المغربي مبارك البوحشيشي.. فنان يوظف سيرته الذاتية لسرد رؤاه الفنية

الفنان يعلن من خلال أعماله التشكيلية عن نقاش مفتوح لماهية التعددية الإثنية بالمغرب، وإلى أي حد هناك اقتناع بأحقية جميع المكونات الإثنية في أن ترسم وجودها.
الأربعاء 2021/04/07
توليد صور جديدة تكسر النظرة النمطية للآخر

يتواصل حتى السادس والعشرين من أبريل الجاري برواق “لاتوليي 21” بالدار البيضاء معرض “المرآة الصامتة” للفنان مبارك البوحشيشي الذي اختصّ في تجسيد وتصوير الجسد الأسود وتمثله داخل المجتمع المغربي، ما يجعل منها صورة من سيرة ذاتية لا يمكن تجاهلها فنيا.

الدار البيضاء (المغرب) – مبارك البوحشيشي فنان مغربي مهووس بقضية، سكنته لسنوات، وباتت البوصلة الموجهة لكل أعماله، فإن كانت “المرآة” صامتة أو خرساء عند هذا الفنان التشكيلي، إلاّ أنها رغم صمتها فهي ما تفتأ تُسائل كل متلق وزائر لمعارضه عن مدى تقبله للآخر، الذي ليس إلاّ ذاك المغربي الذي ولد ببشرة سوداء، ومدى قبوله بالاختلاف وإيمانه بالعيش المشترك ضمن مجتمع متعدد الهويات الثقافية واللغوية والإثنية.

هوس يؤكّده البوحشيشي، قائلا “أنا مهووس بقضية المغربي الأسود الذي سكن أعمالي، في ارتباط بي وبحياتي وبالبعد الجغرافي الذي نشأت فيه وعلاقاتي الاجتماعية”.

مبارك البوحشيشي: أنا فنان مهووس بقضية المغربي الأسود الذي يسكن أعمالي
مبارك البوحشيشي: أنا فنان مهووس بقضية المغربي الأسود الذي يسكن أعمالي

ومن خلال أعماله التشكيلية يقف هذا الفنان ليعلن عن نقاش مفتوح لماهية التعددية الإثنية بالمغرب، وإلى أي حد هناك اقتناع حقيقي ومبدئي بأحقية جميع المكونات الإثنية للمجتمع المغربي في أن تعلن وترسم وجودها بكل تمظهراته وتعبيراته العرقية والثقافية والاجتماعية.

وفي لوحاته، التي يختار لها مساحات كبيرة يتمدّد فيها بحرية ذاك الجسد الأسود مثقلا بالأحكام النمطية والتمثلات المتوارثة عن ماهية وكينونة هذا الجسد، يحاول البوحشيشي أن يمنح لهذه الذوات حياة أخرى أكثر حرية وإشراقا، من خلال خلفيات صفراء تجعل من حضور اللون الأسود طاغيا ومهيمنا على الفضاء بأكمله.

هي مسيرة فنية متواصلة ومستشرفة للمستقبل، بأسئلة مفتوحة على المتلقي، تاركة له حرية الإجابة عنها عبر تفاعله المباشر مع اللوحات التي يعرضها عليه هذا الفنان القادم من الجنوب المغربي، تحناوت تحديدا، والحامل معه لتفاعلات اجتماعية عاشها منذ طفولته وعاينها في مراحل مختلفة من حياته، وفي إطلالته على كل ما كتبه المستشرقون عن المكوّن الأسود في النسيج الإثني المغربي، والذي أرسى بظلاله على تمثل المجتمع للجسد الأسود ولأصوله الأفريقية.

يقول البوحشيشي “في كل مرة أحاول أن أبحث عن مدخل آخر لأناقش به وأضع هذه الأطروحة كموضوع للتساؤل الاجتماعي حول الغنى الثقافي الإثني في أبعاده المختلفة، في معرضي الأخير ‘المرآة الصامتة’ سؤال عن مدى اندماجنا ومدى تقبلنا للآخر، مجموعة لوحات تبرز الجسد الأسود بكل تقاسيمه، في محاولة لإظهار ما معنى أن تكون أسود اللون في مغرب اليوم”.

ولتكون الصورة كاملة وغير مجتزأة، اختار البوحشيشي أن يشتغل على تقنيات مختلفة، منها مادة المطاط التي قد يكون من الغريب استعمالها، إلاّ أنه حوّلها إلى خامة تشكيلية، يحوّرها كيفما يشاء، ليُرينا كيف يمكن توليد صور جديدة نكسر بها الصور النمطية عن الآخر.

الخلفيات الصفراء، عند هذا الفنان، ليست اختيارا دون معنى، بل هذا اللون عند البوحشيشي لإثارة الانتباه إلى موضوع مسكوت عنه داخل المجتمع المغربي، ويبقى مغيبا عن النقاش العام، لون يجمع بين التنبيه والتحذير إلى وجود خطر يهدّد لحمة المجتمع، في حال استفحلت الفوارق بين المكونات الإثنية واللغوية والثقافية للهوية المغربية الجامعة، وحظ كل منها في الحضور.

ويرى البوحشيشي أن “الصور النمطية التي خلقها الاستعمار من خلال استغلاله لصورة الأفريقي الأسود في الإعلانات التسويقية واستخدامه للون الأصفر كخلفية لتلك الإعلانات دفعتني إلى تقديم هذا اللون بشكل جديد في سعي مني لتفكيك تلك الصور النمطية وخلق صور جديدة لحضور الجسد الأسود في تشكيل التعدد الإثني المغربي”.

والفنان المهووس بقضية التعدّدية الإثنية للمغرب يؤكّد أنه في كل أعماله يروم إيصال “رسائل كثيرة، أن نعترف بأفريقيتنا وبتنوّعنا الإثني وبغنى وقوّة التنوّع الذي يميزنا، إلى جانب عدم الانخراط في أي محاولة لتغييب أو إخفاء عنصر مهم من عناصر هويتنا الجماعية”.

Thumbnail

وعن جمهوره المستهدف، يقول “إن العمل الفني بالنسبة إلي يشبه كتابة مجموعة من الرسائل وإرسالها إلى أقصى عدد ممكن من الناس، فلا يهمني معرفة مكان هؤلاء الأشخاص، ما دامت رسائلي قد وصلت. وأنا لا أهدف للوصول إلى منطقة معينة. عملي الفني ليس به عنف. حسنا.. هناك عنف، ولكنني أعبّر عنه بشكل مختلف لأنه يحمل بداخله جمالية تختبئ خلفها طبقة أخرى من العنف ترتبط بمواضيع لا تزال تعتبر من التابوهات. في الحقيقة، إن أوسع جمهور أودّ الوصول إليه هو الأشخاص الذين أعمل معهم بالذات، هم الناس الذين التقيهم في القرى التي عشت فيها أو مررت بها”.

هكذا كرّس البوحشيشي سيرته الفنية لعرض ثيمات تعكس رؤيته وتصوّره للجسد الأسود وتمثله داخل المجتمع المغربي، ما يجعل منها صورة من سيرة ذاتية لا يمكن تجاهل فصولها.

موضوعات استلهمها الفنان المغربي من بيئته المحيطة، ليبصم عبر لوحاته وتشكيلاته اللونية وعبر رسوماته وإنشاءاته عن إحدى التجارب التشكيلية الأكثر أهمية والأكثر معاصرة بالمغرب، فهو في رحلة بحث دائم عن تحقيق التناغم بين المساحات الفارغة والممتلئة، لتوفير فضاء أوسع لتشكيل توافق مع المتلقي بشأن الإشكالات والقضايا التي تسكنه، بدقة عالية وحركية منسابة، فيخلق منها ومن خلالها إطارات مفتوحة تغذّي حس التأمل لدى متلقي أعماله.

لوحات البوحشيشي وأعماله تنبني على قضية محورية تتمثل في التعدّدية الإثنية داخل المجتمع المغربي، محلقا في عوالم غير اعتيادية وغير خاضعة لقواعد درس علم الاجتماع، عوالم تمنحه حرية أكثر وتُتيح له إدراك كينونة الآخر كتجربة وجودية مختلفة، لكن من حقّها أن تكون.

16