المغرب.. أزمة المعارضة والائتلاف الحكومي تشتد

الأربعاء 2014/01/08
احتقان شعبي وحزبي ضد حكومة بن كيران بسبب فشلها في تحقيق وعودها الانتخابية

رفع حزب الاستقلال (المعارض) في المغرب دعوتين قضائيتين ضد رئيس الحكومة عبدالإله بن كيران في رد على الاتهامات التي وجهها هذا الأخير لقياديين من حزب الاستقلال بتهريب أموال إلى الخارج.

بين الخروج من الحكومة والاصطفاف مع المعارضة، أصبح الاستقطاب الحاد سيد الموقف في الساحة السياسية المغربية، بين أمين عام حزب الاستقلال، حليف البارحة، ورئيس الحكومة.

كانت جلسة المساءلة الشهرية، التي انعقدت يوم الثلاثاء الماضي، بمجلس النواب النقطة الفاصلة في تفاقم الصراع بين الطرفين، فالجلسة البرلمانية أراد من خلالها رئيس الحكومة، عبدالإله بن كيران، توريط المعارضة بتحريك إصبع الاتهام ضد قيادات حزب الاستقلال بتهريب الأموال إلى الخارج.

أمام هذا الاتهام، بات رئيس الحكومة مطالبا بإبراز وثائق تدعم صدق دعواه، حيث اعتبر حميد شباط، أمين عام حزب الاستقلال، أن رئيس الحكومة “تجاوز اختصاصاته الدستورية من خلال تدخله في اختصاصات السلطة القضائية، التي تملك وحدها سلطة الاتهام، وهذا الأمر يعتبر مسّا بمبدأ دستوري ثابت هو فصل السلط”.


مسؤولية الاتهام


بن كيران أقسم في الجلسة أنه لن يكشف عن أسماء المتهمين رغم إعلانه أنه يتوفر على معطيات تتهم متورطين في تهريب أموال خارج المغرب. هنا نتساءل، هل تلك الزوبعة التي أطلقها بن كيران، جاءت بوصفه رئيسا للحكومة أو رئيسا للحزب الذي يقود الائتلاف الحاكم؟ وما موقف الحكومة من تصريحات رئيسها؟

في هذا الصدد يوضح محمد المسكاوي، المنسق الوطني للشبكة المغربية لحماية المال العام، أنه “من المفروض على رئيس السلطة التنفيذية والرجل الثاني في الدولة، في حالة وجود ملفات خطيرة بهذا الحجم، أن يحيلها مباشرة إلى القضاء، سواء كان المعني بالأمر قيادة سياسية أو أي شخص آخر، خاصة أن المغرب من المصادقين على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد”، وبالتالي نكون هنا أمام تصرف استعراضي من رئيس الحكومة أمام النواب والشعب ومجرد إعلان نوايا لا يخرج عن إطار الحروب الكلامية.

عندما يعلن عبدالإله بن كيران من على منبر مؤسسة دستورية، وهو في موقع حساس ويملك اختصاصات تنفيذية خولها له الدستور، فهذا يضعه في موقع المساءلة إذا لم يعلن عن أسماء ولوائح المهرّبين للمال العام، إذ أنه سيدخل بقوة القانون في خانة المتستر أو المتواطئ.

في هذا الإطار قال محمد المسكاوي إنه: “يجب أن تأخذ المسطرة القضائية طريقها العادي، وعلى هذا الأساس سنضع شكاية لدى الوكيل العام بمحكمة الاستئناف في الرباط من أجل فتح تحقيق في تصريحات رئيس الحكومة، باعتباره أولا مؤسسة رسمية، وقال هذا الكلام في مؤسسة رسمية”.

في السياق نفسه أضاف رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، طارق السباعي، أن: “رئيس الحكومة بصفته ممثلا للدولة يعتبر مسؤولا عن أموال الشعب وعن كل أشكال الفساد في المال العام”.

وأكد المحامي والسياسي محمد زيان أن عدم التبليغ بوقائع وأحداث “إجرامية” يعدّ جناية في القانون المغربي. وأضاف “شخصيا لو كنت أعلم شيئا حول تهريب الأموال لبلغت النيابة العامة بالوقائع والأحداث والأسماء لتتحمل سلطة الاتهام مسؤولياتها. وأعتبر أن عدم القيام بهذه الأعمال في حد ذاته ارتكاب لجريمة، وبمنظور وطني هو خيانة للوطن والشعب المغربي”.

ردا على اتهامات حزب الاستقلال للحكومة بـ”حماية الفساد والمفسدين وبإصدار عفو عن مهربي أموال المغاربة إلى الخارج” رد بن كيران بغضب قائلا “إذا كان هناك حزب أناسه يملكون شققا في باريس فليس لديه الحق في التفاخر أمامي مرة أخرى لأن ذلك عيب”.

وترتبط قصة شقق باريس في المغرب بكشف الصحافة لوثائق تؤكد امتلاك وزيرة الصحة السابقة ياسمينة بادو، والقيادية في حزب الاستقلال المحافظ المنسحب من الحكومة، شقتين فارهتين وسط العاصمة باريس.

وردّت ياسمينة بادو على هذا الاتهام قائلة إن اقتناءها لشقتيها بباريس لم يكن في وقت تحمّلها للمسؤولية في حكومة الوزير الأول السابق، عباس الفاسي. واعتبرت وزيرة الصحة السابقة أن هذه الحرب ضدها هي للتأثير على صورتها كامرأة وفاعلة سياسية حتى يسهل مواجهتها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

في حين يدفع عبدالعلي حامي الدين، القيادي في حزب العدالة والتنمية، بأن كلام رئيس الحكومة كان عاما ولم يخصّص، وبالتالي لا داعي لكل هذا اللغط، فإن زميله في الحزب عبدالصمد الإدريسي يؤكد أن كلام بن كيران كان واضحا ويعني ما يقوله وإلا لما استنفرت قيادات حزب الاستقلال.

في المقابل، يؤكد عادل بن حمزة، الناطق الرسمي باسم حزب الاستقلال أن “هناك مشكلة كبيرة تمس عمق الديمقراطية، إذ لا يمكن لمنصب رئيس الحكومة أن يتحول إلى أداة حزبية للتهديد والابتزاز السياسي وتوجيه التهم، دون تقديم أدلة. فرئيس الحكومة عندما يتكلم عن الفساد ويتهم هيئة سياسية ومناضلين بتهريب الأموال إلى الخارج يجب أن يحرك متابعة قضائية في الموضوع″.


تداعيات تصريحات رئيس الحكومة

غضب شعبي من بن كيران

عبد الإله بن كيران، هو رئيس أول حكومة ذات أغلبية إسلامية في المغرب. شكل سنة 2012 إثر فوز حزبه، العدالة والتنمية”، في الانتخابات التشريعية حكومته الأولى، لكن انسحاب حليفه الرئيس حزب الاستقلال منها، وانتقادات المعارضة لسياسات بن كيران أجبرته على حل الحكومة وتشكيل حكومة أخرى في اكتوبر 2013..

لكن الاحتقان الحزبي والشعبي لم يهدأ ضد حكومة بن كيران. والتي تواجه الحكومة غضبا حادة واتهامات بالفشل في كسب ثقة القصر والبرلمان والشعب، وبعدم تحقيق نتائج ملموسة في كثير من المطالب والانجازات التي ينتظرها المغاربة منها. وقد وصل الأمر إلى المطالبة باستقالة الحكومة.


مقاضاة رئيس الحكومة من طرف حزب معارض من المؤكد أنها ستخرج السجال السياسي بين الطرفين المتصارعين إلى ساحات القضاء، الشيء الذي سيجعل بن كيران في وضعية حرجة خصوصا وأن حزب الاستقلال يتّهم رئيس الحكومة بالتستر على ناهبي المال العام، والأكثر من هذا مطالبة الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، للدولة بحل حزب العدالة والتنمية.

وقد جاء في الندوة الصحفية للإعلان عن تفاصيل الدعوى القضائية، التي قررت اللجنة التنفيذية للحزب رفعها ضد بن كيران، أنه يتعيّن “على حزب العدالة والتنمية أن يتخلى عن ارتباطه بحركة التوحيد والإصلاح، وإلا فيجب على الدولة أن تقوم بحله”.

واعتبر حميد شباط أن أسلوب عبدالإله بن كيران يتقاطع مع تفكير قادة الإخوان، رئيس الحكومة التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حركة النهضة التونسي راشد الغنوشي، والرئيس المصري المعزول محمّد مرسي. وأكد شباط أن بن كيران يتشرّب من فكرهم الإخواني الذي يتطلّع قادته إلى السلطة وتقويض المعارضة.

مع تصاعد الجدل في القضية، اتهم حميد شباط بن كيران بأنه “لازال يحمل عقلية شمولية لا تؤمن بالاختلاف ولا الحوار”، وأن “الترهيب والاتهام والابتزاز أسلوب تمارسه حكومة بن كيران ضد المعارضة من أجل التغطية على فشلها في التدبير الحكومي بانتهاج سياسات لا شعبية”.

دخل المعارض إدريس لشكر، رئيس حزب الاتحاد الاشتراكي، على خط اتهامات بن كيران لحزب الاستقلال، حيث دعا إلى متابعة رئيس الوزراء قضائيا بتهمة عدم التبليغ عن جريمة تهريب المال العام، كما اقترح تشكيل لجنة تقصي حقائق في هذه الاتهامات.

في حين أكد حسن طارق، البرلماني والقيادي بحزب الاتحاد الاشتراكي المعارض، أنه “على المعارضة الرد وألا تقبل هذا الكلام، وإلا اعتبرنا ما صدر عن بن كيران تهديدا، وهو ضعف، وعلى الحكومة فتح الملف ومد الرأي العام بالحقيقة”.


ردود فعل الائتلاف الحكومي


جاء ردّ فعل الحكومة من خلال تصريح وزير الاتصال الناطق باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، بأن لجوء حزب الاستقلال إلى القضاء حق مشروع. وقال الخلفي إن الحكومة ستتخذ ما اسماه “الإجراءات التي تتفاعل مع الموضوع في إطار استقلالية القضاء”. وهذا ما أكده وزير الدولة، محمد باها، المقرّب من بن كيران والذي يوصف بكاتم أسراره، مشيرا إلى أن من حق أية جهة التوجه إلى القضاء، ورئيس الوزراء يتحمل مسؤولية أي تصريح يصدر عنه.

في حين اعتبر امحمد العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، المشارك في الحكومة، أن رئيس الوزراء “تجاوز اختصاصاته الدستورية من خلال تدخّله في اختصاصات السلطة القضائية التي تملك وحدها سلطة الاتهام. وهذا الأمر يعتبر مسّا بمبدأ دستوري ثابت هو فصل السلط”. وأضاف موضحا أن “القضاء لا يتحرك على الإشاعات والأقاويل”.

وذهب نبيل بنعبدالله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، إلى أن الكل يجب أن يتحمل المسؤولية في هذا التضارب.

وأوضح أن المعركة الكبرى تتعدى كل هذا التناوش بالملفات. واعتبر “أن المغرب في حاجة اليوم إلى التركيز على تحقيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وهذا هو أهم شيء”.

واعتبر أن بن كيران، باعتباره مسؤولا، ضروري أن يوضح الدواعي التي دفعته إلى الإعلان عن مهربين للأموال خارج البلاد. وكان نبيل بن عبدالله حذر، في السابق، رئيس الحكومة من رفع شعارات لا يستطيع تطبيقها على أرض الواقع حتى لا يكون مصير حكومته مثل حكومة عبد الرحمان اليوسفي.

أما الناطق الرسمي باسم حزب التجمع الوطني للأحرار المشارك في الحكومة، رشيد الطالبي، فقد أكد على أنه غير متفق مع طريقة وموقع تعامل رئيس الحكومة مع حزب الاستقلال في مسألة تهريب الأموال واقتناء الشقق الفاخرة بالخارج حيث قال “إن كل طرف يجب أن يحترم المؤسسة البرلمانية، ويحترم حدوده”.

وبدا الخلاف في بدايته سياسيا بين الحليفين السابقين حزبي العدالة والتنمية والاستقلال، إلا أن دخول أحزاب أخرى، بالإضافة إلى الهيئة الوطنية لحماية المال العام على الخط، أضاف أبعادا جديدة إلى الخلاف السياسي الذي تعود جذوره إلى مطلع تموز الماضي حين أعلن حزب الاستقلال، الذي كان أول حليف لبن كيران في الحكومة منذ بداية 2012، قبل انسحابه منها.

وقد أثار بن كيران الكثير من الانتقادات، منذ فوز حزبه في الانتخابات التشريعية المغربية 2011، وصعوده كرئيس وزراء لأوّل حكومة يقودها إسلاميون في المغرب، في خطورة أبرزت تجليات الديمقراطية المغربية الفتية. ووجهت انتقادات شديدة إلى بن كيران، من داخل الائتلاف الحكومي، ومن خارجه، حيث يتهم رئاسة الحكومة بالسلطوية واستبداد القرار وتهميش أدوار كل من الحلفاء والمعارضة.

7