المغرب وأسبانيا: ما يجمع أكثر مما يفرق

الثلاثاء 2014/07/15
زيارة ملكية تعكس أهمية العلاقات الثنائية بين المغرب وأسبانيا

الرباط – أكد خبراء ومحللون سياسيون أسبان أن الزيارة الرسمية للعاهل الأسباني الملك فيليبي السادس للمغرب (يومي 14 و15 يوليو الجاري)، تعزز مكانة المغرب كبلد “استراتيجي وذي أولوية” بالنسبة إلى أسبانيا في جميع المجالات. وأوضحوا أن زيارة العاهل الأسباني تندرج في إطار “استمرارية” العلاقات الثنائية التاريخية، وتعطي زخما ودينامية جديدين لعلاقات الصداقة والتعاون بين البلدين.

قال الخبير المغربي في العلاقات الأسبانية المغربية، محمد النوري، إن زيارة الملك فيليبي السادس للمغرب هي “مبادرة مثلى تزكي وتقوي الطموحات المشتركة للبلدين، وتؤكد المكانة التي يحتلها كل بلد في السياسة الخارجية للبلد الآخر من منطلق استراتيجي”.

وأضاف النوري، رئيس جمعية القنطرة لتنمية العلاقات الأسبانية المغربية، أن الزيارة في حد ذاتها ليست “زيارة عادية” على اعتبار أن زيارات المسؤولين المغاربة لأسبانيا وزيارة المسؤولين الأسبان للمغرب لها بعد خاص دائما وتشكّل “فرصة للرفع من منسوب الثقة بين البلدين”، باعتبار حرص الرباط ومدريد على تعزيز تقاربهما وتجديده باستمرار وإعطاء دينامية خاصة لكل أشكال التعاون والعلاقات الثنائية التي، وباستثناء بعض فترات الجمود، تعد مثالا يقتدى في العلاقات الدولية وعلاقات حسن الجوار.

وأوضح، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن علاقات الصداقة بين المغرب وأسبانيا، التي تمتد لقرون من الزمن، كانت دائما “علاقة استثنائية واستراتيجية”، وهو “ما مكن من بلوغ أعلى مستويات التعاون والتفاهم في قضايا إقليمية ودولية مصيرية، وتقارب الخطاب السياسي بين الرباط ومدريد الذي ينبني على القيم الإنسانية المثلى وينبذ كل أشكال العنف والإقصاء والتمييز، وساهم في بناء أسس مستقبل مشترك تنمحي فيه كل العوائق والإشكالات التي غالبا ما تفرضها الظرفية الدولية، خاصة منها المالية والاقتصادية عموما.

المد والجزر اللذان قد يطبعان العلاقات الثنائية في بعض الفترات لا يمكن أن يزعزعا الثوابت التي تقوم عليها روابط البلدين

هذه الزيارة هي الأولى للملك فيليبي السادس لبلد أفريقي وعربي بعد إعلانه ملكا لأسبانيا في 19 يونيو الماضي، وهو تقليد دأب عليه ملوك ورؤساء الحكومات الأسبان، بأن تكون المغرب أول وجهة رسمية لهم خارج الاتحاد الأوروبي. وتأتي بعد سنة من زيارة العمل الرسمية التي قام بها الملك خوان كارلوس الأول للرباط، وتندرج في إطار الاستمرارية والاتصالات الدائمة بين مسؤولي البلدين من أجل الارتقاء بالعلاقات الثنائية، على أساس الاحترام المتبادل، والثقة، والحوار وتعاون رابح- رابح، والشفافية.

وتعكس الزيارة، وفق الخبير المغربي في العلاقات المغربية الأسبانية، عبد الرحمان الفاتحي، “بشكل جلي التوافق السياسي بين البلدين وتعزز التقارب نحو أفق تعاون اقتصادي أرحب في محيط إقليمي حافل بالمتغيرات الجيواستراتيجية”.

وأضاف الفاتحي، وهو أيضا رئيس شعبة الدراسات الأسبانية بجامعة عبد المالك السعدي، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن هذه الزيارة تعكس أيضا “موقع المغرب في خارطة اهتمام الدولة الأسبانية في كل المجالات، كما تعكس في الآن ذاته المكانة التي تحتلها أسبانيا في وجدان وعقل المغاربة كبلدين تربطهما العديد من الأواصر التاريخية والثقافية والإنسانية والاقتصادية، وشاءت الجغرافيا كما شاء التاريخ أن يتقاسم البلدان العديد من الخصائص المشتركة، التي لا يمكن أن تمحوها الذاكرة الحية ولا تحولات كل الأزمنة”.

ميغيل أنخيل موراتينوس: حقبة حكم الملك محمد السادس تتميز بتجديد الآليات السياسية وتحديثها


قضايا استراتيجية


اعتبر الخبير المغربي، الذي سبق وأن ألف العديد من الكتب ونشر بحوثا تهم العلاقات المغربية الأسبانية، أن زيارة العاهل الأسباني، الذي يحل ضيفا خاصا على الملك محمد السادس، تعطي الدليل على أن المد والجزر اللذين قد يطبعان العلاقات الثنائية في بعض الفترات لا يمكن أن يزعزعا الثوابت التي تقوم عليها روابط البلدين، بدليل أن المغرب يعد شريكا اقتصاديا استراتيجيا لأسبانيا على المستوى الأفريقي وهو ما تثبته الأرقام والمعطيات، وتعد أسبانيا الشريك الأول للمغرب على المستوى الخارجي وواحدة من المستثمرين الرئيسيين. وتوقف الباحث أيضا عند تطابق وجهات النظر حول قضايا استراتيجية سياسية دولية، وتوافق المملكتين السياسي بشأن القضايا الإقليمية وحرصهما المشترك على تعزيز الاستقرار بالمنطقة.


مد وجزر


كأي علاقات بين الدول التي تتداخل فيها المصالح والرؤى والطموحات، إلى جانب بعض سوء فهم تطبعه نمطية في الأحكام، طبعت موجات من المد والجزر العلاقة بين أسبانيا والمغرب عبر تاريخهما المشترك منذ قرون إلى الآن.

كانت رؤية الملك الأسباني الأب خوان كارلوس مغايرة لبعض الساسة والأحزاب والإعلاميين الأسبان، ينهجها كذلك حاليا خلفه فيليبي السادس، لتكون العلاقات الشخصية بين الملكين محمد السادس وفيلبي السادس، صمام أمان للعلاقات الثنائية عندما تنجرف عن جادة الطريق المشترك والمتميز.

هناك جهات تحاول دائما، ولأسباب سياسية وأيديولوجية، تعكير صفو العلاقات الثنائية التاريخية. وترتكن في مساعيها إلى وجهات نظر تحكمها أحكام مسبقة ضد المغرب خصوصا تلك المتعلقة بملف التطرف الديني والإرهاب، دون الاستناد على شواهد واقعية لما تبذله الرباط من جهود استباقية للحد من أي تهديدات إرهابية محتملة.

بالمقابل هناك أصوات أسبانية حكيمة وعقول دبلوماسية وسياسية واقتصادية لها رؤية استشرافية، تنظر إلى ما هو أبعد من لحظة تتحكم فيها شوفينية وتعصب البعض.

نجد من بين هؤلاء المتميزين وزير الخارجية الأسبانية الأسبق، المخضرم ميغيل أنخيل موراتينوس، الدبلوماسي الذي خبر واحتك بالملفات الحساسة بين أسبانيا والمغرب. والذي أعرب عن أنه رغم الضباب الذي يلفّ مسيرة العلاقات بين أسبانيا والمغرب فإن العاهل المغربي يعرب خلال مختلف المحطات عن حسن نيته للدفع بالمصالح المشتركة للبلدين إلى الأمام.

وأكد موراتينوس باعتبار موقعه في صناعة القرار داخل الدولة الأسبانية أن “حقبة حكم الملك محمد السادس تتميز بتجديد وتحديث الآليات السياسية”. وأكد أنه “في أحداث 11 مارس الإرهابية التي شهدتها مدريد، وجد الأسبان في المغرب خير متضامن رغم كل التصريحات الاستباقية المتهمة والمعادية له الصادرة عن بعض الأطراف العاملة داخل النسق السياسي بأسبانيا”.

هناك نقط معقدة كثيرة في العلاقات المغربية الأسبانية وأسئلة تحتاج إلى الإجابة عنها إرادة سياسية أكيدة. وتأتي زيارة العاهل الأسباني للمغرب لتأكيد تلك الإرادة ومحاولة الجانبين ملامسة حلول مبتكرة لتجاوز بعض العوالق الآتية من حقب تاريخية متفاوتة كانت تتخللها توترات.

شريكان أساسيان في المنطقة الأورو متوسطية
الرباط –تمر العلاقات بين أسبانيا والمغرب حاليا بأفضل مراحلها، وتزداد تطورا مع مرور الوقت، وذلك بفضل الإرادة الراسخة والدفعة القوية التي يمنحها قائدا البلدين لهذه العلاقات.

الجغرافيا والتاريخ المشتركان أتاحا للبلدين الجارين أن يكونا شريكين أساسيين، وإقامة علاقات لا نظير لها بالمنطقة الأورو متوسطية، التي تجد نفسها في مواجهة تحديات جسام من قبيل الهجرة والإرهاب والاتجار في المخدرات وغيرها من الآفات. والبلدان اللذان تربطهما منذ أمد بعيد معاهدة صداقة، يتقاسمان على الخصوص موروثا ثقافيا، ولكن أيضا مصالح وتطلعات مشتركة من أجل بناء مستقبل شعبيهما.

ويبقى المغرب وأسبانيا، بحكم بنية الدولة والتنوع الثقافي لمناطقهما، البلدين الأكثر استعدادا بالمنطقة الأورو متوسطية للعمل سويا بشكل وثيق لرفع التحديات المشتركة ومواجهة المخاطر المحدقة بالمنطقة.

وفي هذا الصدد، يعمل المسؤولون بالبلدين على إيجاد حلول لبعض “المشاكل الصغيرة” التي قد تظهر بين الفينة والأخرى عبر الحوار والتواصل الدائم والطرق الدبلوماسية.

ومما لا شك فيه أن نوعية العلاقات بين البلدين قد تطورت كثيرا في السنوات الأخيرة، حيث أضحت أسبانيا في 2012 الشريك الأول للمغرب.

كما أن القدرة على التجدد والتكيف مع التحديات والمتغيرات المطروحة سمحت لهذه العلاقات بالاستمرارية خدمة لمصالح الشعبين الصديقين.

وفضلا عن ذلك تتميز العلاقات المغربية الأسبانية، في المقام الأول، بتطويرها للقدرة على التفاوض والحوار حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتواصل دائم يتم فيه إشراك المسؤولين وكذا جزء من المجتمع المدني ووسائل الإعلام بالضفتين.

خاصية إذا تتفرد بها العلاقات المغربية الأسبانية، يضاف إليها تعدد قنوات التبادل والتواصل بشأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما مكن من بناء جسور الثقة المتبادلة، وتعميق شبكات التعاون والتكامل بين المملكتين الجارتين بغية كسب تحديات النمو الاقتصادي، وخلق الثروة المشتركة، والتضامن والأمن بكل أبعاده.

وهكذا تتميز العلاقات المغربية الأسبانية عن غيرها من العلاقات الثنائية القائمة بالمنطقة الأورو متوسطية، لكونها تقوم على مفهوم للتعاون، يستمد جوهره من معاهدة الصداقة، التي تنص على أن حكومتي البلدين تتشاوران بشكل منتظم حول كل القضايا الحيوية، وفي مقدمتها القضايا ذات الاهتمام المشترك.

ويظل المغرب وأسبانيا شريكين تجاريين بامتياز، إذ أن أزيد من 800 مقاولة أسبانية تنشط في المغرب وتوظف آلاف الأشخاص.

وعلى المستوى الثقافي، يبقى التعاون الثنائي في هذا المجال من بين أولويات جدول أعمال البلدين، ويمثل أحد أهم جوانب التعاون بالنسبة إلى هذا البلد الإيبيري بالخارج، بالنظر إلى التراث المشترك وعلاقات الجوار التاريخية التي تجمع بين المملكتين، لاسيما أن جزءا كبيرا من المغرب، وخاصة شمال المملكة، يتكلم اللغة الأسبانية.


المصالح الاقتصادية


قرار الملك فيليبي السادس زيارة المملكة المغربية يعكس عمق العلاقات الشخصية الجيدة بين قائدي البلدين، الشيء الذي يخلق قناة حوارية بعيدة عن الأدلجة والسياسوية القصيرة الأفق والمدى، ما يسهل إبراز أوجه التعاون والتناغم والمشاركة في دراسة ملفات تهم الجارين أمنيا واقتصاديا وسياسيا.

“يجب إزالة رائحة السردين عن العلاقة المغربية والأسبانية”، مقولة لوزير الاتصال المغربي السابق العربي المساري، نعتبرها مرتكزا أساسيا في العلاقات البينية تعزز خطوات أخرى لبناء أبجديات ومحددات ترتكز على المشترك وتحتوي الحاضر وتصبو إلى مستقبل يكون أفضل للضفتين معا. خدمة لمصالح البلدين الحيوية وبعيدا عن أطروحات وحسابات عقيمة تتوجس من تطبيع كامل في علاقات البلدين.

علاقات المد والجزر على ضفتي البحر الأبيض المتوسط بين المغرب وأسبانيا، تمر حاليا بتقارب سياسي تتوسطه حسابات المصالح الاقتصادية، وخوف مبرر من تداعيات أزمة اقتصادية “وجهت ضربة قوية إلى الكثير من الناس“. حسب الملك فيليبي السادس.

لغة المصالح الاقتصادية هي ما سوف يؤثث طاولة المحادثات بين القائدين، ضمن ملفات أخرى منها، التحدي الأمني والتكامل الاقتصادي كمحددين رئيسيين لتحديات دول المنطقة المتوسطية. فالغاية الاستراتيجية للبلدين تقتضي تحسين المبادلات في أبعادها المتداخلة المتعددة تتميما لما عرفته المبادلات التجارية من ارتفاع بين المملكتين.

على المستوى الاستراتيجي نهج المغرب طريق التنمية الشاملة على مستويات عديدة لتحقيق تقدم اقتصادي يعطيه وضعية مركزية في تدبير العلاقات والملفات المتعددة مع أسبانيا وعبرها مع الاتحاد الأوروبي، خدمة لقضايا المملكة الحيوية والمصيرية وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية التي كانت مستعمرة أسبانية إلى حدود عام 1975، بالإضافة إلى تحقيق قدر من توازن القوى مع الشريك الأسباني اقتصاديا ودبلوماسيا على المدى المتوسط والبعيد.

من خلال الجوار المغربي الأسباني الذي حكمته ظروف التاريخ والثقافة والاقتصاد واستمرت لقرون، نرصد أوجه التعاون خدمة لتطوير هذه العلاقات الثنائية. فعلى المستوى الثقافي تعززت المؤسسات الثقافية الأسبانية بالمغرب إلى ثانويات ومراكز ثقافية لتعليم اللغة الأسبانية، أما أمنيا فهناك تعاون مكثف وعلى أعلى مستوى بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية. أما على المستوى الاقتصادي فنجد أن نشاط المقاولات الأسبانية بالمغرب تعزز عبر إطار من القوانين الميسرة للاستثمار والاستقرار السياسي الذي تعرفه البلاد.

في خضم من المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية والتحديات الأمنية على الساحة الدولية والإقليمية وخصوصا بحوض البحر الأبيض المتوسط. تأتي زيارة الملك فيليبي السادس للمغرب، زيارة تحكمها هواجس اقتصادية وأمنية تستدعي بناء جسور تواصل استراتيجية بعيدة عن اللحظة وضغوط الهجرة وامتداد الجريمة وتجارة المخدرات وتهديدات الإرهاب العابر للحدود وقضايا حقوق الإنسان. استثمار نراه باديا في أجندة وتقدير الملك فيليبي في علاقات بلاده مع المغرب.

إذ بين الإكراهات والاحتياجات تترسخ رؤية مصالحية بين البلدين تتغيا استحضار هوامش الربح السياسي والاقتصادي لكن ليس على حساب ما هو استراتيجي متعلق بالمجال الحيوي والأمن القومي.

إنها جهود تبذلها المؤسستان الملكيتان بالمغرب وأسبانيا لتمتص تلك الصدمات الناتجة عن منعرجات قاسية تحتمها طبيعة العلاقات وثقل التاريخ وضغوط اللوبيات المناهضة لمصالح المملكة وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.

الضرورة الاستراتيجية تحتم تطويع الرأي العام الأسباني والمؤسسات الحزبية والإعلامية عبر تطوير آليات وأدوات تواصل المجتمع المدني والإعلام والدبلوماسية والاقتصاديين والجمعيات الحقوقية ومراكز الأبحاث المغربية، لأجل إعادة صياغة ما خلفته تلك الصورة النمطية والأحكام الجاهزة والخوف من كل ما هو مغربي.

7