المغامرون وحدهم يرتادون المستقبل

"أتيليه العرب" يحتضن تجارب أكثر من ستين فتاة وشابا من أحدث الأجيال الفنية بمصر من خلال أعمال تعكس نضجا ووعيا وتفاعلا مع تطورات التشكيل ومستجداته.
الأحد 2018/08/26
الحياة متاهة وخيوط متشابكة في أعمال أماني إسماعيل

تمثل المعارض الجماعية الكبرى، وصالونات الشباب، ومشروعات التخرج الجامعية، بوصلة دالة على تيارات الفن التشكيلي المتحققة في الواقع الراهن، في مجالات الرسم والتصوير والغرافيك والنحت والكولاج والأعمال المركبة وغيرها.

كما تحمل هذه المعارض في طياتها خارطة كاشفة لحركة التيارات التشكيلية خلال الفترة المقبلة على أيدي أحدث الأجيال من الفنانين. وانطلاقا من هذا الإطار، يأتي المعرض الجماعي “الواعدون”، المنعقد حاليا في القاهرة.

يغلب الحضور النسوي على المعرض الضخم، الذي يحتضنه أتيليه العرب للثقافة والفنون (غاليري ضي) بالقاهرة في الفترة من 11 إلى 25 أغسطس الجاري، ويضم تجارب أكثر من ستين فتاة وشابا من أحدث الأجيال الفنية بمصر.

ويقدم المعرض وعودهم المتفجرة وأحلامهم الفنية الجامحة من خلال أعمالهم التي تجسّد مشروعات تخرجهم من كلية الفنون الجميلة بالزمالك، وهي أعمال تعكس نضجا ووعيا وتفاعلا مع تطورات التشكيل ومستجداته، واختير الفنانون المشاركون بدقة وعناية بمعرفة لجنة من خبراء الفن ونقابة التشكيليين.

منظومة حرة متناغمة

المرأة فريسة للأشباح في تجربة الفنانة رنا سمير
المرأة فريسة للأشباح في تجربة الفنانة رنا سمير

منحت المساحة الكبيرة للغاليري الفرصة كاملة لمشاركة أكبر عدد من الفنانين، الذين يمثلون كافة المدارس والمذاهب في الرسم والتصوير والغرافيك وفنون التشكيل المتعددة، وتتجاور وتتحاور اللمسات الواقعية والاتجاهات التعبيرية والتأثيرية والسريالية وغيرها في منظومة متناغمة تعكس رغبة الفنانين في التحقق وفرض الذات من خلال طرح كل فنان ملامح شخصيته المستقلة.

تحت مظلة التنوع والتعدد، يبدو الفنانون المشاركون متفقين على خوض رهان الحرية والتجريب والمغامرة، فكون الأعمال المشاركة مشروعات تخرج لم يمنعها من التحليق في سماء الخيال، لتكسر القواعد الأكاديمية الجامدة، وتنفلت من الأطر المنهجية الخانقة، إذ وعى الفنانون مبكرا بأن اعتناق أي مذهب لا يعني اجترار ما سبق، وأن الالتزام بضوابط معينة لا يعني التقيد الحرفي وكبح جماح الذات الثائرة.

وأعادت الفنانة أماني عادل صياغة الموروث الشعبي وطقوس الحارة المصرية من خلال تصويرها الشخصيات في بيئتها المحلية، وهي في حالة حركة، وحوار، وصراع، مع استقطار المختصر الدال من الملامح والاكتفاء به، وحذف التفاصيل الزائدة من المشهد الذي ينضح بالأصالة التعبيرية.

والتقت يارا درويش ومنة متولي في استشفاف الدفء العائلي والوهج الإنساني رغم برودة الطقوس الحياتية التي يعيشها البشر في واقع مأزوم، وجاءت الملامح الهادئة والألوان القاتمة لتعكس إشعاعات الداخل وفيوضات الذات بوقار يلائم هيبة الصمت واصطبار الشرائح الاجتماعية البسيطة.

سلمى شحاتة ترصد الدبابات كيف تهدد رؤوس البشر
سلمى شحاتة ترصد الدبابات كيف تهدد رؤوس البشر

ويقترح الأخوان شادي وفادي أشواق المصطفى، في مغامراتهما الفنية صورا ترميزية لإنسان العصر الحديث في غزواته الجديدة على صهوة جواد الحضارة المدنية، وهو في حقيقة الأمر لا يحارب إلا نفسه، ولا يدمر غير ذاكرته وخميرته البدائية الأصيلة.

من خلال الإفادة من الأشكال الهندسية وألعاب الموزاييك، تقدم ندى عزالدين شكري في تكويناتها البصرية صيغة موسيقية للإنسانية التي باتت متحجرة، وتطمح إلى استعادة جذورها الحضارية. وتزرع سلمى شحاتة في تركيباتها ومعالجاتها البصرية غير التقليدية رؤوسا بشرية في تربة طينية أمام مسار الدبابات التي تتحرك متجهة نحو حصد المزروعات والبشر على السواء.

تقع المرأة فريسة للأشباح في تجربة الفنانة رنا سمير، حيث تنتزع قوى الشر والظلام قلبها وتتركها وحيدة في عراء الواقع التدميري وصحراء الوحدة. وتتحول الحياة كلها إلى متاهة وخيوط متشابكة تفضي إلى النهاية في أعمال أماني إسماعيل، التي تقدم قراءة تجريدية للعالم بعد اختزاله لمجموعة من الرموز والإشارات الموحية.

تتسم لوحات الفنانة نورهان أشرف بالنزعة الصوفية، التي تتيح إشعال مصابيح في فضاء اللوحة، بالتوازي مع تفجير الشحنات العاطفية والانفعالية للأشخاص، خصوصا المرأة التي تمثلها الفنانة كمصدر دائم للطاقة المتجددة التي لا تنفد. وتأتي أعمال نور طاهر وإسراء عبدالفتاح ونورا المهدي ذات طابع تجريبي، حيث تمتزج الأشكال والحروف العربية والأجنبية في نماذج بصرية وتكوينات كولاجية مركبة، وتضبط الهندسة التصورية ميزان التخييل وإيقاع الرؤية، ويتوزع الإنسان بين آدميته الضامرة ووحشيته الظاهرة.

روح التحدي

الملامح الهادئة تعكس إشعاعات الداخل وفيوضات الذات في تجربة منة متولي
الملامح الهادئة تعكس إشعاعات الداخل وفيوضات الذات في تجربة منة متولي

يمثل التحدي كلمة السر في معرض “الواعدون”، الذي يتسع لما يشبه مباراة في الأداء والإبداع بين الفنانين المشاركين، وهذا ما يصفه هشام قنديل رئيس مجلس إدارة أتيليه العرب للثقافة والفنون “غاليري ضي” بأنه إذكاء لروح المنافسة، وإشعال لجوهر الفن.

ويرى قنديل أن المعرض يجسد منصة إطلاق مواهب حقيقية تمثل نضجا كبيرا في بداياتها المبكرة، ويقول لـ”العرب”، “تجارب الفنانين المشاركين تعكس وعيا وخبرة لديهم، على الرغم من صغر سنهم، وهذا يعني أنهم وضعوا أقدامهم بقوة على درب الفن الاحترافي الوعر، وطريق التسويق، في الآن ذاته”.

يعد المعرض إطلالة واعدة على رؤى ومقترحات ثرية وفتية في الفن التشكيلي المصري الجديد، تستعيد الصلة بالموروث الحضاري، وتفتح نافذة للغد المأمول.

نور طاهر تجسد الإنسان المقهور
نور طاهر تجسد الإنسان المقهور

 

14