المغربي نجيب مبارك الشاعر فنان سوريالي

الأربعاء 2014/02/12
نجيب مبارك يعتمد سريالية الشعر في ديوانه

روتردام- قبل الحديث عن ديوان “على مرأى من العميان “الصادر عن دار مرسم سنة 2013 للشّاعر المغربيّ نجيب مبارك، يجدر القول أنّ التحذير الآتي يليق بمقدمة الكتاب: ”عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة: وأنت تدخلـ(ين) ديوان “على مرأى من العميان ” ستتورّطـ(ين)، وبعض الورطات لحسن الحظّ رائعة”.

يستقبلنا العصفور في أوّل قصيدة، وهو يلعب النّرد. ويناشدنا الشّاعر أن لَا نضغط عليه قائلًا: “لَا تضغطوا على العصفور/ إنّه يلعب النّرد/ فكّروا/ من سيأخذ مكانه إذا انسحب، أو لم يتمكن مرّةً على الأقلّ/ من توريط الجسر في مونولوغ مثلًا” يكسب العصفور تعاطفنا كما كسب تعاطفنا من قبل عندما قال عنه بريفير: ”إذا لم يغنّ العصفور/ فتلك إشارة سيّئة/ إشارة لكون اللّوحة سيّئة/ لكنْ إن غنّى/ فتلك إشارةٌ حسنة/ معناها أنّ بإمكانكم التّوقيع/ فلتسحبوا بلطف شديد/ ريشةً من العصفور/ ولتكتبوا اسمكم في ركن من اللّوحة”، مع اختلاف في اللّغة والسّياق واتّحاد في الشاعرية.

الكائنات والأشياء الكثيرة ستتوالى بعد العصفور والنرد والجسر، ليحصل كل مرَّة التّداخل اللّازم الذي يساهم في تدمير المسافة بين الواقع والخيال، لندخل سريالية الشّعر مجدّدًا، ونتجاوزها إلى كثافة نثريّة توقع بنا حدَّ التّيه والرّغبة الملحّة في الدّوران اللَّولبيّ لتبيُّن الذي جرى أو ما تناسبه كلمة ”السّر” كما يستعملها الشّاعر في نصّ “دون قصد”: “دون قصد أتلمّس خيط عنكبوت وأتقبّل تحيّةً سامّة.. كانت تقفُ على باب كلّ خيمة شجرةٌ وحيدة لَا ظلّ لها. شجرةٌ كلُّ من رآها بَكى. ومن لم يرها ضاع منه السرّ”.

احتمال وارد جدّا أنّ من دخل معرضًا لدالي سيستحضره هنا، فالفنّان والشاعر يملكان كلّ أدوات الجمال والتقنية لخلق الصّور الشّديدة الواقعيّة، لكنّهما في السّريالية يختاران التّحدي الذي يريحهما في إخراج ما يريدان ليصير واقعًا بكلّ حمولته المذهلة. يقول دالي: ”إنّي أحاول أن أخلق أشياء خيالية؛ أشياء ساحرة، أشياء كما في الحلم. العالم يحتاج لخيال أكثر. حضارتنا ميكانيكية؛ إنّنا نستطيع أن نجعل الخياليَّ واقعيًّا، فيصير أكثر واقعيّة من الواقع الموجود”.

وما يتكرّر في الدّيوان هو ولَادة حالات خيالية بأحاسيس إنسانيّة ناضجة تتحول إلى نسق واقعيّ يفرض وجوده. المتاع اللغويّ المتنوّع والغنيّ للشّاعر نجيب مبارك بمخاطبته للحواسّ وفتحه لأبواب الحداثة لا يخلق متعة التنقل بين القصائد فحسب، بل إنّه يجعل التنقّل بين السّطر والسّطر مغامرة منطلقة نحو مجهول قد يكون شيئا بسيطا كزرٍّ يسقط من معطف، أو معقّدا كحياة ترتب بأكملها في حقيبة ساكسفون.

يفتح لنا شاعر آخر منفتح على العالم من حوله مجدّدًا أبواب الأمل بنقل صورة بالألوان الزاهية عن الإنسان العربي الذي يحلم ويتفاعل ويتخيّل بحرية خارج الواقع ثم فيه بدون أنانية ولا انطواء يرفض الاختلاف. قصائد ديوان ”على مرأى من العميان” تمتلك كلّ المؤهلات التي تساعدها لتتنقل بمرونة بين اللغات وتسلك دروبها الجميلة في الثّقافات الأخرى نحو الإنسان أينما كان.

14