذي ولد في مكة من أم سعودية وأب يمني. ليصور لنا قضية اجتماعية شائكة التفاصيل، مازالت تنتظر حلولا سيادية متعلّقة بمصير فصيل اجتماعي كبير يواجه ارتباكات الهوية في الانتماء بين وطن عاشه ووطن ينتمي إليه.

ويدخل ناجي إلى تفاصيل الرواية عبر الكشف عن علاقة حب عاصفة بين بطله وحبيبته إيمان، وكيف يواجه هذا الحب المرتبك وسط أسيجة غير منتهية من الأنساق الثقافية الثقيلة المرتبطة بالهوية وبالمكان وبالأنا والآخر. هذا الحب جعله ناجي حالة للتوازن النفسي لبطله، حيث موضعه كهوية مجاورة، أو كوطن بديل، يمكن الاحتماء به واللوذ إلى ذكرياته من أجل الخلاص من اللحظة النسقية الحقيقية في مجتمع محكوم بالأعراف.

ويعلّق ضيفنا بالقول “أنا أنتمي إلى الفن وأنحاز إليه، ومؤمن جدا بقدرته على اكتشاف حلول للكثير من قضايانا ومعالجتها بطرق غير مباشرة. كنت حريصا على ألا تتخذ الرواية أسلوبا خطابيا، وألا تعتمد على الاقتحام المباشر للقضية، بل أردت لها أن تسيل وتتشربها النفوس من خلال الأحداث/ النكسات المتوالية، ومنولوجات البطل النفسية والروحية، ومآلات الحياة لأبناء المواطنات، والمواليد، عبر النموذج الذي اقترحته والذي يعبر عن جيل أو أجيال ارتسمت ملامحها، والنفسية منها بشكل خاص، على بطل روايتي ‘منبوذ الجبل‘. كنت أغمس ريشتي في الواقع، ثم أقوم بتحريك يدي على أوراق الخيال، حتى تكاملت هذه الرواية، إنها بكل بساطة واقع متخيل لجيل يبحث عن هوية وأمان”.

آخر التحولات الروحية لمنصات الإيمان

ضد الحذر

إذا، وضمن هذا السياق الثقافي، كان يجب أن نتوقف مع كاتبنا حول مدى استطاعة المثقف السعودي على أن يقدّم شيئا لشركائه في الطين والهوية والأنساق، من المثقفين “غير المجنسين” الذين اكتووا بهذا الملف، لا سيما وأنها قضية حاضرة في الإعلام والأفلام السعودية الجديدة والرواية.

ويوضح ناجي قائلا “في سياق الحديث عن الهوية والتباسها بين الانتماء والاغتراب، لم يألُ بعض المثقفين السعوديين جهدا في تقديم ما يستطيعونه لشركاء الطين والهوية الثقافية، ومقاسمتهم همومهم، ولكن ذلك يظل فعلا فرديا، وبشكل انفعالي، حسب ما يمليه الموقف والظرف الراهن، ولا يتجاوزه ليكون سلوكا ثقافيا عاما. وفي المقابل هناك بعض الأصوات المحسوبة على الثقافة، تتعجب من صعود بعض المثقفين المواليد إلى منصات الإلقاء، والمشاركة في الفعاليات الثقافية، والحصول على جوائز أدبية! هذا التعجب يُحدث شرخا في نفوس أولئك المبدعين الذين لا يعرفون مناخا ثقافيا سوى مناخ الوطن. وبين هؤلاء وأولئك يبقى الأمر مرهونا على طاولة الوقت”.

وتناقش رواية “منبوذ الجبل” من جانب آخر التحولات الروحية لمنصات الإيمان، وتقف على مفهوم الشك الوجودي أمام السؤال الكوني الذي يلح على الإنسان وسط يومياته البسيطة والمعقدة، حيث نقف على شكوك وأسئلة بطل الرواية لنشاهد تفاصيل جديدة للحكايات الدينية والتاريخية المألوفة وفق صياغة جديدة من الأسئلة التي يعتني بها المثقف أكثر من عنايته بأجوبتها. فهل استطاعت الرواية العربية أن تشكّل تيار وعي، حسب وليام جيمس، في ما يخص تيار الشك الفلسفي وحرية التعبير وحق السؤال الكوني المفتوح؟

ويجيب ضيفنا “يقول بوكوفسكي في سيرته الذاتية “مكتب البريد” إن “الكتابة الحذرة كتابة ميتة”. ولا أظن أن كتابة بهذا المستوى تستطيع تشكيل تيار قادر على خلق وعي معرفي يتبنى حرية التعبير، فضلا عن أن يجنح إلى الشك الفلسفي، أو يمارس حق السؤال الكوني. أضف إلى ذلك، الخوف الطفولي لدى بعض من يمتهنون الكتابة الإبداعية، ذلك الخوف الذي يمنعهم من الصعود إلى قمم معرفية وفلسفية، واكتشاف عوالم وأفكار غير مرئية لهم قبل ذلك”.

ويتابع “هناك الكثير من الكتاب استطاعوا إيجاد ذلك التيار، ولكنه يظل تيارا فرديا خاصا بهم. وهو على المستوى العربي أكثر تدفقا، وربما في طريقه إلى التشكل، أما على المستوى المحلي فمازال الوقت باكرا لنقول إن لدينا تيارا يحمل تلك السمات. جُل ما يكتب ينهمر من غيوم المواهب الشخصية، وقلة من تربعوا على قاعدة معرفية، ولم يكتفوا بالموهبة رافدا للكتابة، وهنا تحضرني مقولة مهمة للفيلسوف والروائي الإيطالي إمبرتو إيكو عبر لقاء متلفز “أنت تعلم أن العبقرية عشرة بالمئة إلهام وتسعون بالمئة مجهود”.

14