المغرب.. تأكيد على دور التصوف في تعزيز الوسطية ومواجهة التطرف

الإيمان بأن محاربة التشدد والإرهاب لا تحصل فقط في الميدان وفي المجالات الفكرية، حتم الركون والاستئناس بالتدين الشعبي الأصيل المؤمن بالاختلاف والحاث على القيم الروحية والإنسانية المبثوثة في الإسلام. ولئن تعي الجهات التي ترفع لواء الحرب على التشدد بأن الحرب متعددة الأوجه والجبهات ولا يمكن عزل جبهة عن أخرى، إلا أن الوعي نفسه أكد على أهمية الثقافة الصوفية الراسخة في المغرب العربي خاصة، في ترسيخ الوسطية والاعتدال. في هذا الصدد كان مهرجان فاس للثقافة الصوفية الذي انطلق منذ أكثر من أسبوع مناسبة لتأكيد هذا الوعي وتثمين التراث الصوفي المغربي بوصفه دعامة أساسية في محاربة التشدد وتعزيز الموروث الديني الأصيل.
الاثنين 2017/10/23
التدين الشعبي الأصيل قادر على التصدي للتشدد الوافد

فاس (المغرب) - أوصى باحثون وأكاديميون من عدة دول عربية وإسلامية، السبت الماضي، بتدريس “التصوف” في المؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها، “لتظل شعلتها متقدة”، ولتعزيز الوسطية والاعتدال لمواجهة التطرف.

جاء ذلك في الندوة العلمية الختامية المخصصة للتوصيات، ضمن البرنامج العلمي لـ”مهرجان فاس للثقافة الصوفية”، في دورته العاشرة، التي انطلقت في الـ14 من الشهر الجاري بمدينة فاس، وسط المغرب، واختتمت السبت الماضي بحفل لكبار فناني الإنشاد الديني بالبلاد.

وحث المشاركون في البرنامج العلمي للمهرجان، القادمون من 16 دولة بين عربية وإسلامية وإفريقية وغربية، بينها تركيا، على “بذل جهد مضاعف لتسليط الضوء على الإنتاج الصوفي الغني بأبعاده الفلسفية والجمالية والأدبية”، حسب التوصيات التي تم إصدارها في الندوة العلمية الختامية.

وأوصى المهرجان، الذي يقام سنويا، وتنظمه “جمعية مهرجان فاس للثقافة الصوفية” (وهي جمعية غير حكومية)، وشهد ندوات علمية وحفلات إنشاد ديني، بـ”التنقيب عن مخطوطات كبار الصوفية وتلقينها ونشرها بمختلف دول العالم”.

وأوضحت التوصيات أن “هناك حاجة إلى إشاعة مبادئ التسامح والجمال والسلام والمحبة، عن طريق تدريس القيم الفكرية والروحية التي يزخر بها التراث الصوفي”.

وفي هذا الصدد قال عالم الاجتماع المغربي، ورئيس المهرجان، فوزي الصقلي “إن التصوف ليس فقط ممارسة وتربية روحية، بل هو نتاج ثقافي أدبي وفني، يكوّن نسيج الحضارة الإسلامية وله غنى كبير جدا”. وتابع في الندوة الختامية “علينا أن نضع الثقافة الصوفية في المحور المركزي ونعي بثقلها”.

وأضاف فوزي الصقلي، في تصريح على هامش حفل الافتتاح، إن روح التصوف والموروث الثقافي يجددان باستمرار الحضارة الإسلامية، وإن الثقافة الصوفية استفادت من التلاقح واللقاءات الثقافية التي شكلتها خلال مسيرتها الممتدة عبر الأجيال، وأكد أن المهرجان يسهم في اكتشاف الثقافة الصوفية بمختلف تجلياتها الإبداعية والفنية، بعيدا عن الصورة النمطية التي تشكلت عنها.

الجدير بالذكر أن التراث الصوفي المغاربي عموما، والمغربي على وجه التخصيص، يمثل تعبيرا دينيا وثقافيا محليا مرتبطا شديد الارتباط بالواقع المحلي المغاربي، وقد تعرض في العديد من الأقطار المغاربية إلى هجمات التيارات الدينية المتشددة التي ترى فيه خروجا عن صحيح الإسلام وشِرْكا وزندقة، حسب تسويغاتها وأدبياتها، حيث تعرضت العديد من الزوايا وأضرحة الأولياء الصالحين والمعالم التاريخية في تونس وليبيا ومصر وفي غيرها من الأقطار العربية، بتفاوت حدة الهجمات أو بتفاوت أهمية الحضور الصوفي، إلى الحرق والتدمير من قبل مجموعات تكفيرية متشددة.

التصوف ليس فقط ممارسة وتربية روحية، بل هو نتاج ثقافي أدبي وفني، يكون نسيج الحضارة الإسلامية وله غنى كبير جدا

ففي 26 يناير من العام 2013 عقد اتحاد الطرق الصوفية في تونس ندوة صحافية أكد فيها أن حوالي 34 زاوية ومعلم صوفي تعرضت للحرق خلال الأشهر الأخيرة السابقة للندوة.

واتهم نائب رئيس اتحاد الطرق الصوفية، مازن الشريف، المجموعات المتطرفةَ بالوقوف وراء هذه الاعتداءات، وحملها المسؤولية عن ذلك، وشدد على ضرورة حماية الزوايا من عمليات الحرق والاعتداء والهدم التي تتعرض له في مختلف جهات البلاد.

وأكد مازن الشريف على ما يحمله التصوّف الإسلامي من تسامح، ومن عمق اجتماعي وقدرة على الاقتراب من الناس، وعلى دمج الثقافي والأدبي والفني وعلى وجود أبعاد موسيقية فيها علاجات للنفس، فلا يخفى ما للموسيقى الراقية من أثر في تهذيب النفس وعلاجها، لذلك تجد التكفيريين يحرمونها كليا، في حين يفرد التصوف بابا لها ضمن السماع العرفاني.

وشدد على أن الدور المستقبلي للتصوف والطرق الصوفية في تونس (وفي العالم العربي والإسلامي والعالم ككل) مهم جدا، وما قيل عن تونس يصح عن المغرب العربي ككل ويمكن أيضا أن يصح بنسب في المشرق العربي، إذ التصوف علاج للتطرف.

ارتباط التراث الصوفي بالبيئات المحلية وتعرضه لحملات تشويه وتكفير من التيارات المتشددة، إضافة إلى ما يحتويه من تعبيرات ورسائل حاثة على السلام والحب والإيمان بالتعدد والتعايش، هي عوامل تضافرت لتؤكد قدرة التراث الصوفي والطرق الصوفية على لعب دور طلائعي في التصدي لكل مظاهر الغلو والتشدد والتطرف. الرهان على قدرة الإسلام الصوفي على سحب البساط من تحت التيارات التكفيرية، هو رهان نابع مما وفرته الطرق الصوفية من مظاهر تدين شعبية هادئة كرست تنوع المجتمع الإسلامي وعززت القدرة على استيعاب اختلافاته.

وفي هذا السياق من الإيمان بتعزيز الإسلام الشعبي الأصيل في مواجهة الإسلام السياسي المتشدد الوافد، قالت بارزة خياري، رئيسة معهد الثقافة الإسلامية بباريس، “اليوم هناك حاجة ملحة لتدريس التصوف في المدارس”.

وتابعت “هناك كوارث تقع في العالم، هناك واقع مفجع يعيشه العالم، نتيجة انتشار مظاهر التطرف”. وأضافت “أعتقد أن نشر قيم التصوف بين الشباب أساسا، سيساهم كثيرا في تعزيز مبادئ الوسطية والاعتدال”.

ومن جهتها قالت كورتني كوكو، وهي باحثة أميركية ومستشارة لدى الرابطة المحمدية لعلماء المغرب (حكومية)، في الندوة العلمية الأولى للمهرجان إن “التصوف يعطي رؤية نحو مستقبل أحسن وأخلاق أفضل، ونشر مفهوم الثقافة الروحية من خلال نموذج التصوف الأندلسي ينبغي أن يجمع ويوحد الشعوب والحضارات”.

ومن جهته قال عبدالعزيز الدباغ رئيس معهد ابن عشير للدراسات الإسلامية والصوفية في أميركا إن “الصوفية هي رفع الهمة، وحسن الخدمة، وحفظ الحرمة”.

وأضاف أن “الإنسان خليفة الله في الأرض له مهمة لا تؤدّى إلا بهمة، وللأسف في المجتمعات الإسلامية هناك تقصير كبير جدا”.

يشار إلى أن دورة هذا العام من مهرجان فاس للثقافة الصوفية انتظمت تحت شعار “التصوف في لقاء الحكمة عبر العالم: طريق التصوف من المغرب في اتجاه الهند”.

ونظمت على مدى ثمانية أيام ندوات علمية ناقشت مواضيع وقضايا مختلفة، منها “التصوف والأنموذج الأندلسي”، و”الثقافة الصوفية كفن للعيش”، وأيضا “مكانة التصوف في الثقافة الغربية المعاصرة”، ثم “الثقافات الصوفية في آسيا الوسطى”.

13