المغرب.. مكافحة الإرهاب بترشيد السياسة الدينية

تأكيد وزير الثقافة المغربي، محمد أمين الصبيحي، هذا الأسبوع على أن معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب، كان وسيظل ينشر قيم الحوار والتعايش، وتشديده على أن الكتب التي تدعو إلى الكراهية والتطرف لا مكان لها في المعرض، أقاما الدليل على أن مكافحة الإرهاب تجري في ميادين متعددة، لا فقط في الجبهات العسكرية. المثال المغربي في مقاومة الإرهاب، ونجاحه في إبعاد هذا الصداع عن الجسد المغربي، لا يقتصر على العمل الأمني والعسكري بل يراهن أولا على مفاهيم ترشيد السياسة الدينية وتكريس مصالحة الشعب المغربي مع هويته الدينية المعتدلة.
الأربعاء 2017/02/08
مقاربة مغربية تشع على أفريقيا

أبرزت العديد من المحطات والوقائع، أن تعاطي المغرب مع القضايا المتصلة بالأمن الروحي تطبعه الصرامة والحسم؛ ففي عام 2009 بادر المغرب إلى قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران؛ كرد على التقارير التي كانت تتحدث عن توجه إيران إلى نشر الفكر الشيعي بالمغرب عبر بعثتها الدبلوماسية؛ بما يشكل تهديدا لمقومات المغرب الدينية والروحية، ولمذهبه السني المالكي، وهو ما اعتبر في حينه بمثابة رسالة واضحة لبعض نشطاء التيار الشيعي بالمغرب، وحتى داخل الجاليات المغربية الموجودة في أوروبا.

يعتقد البعض أن المسّ بالعقيدة الأشعرية وبالمذهب السني المالكي، إنما يبدو للسلطات بالمغرب، ليس فقط في كونه مساسا بالهوية الدينية، المرتكزة عليهما معا، بل وربما أيضا وفي سياق ذلك، بالمجهودات الحثيثة التي ما فتئ العاهل المغربي يقوم بها، لجهة توفير الأمن الروحي للمغاربة، والحفاظ على الهوية الدينية الإسلامية المغربية.

بعدما ظل لسنوات طويلة في مأمن من مخاطر “الإرهاب”، شهد المغرب في العقدين الأخيرين مجموعة من العمليات العنيفة، بدءا بأحداث 16 مايو 2003، التي استهدفت مجموعة من المنشآت السياحية بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، مرورا بتفجير شخص لنفسه داخل ناد “للإنترنت” يوم 11 مارس 2007، وتفجير عدد من الأشخاص لأنفسهم يومي 9 و10 أبريل 2007 بالمدينة نفسها، والهجوم الانتحاري الفاشل الذي استهدف حافلة للسياح بمدينة مكناس في أغسطس 2007، وأحداث “أركانة” بمراكش عام 2011، وصولا إلى تفكيك عدد من الشبكات التي اتهمت بالضلوع في أنشطة “إرهابية”.

راكم المغرب تجربة واعدة على مستوى مكافحة التطرف والإرهاب؛ تحول معها إلى قبلة لدول عربية وأفريقية وأوروبية

من منطلق ضبط هذا الحقل بواسطة آليات جديدة، وقطع الطريق على كل توظيف منحرف للدين، تم إعمال مجموعة من التشريعات والإجراءات التي تعزز الحضور الديني الرسمي؛ تعزيز إمكانات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وإعادة هيكلتها؛ وتفعيل دور العلماء، وتعزيز مراقبة المساجد، وتطوير وتحديث تدريس التربية الإسلامية في مختلف المؤسسات التعليمية؛ وتطوير تناول الإعلام الرسمي للشؤون الدينية.

لا تخلو السياسة الدينية من تداعيات على مستوى الإسهام في مكافحة الإرهاب ومحاصرته؛ وسحب هذا المجال الحيوي من كل القوى المتطرفة التي يمكن أن تعبث به؛ وكذلك على مستوى تدبير التنوع المجتمعي بشكل بناء، وتحصين المجتمع من أي صراعات دينية أو طائفية خطرة.

جاء في خطاب الملك محمد السادس يوم 30 أبريل من عام 2004 بمدينة الدار البيضاء، بشأن إعادة هيكلة الحقل الديني بما يدعم تعزيز الوحدة في إطار التنوع، ويسهم في ترسيخ الاعتدال والتسامح وصدّ التطرف والإرهاب؛ أنه “إذا كان من طبيعة تدبير الشؤون الدنيوية العامة الاختلاف، الذي يعدّ من مظاهر الديمقراطية، والتعددية في الآراء لتحقيق الصالح العام، فإن الشأن الديني، على خلاف ذلك، يستوجب التشبث بالمرجعية التاريخية الواحدة للمذهب المالكي السني، الذي أجمعت عليه الأمة، والذي نحن مؤتمنون على صيانته، معتبرين التزامنا دينيا بوحدته المذهبية، كالتزامنا دستوريا بالوحدة الترابية الوطنية للأمة، حريصين على الاجتهاد الصائب، لمواكبة مستجدات العصر”.

شهد مفهوم الأمن تطورا واتساعا كبيرين، نتيجة للتحولات والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدتها المجتمعات. فتحقّق الأمن لم يعد مبنيا اليوم على عنصر وحيد فعلى عكس مرحلة الحرب الباردة التي تميزت بتوترها على مختلف الواجهات، وارتبط المصطلح بتلك الحالة التي تغيب فيها الصراعات والمواجهات العسكرية، بما يعنيه ذلك من تركيز على خطر وحيد يحكمه الهاجس العسكري، أصبح مفهوم الأمن منفتحا على مجموعة من العوامل في علاقتها بالتهديدات والمخاطر البيئية والصحية والقانونية والمعلوماتية والروحية.

إن نجاعة وحيوية الأمن الروحي المتصل بالاعتقادات الروحية داخل المجتمع؛ لا تتأتّيان من مقاربة أحادية الجانب لحزب أو تيار أو توجّه معين؛ بقدر ما تهمّان مجمل المواطنين في علاقة ذلك بهويتهم وشخصيتهم.

راكم المغرب تجربة واعدة على مستوى مكافحة التطرف والإرهاب؛ كان من صميمها رسم استراتيجية تضمن الأمن الروحي للمغاربة، تحول معها المغرب إلى “قبلة لدول عربية وأفريقية وأوروبية، بهدف استلهام الاستراتيجية المغربية في الهيكلة والتأطير والبناء المذهبي”.

وهو النموذج المعتدل الذي استطاع المغرب تصديره إلى عدد من الدول الأفريقية، وحرص عدد من دول المنطقة على الاستفادة منه في شكل تكوين أئمة بالمغرب، كسبيل لمكافحة الإرهاب والتطرف، وتأمين المحيط الإقليمي للمغرب والإسهام في ترسيخ قيم السلام والتسامح.

ــــــــــــ

* ملخص من بحث إدريس لكريني “التنوع المجتمعي العربي الحالة المغربية” ضمن كتاب المسبار 119 (نوفمبر) 2016 “أزمات المسلمين الكبرى” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13