"المغتربان".. قبو يجمع تناقضات العالم الفوقي بنظيره السفلي

عرض "المغتربان" يهدف إلى كشف الهوة بين العالم الفوقي الذي يعيش في رغد، وهو يستقبل عاما جديدا، والعالم السفلي الذي يجترّ فيه المغتربان بؤسهما.
السبت 2018/04/28
جدال عبثي

عمّان- أعادت فرقة مسرح “نعم” الفلسطينية مؤخرا تقديم مسرحية “المهاجران” للكاتب المسرحي البولوني سلافومير ميروجيك، في مسرح “الشمس” بعمّان الذي أسّسه حديثا المخرج المسرحي الأردني عبدالسلام قبيلات، وذلك بعد أن سبق وقدّمتها في العام 2017 خلال مهرجان الأردن المسرحي الـ24، بعنوانها العربي “المغتربان”.

ويحكي عرض “المغتربان” الذي ترجمه وعالج نصه الفنان جورج إبراهيم، وأخرجه إيهاب زاهدة، في تمثيل لمحمد الطيطي ورائد الشيوخي، عن مغتربين فلسطينيين في بلد غربي يقيمان في قبو مزر لبناية سكنية، أحدهما مثقف سياسي أربعيني نافر من الواقع الذي تركه وراءه، وساخط على السلطة القمعية التي خيّرته بين السجن أو الإبعاد عن الوطن بسبب نشاطه السياسي ومقالاته المناوئة لها، فاختار الإبعاد، ولعل في هذه المقاربة إشارة واضحة وجريئة إلى أن سلطة الاحتلال الإسرائيلي ليست وحدها المسؤولة عن معاناة الفلسطينيين، بل السلطة الوطنية أيضا.

 

حظيت مسرحية “المهاجران”، للكاتب المسرحي البولوني سلافومير ميروجيك، بأكثر من ترجمة إلى العربية، منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، وأُخرجت مرات عديدة في مغرب العالم العربي ومشرقه خلال العقود الثلاثة الماضية، كما حوّلها المخرج السينمائي السوري محمد عبدالعزيز إلى فيلم سينمائي بنفس العنوان، مثّله محمد آل رشي وسامر عمران، بعد أن قدّماها في عرض مسرحي رفيع المستوى في أحد أقبية حي “القزّازين” بدمشق عام 2008، ثم في القاهرة وعمّان وبيروت والشارقة، وقد شكّل العرض حينها نقلة نوعية في تاريخ الحركة المسرحية السورية، وحظي باحتفاء نقدي وجماهيري كبير، قلّما حظي به عرض مسرحي سوري منذ بداية الألفية الثالثة

أما الثاني، فهو عامل ثلاثيني بسيط يعمل 12 ساعة يوميا في مهنة شاقة جدا (حفر التمديدات الصحية) ليجمع قدرا من المال يحقّق به، عندما يعود إلى البلد، حلمه في بناء بيت لأسرته. ويعيش هذان المغتربان معيشة ضنك على هامش مجتمع غربي، منعزلين لا علاقات اجتماعية تربطهما بأهل المدينة، ولا احتكاك حقيقي مع العالم الخارجي. الأول يعتبر الثاني في البداية حيوانا، لكنه يكتشف في ما بعد أنه إنسان، والثاني ينظر إلى الأول في البداية على أنه ذو مكانة عالية، ثم يكتشف أنه لا يختلف عنه كثيرا.

ويجري الحدث الدرامي ليلة رأس السنة، بقصد سيميائي هدف الكاتب ميروجيك في مسرحيته الأصلية التي حملت عنوان “المهاجران” إلى كشف الهوة بين العالم الفوقي الذي يعيش في رغد، مبتهجا ومنتشيا بالموسيقى والرقص والمشروب، وهو يستقبل عاما جديدا، والعالم السفلي الذي يجترّ فيه المغتربان بؤسهما، ويتخبّطان في أحلامهما وأوهامهما.

وفي تلك الليلة الباردة يعود العامل إلى القبو، بعد أن قضى ساعات في محطة القطار، يتفرّج على مظاهر الرفاهية دون أن يقدر على شراء المتع التي يراها، ليجد شريكه المثقف مستلقيا على سريره يقرأ كتابا.

وما إن يلقي العامل على أسماع شريكه حكاية مختلقة عن لقائه بامرأة جميلة في المحطة، ونيله قبلات ساخنة من شفتيها، حتى تثور ثائرة الثاني، ويبدأ بتفكيك الحكاية وإعادة نسجها مجرّدا إياها من الأكاذيب التي غلّفها بها العامل.

ومن هذا الموقف يتفجّر الصراع بين المغترِبين ويتشاكسان وينبشان الكثير من القضايا، ويفضحان تناقضاتهما وأكاذيبهما الهائلة حتى يكادا يدمّران بعضيهما، فالعامل يزيح الستار عمّا في داخل المعارض السياسي، الذي يتفلسف ويتشدّق بالمنطق والأخلاق والتاريخ، مُظهِرا كل عقده وعجزه ونظرياته ومثالياته التي لا تقوى على مواجهة الواقع، بل كشَف عن فشله في تأليف كتابه المزعوم عن الحرية والعبودية، وعجزه عن فعل أي شيء حتى العمل، باستثناء التمدّد في الفراش ومطالعة الكتب والمجلات، وملاحقة شريكه في السكن، وفضح تخلّفه وبهيميّته، ومحاولة جعله مادة لنظريته حول العبودية. وفي المقابل يكشف المثقّف عن أسرار العامل وأكاذيبه وسذاجته وأوهامه عن وضعه وقذارته وبخله الشديد الذي يدفعه إلى تناول طعام الكلاب لكونه أرخص ثمنا.

المال والسلطة

لا همّ للعامل إلاّ جني المال، فهو يعتقد أنه إذا عاد إلى أهله بمال وفير يستطيع أن يفرض احترامه على الآخرين، أما مشكلة المثقف فإنها ناجمة عن استبداد السلطة الحاكمة في بلده، تلك السلطة التي صادرت حريته في التفكير والتعبير.

لكن غياب العبودية في البلد الغربي الذي أُبعد إليه يحُول دون تأليفه لكتابه، حسبما يدّعي، لذا فإنه يريد أن يستخدم شريكه العامل عينة ليثبت أن العبودية غريزة في مجتمعه، فهو يعتبره عبدا للمال وللسلطة الحاكمة، ونموذجا للمواطن المقموع.

ومع ذلك يفاجئه العامل البسيط، بعد أن يشاركه في احتساء زجاجة خمر احتفالا برأس السنة، ويطيح بنظرياته حين يمزّق ما جمعه من مال في نوبة عصبية تحت ضغطه المتزايد عليه، أي أنه تحرّر ممّا اعتقده المثقف نوعا من العبودية الملازمة لشخصيته، وإذ تحركت إرادته الحرة أخيرا يستغرب المثقف تصرفه، وينعته بالجنون.

وعند هذه الانعطافة الدرامية تختلّ موازين الأمور في ذهن المثقف من جديد فيمزّق الأوراق التي دوّن فيها ملاحظات لكتابه، قائلا “أنت ستجمع نقودك من جديد، وستعود إلى وطنك وقريتك”.

وتتسم حوارات المسرحية تارة بطابع متوتر مشحون بالعدائية، وتارة ثانية بطابع الشك والتحقيق الاستفزازي، وتارة ثالثة بالانفعالات الوجدانية، وتارة رابعة بالسخرية اللاذعة، لكن المثقف يحاور شريكه العامل في أغلب الأحيان بنوع من الوصاية المعبأة بالاستهزاء والحطّ من قيمته، وحين تنقلب الأدوار في لحظة درامية مؤثّرة نصطدم بأن العامل البسيط يعي تماما واقعه والخواء الذي يعيشه، كما لو أن خياره جاء نتيجة قرار.

البطلان يعيشان معيشة ضنك على هامش مجتمع غربي، منعزلين لا علاقات اجتماعية تربطهما بأهل المدينة

توتر واستفزاز

تقودنا المواجهة بين الطرفين إلى لحظة يشعر فيها المثقف بأن شريكه سيتركه، فيحاول إبقاءه معه لئلا تضيع مادة الكتاب الذي ينوي تأليفه، ثم ترتفع حدة التوتر بينهما حتى يبلغ الفعل الدرامي موقفا يحاول فيه العامل قتل المثقف، خوفا من وشاية وتقارير ملفقة يدّعي شريكه المثقف بأنه سيكتبها كي يبقى إلى جانبه، أو في صورة معاكسة حين يحاول المثقف إقناعه بأن يعدل عن الانتحار في لحظة أخرى، رغم أنه لا يتوقف عن اتهامه بالعبودية للمال.

ولم يتصرّف المترجم جورج إبراهيم والمخرج إيهاب زاهدة في النص الأصلي إلاّ بما يتوافق وخصوصية الواقع الفلسطيني، وقد حلّ إبراهيم إشكالية ترجمته إلى اللغة العربية مع وجود شخصيتين متناقضتين، أحدهما مثقف جدا والآخر أمّي جدا، بأن استخدم اللهجة الفلسطينية المحكية الموغلة في محليتها على لسان العامل، واللغة المهذبة على لسان المثقف، رغم أنه جعلهما في بعض المواقف يتساويان، خاصة حينما يستخدمان الألفاظ والشتائم النابية ومفردات الشارع الفلسطيني.

وبرزت جمالية العرض وتكامله من خلال تضافر عنصري التمثيل والإخراج المتقنين، فقد شد محمد الطيطي المتلقين إلى موهبته في أداء شخصية العامل البسيط بتلقائية آسرة، وتحوّلات سلسة من موقف إلى آخر، ومن حالة إلى أخرى، متنقلا من السخرية والتهكم إلى الجد والمعاناة، وبالعكس حيثما يتطلب الموقف وتستدعيه الفطرة الإنسانية. ومثله استطاع رائد الشيوخي تجسيد شخصية المثقف في لحظات توتره، وتعاليه الكاريكاتيري الفارغ ولا مبالاته وقلقه وانبساطه وإنسانيته.

وفي الجانب التقني شكّلت السينوغرافيا والمؤثرات الصوتية والإضاءة عناصر إبداعية ودلالية أساسية ارتقت إلى مستوى أداء الممثلين، وتناغمت معه في تجسيد الرؤية الإخراجية للمخرج إيهاب زاهدة، فقد جعلتنا نتخيّل ما يجري في العالم العلوي المرفّه، حيث يحتفل سكان البناية في ليلة رأس السنة، ويمارسون طقوسهم وعاداتهم الطبيعية (منها استخدام دورات المياه التي نسمع فرقعاتها)، والعالم السفلي حيث يعيش العامل والمثقف بين أنابيب الصرف الصحي في قبو تلك البناية، حيث يتخاصمان خصاما عبثيا ويتبادلان التهم، في حين أن كليهما ضحية للقهر والبؤس في العالم الذي جاءا منه.

13