المغتربون مصدر "مهمل" للعملة الصعبة: تونس تستنجد بعمالها في الخارج لتجاوز أزمتها

التوتر السياسي عقبة أمام مساهمة المغتربين في النهوض بالتنمية والاقتصاد.
الأربعاء 2021/02/17
أزمة ثقة

يلعب المغتربون دورا مهما في تحفيز الاقتصاد في تونس وهو ما كشفت عنه الجائحة بإنعاشهم المالية العمومية وإنقاذهم الموسم السياحي عبر ضخهم العملة الصعبة. وفيما تسعى الحكومة للاستفادة من هذا الدور أملا في معالجة الأزمة الاقتصادية التي ترزح تحت وطأتها البلاد، يؤكد المتابعون أن استقطاب المغتربين نحو المزيد من الاستثمار والمساهمة في خلق حلول وإصلاحات داخلية يصطدم بجملة من الصعوبات والتحديات أبرزها المناخ السياسي المأزوم.

تونس - تخطط الحكومة التونسية إلى الاستفادة من المغتربين في مواجهة التحديات الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، خاصة أنهم لعبوا دورا حيويا في إنعاش اقتصاد هش عقب ظهور الجائحة عبر ضخهم العملة الصعبة، وكانت تحويلاتهم المالية بمثابة قشة نجاة على رغم الظرف الصحي وحالة الركود الاقتصادي.

وفيما تبدو الخيارات ضيقة أمام الحكومة في ظل ما تعانيه من الأزمات التي تزايدت حدتها مع عودة الاحتجاجات الاجتماعية المنددة بتردي الأوضاع واستمرار الاحتقان السياسي، فإنها اتجهت للبحث هذه المرة في استثمار ورقة المغتربين للنهوض بالتنمية ومعالجة النقائص التي حالت دون تفعيل دورهم بشكل أكبر في المشهد المحلي.

وأعلن ديوان التونسيين بالخارج (حكومي) عن إطلاق دراسة عبر الإنترنت بشأن المساهمة الاقتصادية والاجتماعية للمغتربين، حسب بيان نشره على صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، الأحد. وتهدف الدراسة، التي تقوم على استبيان على موقع الديوان على شبكة الإنترنت موجه للمغتربين، إلى تقييم مساهماتهم الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية وإبراز دورهم في التنمية في تونس.

وستسمح نتائج هذه الدراسة، للحكومة بتحديد استراتيجية واضحة في هذا المجال وإيلاء المغتربين المكانة التي يستحقونها في ضوء مساهماتهم الكبيرة في دفع الاقتصاد في البلاد.

هالة بن يوسف الورداني: بإمكان المغتربين القيام بدور أكبر في تحقيق التنمية في أوطانهم
هالة بن يوسف الورداني: بإمكان المغتربين القيام بدور أكبر في تحقيق التنمية في أوطانهم

وحظي المهاجرون التونسيون باهتمام السلطات من خلال ديوان التونسيين بالخارج الذي تشرف عليه وزارة الشؤون الاجتماعية وقد سنت لفائدتهم العديد من التشريعات تحمل تسهيلات ذات طابع جبائي. وتؤكد الحكومة مرارا على حرصها توطيد تواصل المهاجرين بالوطن الأم من خلال تسهيل عودتهم خلال العطل وعبر إحداث أقسام لتعليم اللغة العربية وبرامج تلفزيونية موجهة إليهم.

إلا أن سنوات الانتقال الديمقراطي الصعبة بعد ثورة يناير 2011 ألقت بظلالها سلبا على المهاجرين مع انهماك الحكومات في مواجهة استقرار هش حسب المتابعين، ولم يقع الاهتمام والإنصات إلى مشاغلهم بشكل كاف، كما ظل حضورهم السياسي ضعيفا ومنحصرا في عملية الاقتراع مع كل سباق انتخابي.

وأظهرت الأزمات خاصة أزمة كورنا حاجة البلاد إلى خبرات المغتربين وكفاءتهم في الخارج، خاصة مع تزايد هجرة الأطباء والعاملين بقطاع الصحة. ولم تتردد الحكومة في الإعراب عن نيتها استجلاب الكفاءات، وهي خطوة يصعب تطبيقها على أرض الواقع في ظل غياب الحوافز الاقتصادية وضعف قنوات التواصل مع المغتربين.

ويؤكد متابعون أن استفادة الحكومة من دور المغتربين قد تواجه العديد من الصعوبات والتحديات، وذلك نتيجة لسياسات سابقة قادت إلى تهميشهم وتغييبهم خاصة على الصعيد السياسي. ويعتقد هؤلاء أن الحكومة بحاجة إلى مراجعة دور المغتربين على جميع الأصعدة دون الاقتصار على الجانب الاقتصادي.

وتلفت هالة بن يوسف الورداني وهي نائبة رئيسة الاشتراكية الدولية للنساء ونائبة رئيس حزب التكتل ومقيمة بفرنسا منذ أكثر من 27 عاما في حديثها لـ”العرب” إلى أنه “بوسع المغتربين أن يساهموا في تحقيق منوال تنمية لوطنهم الأم على مستويات مختلفة، ولكن على شريطة أن يتم التعامل معهم كعامل فاعل وأساسي لتقديم ما هو أكثر من التحويلات النقدية فحسب، بل يمكن أيضا نقل المعارف أو كسب العقول والاستثمارات المباشرة واستحداث الشبكات المهنية”.

وحسب تعبيرها، بوسع المغتربين أن يساهموا بشكل فعال على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلا أن الحكومات لا تلجأ إليهم إلا حين تكون بحاجة إلى دعمهم المالي.

وترى أنه بإمكانهم القيام بدور أكبر في تحقيق التنمية. وتشرح بالقول “إذا شارك 1 في المئة فقط من المغتربين التونسيين مشاركة كاملة في تنمية وطنهم الأصل، فمن شأن ذلك أن يقود إلى مساهمة فعالة وآنية”.

لكن، وفق رأيها، هذه المساهمة لن تتحقق دون أن تساعد الدولة المغتربين في استثمار تحويلاتهم في المشاريع التي تؤثر في التنمية.

وتضيف “يجب أن تكون هناك تدخلات سليمة من طرف السلطات حتى توظف هذه الأموال في مشاريع البنى التحتية التي تساعد في توظيف العاطلين ولتصب بذلك في ميزان النهضة الاقتصادية”.

ويناهز عدد التونسيين المقيمين بالخارج المليون و300 ألف تونسي، أغلبهم يقيمون في فرنسا تليها إيطاليا ثم ألمانيا فبلدان الخليج العربي، حسب إحصائيات محلية.

وتنشط العديد من الجمعيات التونسية في المهجر وتقوم بعمل هام ومتطور لمساعدة المغتربين في جميع المجالات الاجتماعية والثقافية والتربوية، كما تقوم بمعاضدة جهود الدولة عبر المشاركة في المد التضامني والاجتماعي أثناء الأزمات وهو ما كشفت عنه الجائحة.

وتعد الجالية التونسية بالخارج بمثابة جسر يربط تونس بالعالم وتحمل على عاتقها مهمة الترويج لصورة البلاد في الخارج. وتؤكد أوساط المغتربين أنه بوسع هذه الجالية أن تكون شريكا هاما وأن تدعم النمو بالبلد، غير أن هناك صعوبات تحول دون ذلك، مثل البيروقراطية وعدم تسهيل المعاملات المصرفية.

مصدر مهم للعملة

تحويلات المغتربين تجاوزت الكثير من مصادر الإيرادات في تونس من العملة الصعبة خلال الأزمة الصحية
تحويلات المغتربين تجاوزت الكثير من مصادر الإيرادات في تونس من العملة الصعبة خلال الأزمة الصحية

في الوقت الذي ترزح فيه تونس تحت أسوأ أزمة اقتصادية، بتحقيق نسبة انكماش بلغت 8.8 في المئة في 2020 بسبب تداعيات الجائحة، وتعرف فيه المالية العامة وضعا شديد الصعوبة مع تسجيل عجز في الميزانية بلغ 11.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2020، وهو أعلى مستوى في حوالي أربعة عقود، يلعب المغتربون دورا اقتصاديا مهما.

يؤكد خبراء الاقتصاد أن التحويلات المالية للمغتربين تشكل مصدرا رئيسيا للعملة الصعبة في تونس، حيث تمثل نحو 11 في المئة من مجموع القطاع الخارجي الذي يتشكل من عائدات القطاع السياحي وتحويلات التونسيين في المهجر وإيرادات التصدير والاستثمار الأجنبي المباشر.

ويشير مروان فلفال عضو لجنة المالية بالبرلمان في حديثه لـ”العرب” أن “التحويلات المالية للمغتربين من أبرز الموارد المالية للدولة”. لافتا إلى أن العملة الصعبة مهمة جدا لتوازنات المالية العمومية.

مروان فلفال: تحويلات المغتربين مهمة جدا لمخزوننا من العملة الصعبة
مروان فلفال: تحويلات المغتربين مهمة جدا لمخزوننا من العملة الصعبة

وتابع “هذه التحويلات مهمة جدا لمخزوننا من العملة الصعبة”. وبإمكان المغتربين المساهمة في عجلة التنمية وتوسيع مناخ الاستثمار، إضافة إلى مجهودهم التضامني والاجتماعي في وقت الأزمات، حسب تعبيره.

ولم يستبعد تأسيس اكتتاب خاص بالمغتربين للاستثمار في قطاع الخزينة بالعملة الصعبة، وهو مقترح حكومي مطروح بجدية.

واستحضر فلفال مساهمة المغتربين في إنقاذ الاقتصاد العام الماضي بعد ركود القطاع السياحي وما نجم عنه من أضرار. وأردف “في وقت تشهد فيه السياحة صعوبات، ساهمت عودة التونسيين إلى أرض الوطن في تنشيط القطاع”.

ويوفر قطاع السياحة في تونس أكثر من 400 ألف فرصة عمل بصفة مباشرة وغير مباشرة، كما يعد من المصادر الأساسية للعملة الصعبة في البلاد.

وفي خضم حالة الطوارئ الصحية تجاوزت تحويلات المغتربين الكثير من مصادر الإيرادات في تونس من العملة الصعبة. وبلغت التحويلات وفق تقرير رسمي للبنك المركزي التونسي في يونيو الماضي، 1778 مليون دينار (628 مليون دولار)، مقابل 1891 مليون دينار (668 مليون دولار) في ذات الفترة من العام الماضي.

وذكر مروان العباسي محافظ البنك المركزي في تصريحات صحافية سابقة أن “المغتربين وفروا عملة صعبة أكثر من السياح الأجانب”.

وفيما يؤكد المتابعون الحاجة إلى توسيع مشاركة المغتربين في إدارة أزمات بلادهم، عبر تهيئة كل الأرضيات الملائمة من تشريعات وحوافز اقتصادية، إلا أن المناخ السياسي المتوتر وتعطل مؤسسات الدولة بسبب التجاذبات الحزبية والاحتجاجات الشعبية، يجعلان من مساهمات المغتربين بمثابة مغامرة غير محسوبة العواقب.

ويعتقد فلقال أن حالة عدم الاستقرار السياسي تخلق حالة من عدم الثقة في مؤسسات الدولة وهو ما يقلق المغتربين، وهي في نظرهم صعوبات تحولُ دون العودة إلى وطنهم أو المساهمة في الاستثمار.

تغييب سياسي

بوسع الجالية التونسية بالخارج أن تكون شريكا هاما وأن تدعم النمو بالبلد غير أنّ هناك صعوبات تحولُ دون ذلك، مثل البيروقراطية وعدم تسهيل المعاملات المصرفية
بوسع الجالية التونسية بالخارج أن تكون شريكا هاما وأن تدعم النمو بالبلد غير أنّ هناك صعوبات تحولُ دون ذلك، مثل البيروقراطية وعدم تسهيل المعاملات المصرفية

فيما ترى الحكومة في المغتربين ورقة لضخ العملة الصعبة من شأنها أن تعالج جراح الاقتصاد المتعثر، إلا أن ذلك لن يتحقق دون إحداث تقارب أكبر مع المغتربين والإنصات إلى مشاغلهم ورؤيتهم لواقع البلاد، وعدم الاكتفاء بمبادراتهم الخاصة.

وتشكو أوساط المغتربين من التهميش وتغييب دورها على الساحة السياسية، كما تندد بضعف الدبلوماسية التونسية في التعاطي مع مواطنيها بالخارج.

وأعرب حسان القبي، أستاذ الاقتصاد السياسي المقيم في باريس، في حديثه لـ”العرب” بالقول “نحن كنخبة في الخارج نتابع باهتمام المشاكل التي تعيشها تونس لكن للأسف لا توجد أي قنوات اتصال بين المغتربين وأصحاب القرار السياسي”.

ويلاحظ القبي أنه يوجد تفاعل بين التونسيين في الداخل والخارج على مواقع التواصل، في حين لا توجد قنوات رسمية للتواصل مع المغتربين من النخبة الوطنية. ويرى أن “ديوان المواطنين بالخارج شبه ميت ولا يقوم بأي دور”.

حسان القبي: لا وجود لأي قنوات اتصال بين المغتربين وأصحاب القرار السياسي
حسان القبي: لا وجود لأي قنوات اتصال بين المغتربين وأصحاب القرار السياسي

وتابع “كان بإمكان الدبلوماسية أن تفعّل دوائر تفكير بالنسبة إلى الكفاءات الموجودة في الخارج، لكنها لا تتواصل معهم”.

وأمام العوائق الاتصالية، وانحصار مهام الحكومة على الاهتمام بأوضاعها الداخلية، يقترح المغتربون من فترة إلى أخرى مبادرات فردية كمساهمة وحلول لأزمات البلاد، لكنها لا تلاقي اهتمام السلطات.

يقول القبي “يحاول كل من موقعه تقديم حلول في المجال الصحي أو الاقتصادي”. مبديا استغرابه من عدم اتصال وزارة الصحة بكفاءتها الطبية المقيمة في المهجر.

وشهدت تونس في السنوات الأخيرة هجرة كثيفة للأطباء والكوادر الطبية نحو دول أوروبية وخليجية بحثا عن ظروف عمل أفضل. وهاجر نحو 300 طبيب عام 2017 وفقا لإحصاءات رسمية.

وتابع القبي “كان بإمكان وزارة الصحة أن تستنجد بأطباء من الخارج من أهل الاختصاص في الأوبئة أو برجال اقتصاد خاصة وأن مشكلة تونس اقتصادية بالأساس”. واستدرك “للأسف الدبلوماسية التونسية في سبات عميق”.

وبخصوص الدور السياسي للمغتربين، استبعد القبي قدرتهم على لعب أي دور في الأزمة الراهنة في ظل تغييب كامل لهم. معلقا بأن “نواب تونس المحسوبين لى الخارج لا يحظون بالمتابعة”.

ويقتصر حضور المغتربين في الانتخابات عبر عملية الاقتراع، حيث يمكن للتونسيين بالخارج المشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بعد ترسيمهم في القوائم الانتخابية، ولهم تمثيل في البرلمان.

ويلاحظ المتابعون أن حضورهم في المشهد السياسي ضعيف في ظل غياب الاهتمام الإعلامي، كما تكتفي الجالية المقيمة بالخارج بالتعليق على المستجدات بالبيانات وإبداء رأيها على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويستنتج المتابعون أن من الضروري ردم الهوة بين الحكومة والمغتربين كما هو الشأن في الداخل، وبناء مناخ الثقة حتى يتسنى لهم المشاركة الفعلية في الإصلاحات الاقتصادية العاجلة التي تحتاجها البلاد.

12