المغرب وأفريقيا.. علاقات متجذرة عبر التاريخ وتطلع دائم لتحقيق الاندماج

الجمعة 2013/09/27
أكثر من 500 اتفاقية في مختلف المجالات تم توقيعها بين المغرب ودول أفريقية

الرباط- يزداد استغلال القوى الكبرى للقارة السمراء يوما بعد يوم، ومهما تعددت أشكال هذا الاستغلال يبقى استعمارا يتغيّر بتغيّر المعطيات الإستراتيجية والأهداف السياسية. والقارة الأفريقية يمكن اعتبارها أكثر المناطق تعرّضا للظلم، فقد ظلّت دائما في مرمى النيران بسبب مطامع القوى الكبرى وتدخلاتها في شؤون القارة.

لتحقيق هذه المطامع كان لا بدّ من تغذية الصراعات والحروب الأهلية في القارة، خصوصا في البلدان الجنوبية ومنطقة الساحل والصحراء الغنية بالثروات. وهذه الفتن، التي تخدم مصالح القوى الكبرى كان لا بدّ لها من أنظمة ديكتاتورية تثيرها وتدعمها بالسلاح. هذا الوضع جعل من القارة السمراء أرضية خصبة للجماعات الإرهابية ومافيا الاتجار بالسلاح والمخدرات والبشر.

بدأ التنافس منذ الاستعمار الأوروبي الذي اجتاح القارة منذ مؤتمر برلين 1884م حيث استعمرت مساحة تقدر بـ 93 % من جملة الأراضي الأفريقية، وخلال ذلك مارست هذه القوى سياسات استعمارية تعاني القارة من آثارها السلبية إلى الآن، وما العملية الإرهابية التي شهدتها العاصمة الكينية، نيروبي، الأسبوع الماضي، إلا أثرا من هذه الآثار.

وجاء زلزال «الربيع العربي» ليضرب منطقة شمال أفريقيا وتمتدّ رجّاته إلى كامل القارة بما في ذلك بلدان الساحل والصحراء البعيدة نسبيّا عن تونس ومصر وليبيا، حيث اندلع هذا «الربيع». وقد زعزع «الربيع العربي» أسس «الهندسة الأفريقية للسلم والأمن».

وترميم هذه الأسس وبناء القارة من جديد يقع على عاتق أبنائها وليس من خلال انتظار الدعم الخارجي، وهي المقاربة التي طالما تبنّاها العاهل المغربي محمّد السادس ويحثّ عليها في كل مناسبة. ومؤخّرا أكّد الملك محمد السادس، في خطابه الذي ألقاه خلال مشاركته في حفل تنصيب الرئيس المالي الجديد، إبراهيم كيتا، على أن «كلّ البلدان الأفريقية الشقيقة يجب أن تلعب دورا جوهريا في عملية إعادة البناء المهمّة» التي تقبل عليها مالي بعد صراعات وحروب دامية ضدّ القوى الظلامية.


تعزيز العلاقات


لا تعتبر العلاقات المتميزة بين المغرب والبلدان الأفريقية وليدة اليوم، بل هي متجذرة عبر التاريخ، الذي يشهد للمغرب بتضامنه اللامشروط ودعمه القوي لكفاح الدول الأفريقية من أجل الانعتاق من الاستعمار والحصول على الاستقلال. وقد تواصل دعم المغرب وتضامنه مع بلدان القارة الأفريقية في جميع الظروف، حيث وضعت المملكة رهن إشارتها مختلف التجارب والخبرات التي راكمتها في كافة المجالات، ولم تتوان عن الوقوف إلى جانبها وتقديم المساعدات في الظروف الصعبة التي مرت بها بعض هذه البلدان. ومن منطلق دوره في استتباب السلم والأمن في القارة الأفريقية، بادر المغرب كلما دعت الضرورة إلى ذلك إلى إرسال تعزيزات عسكرية ضمن الوحدات الأممية لمساعدة البلدان الأفريقية على استتباب الأمن والاستقرارـ على غرار دوره المحوري في إرساء علمية السلام في مالي، مؤخّرا.

ترافق هذه الاهتمام بحضور ميداني للعاهل المغربي، محمّد السادس، من خلال مواكبته لمختلف المناسبات الهامة في أفريقيا، رغم أن المغرب، البلد الأفريقي الوحيد غير العضو في الاتحاد الأفريقي، وقد ظلّ «مغيّبا» عن محيطه منذ وقت طويل بسبب النزاع حول الصحراء الغربية وخصومته مع الجزائر المجاورة.

وقد صاحب مختلف هذه الزيارات والجولات الملكية زخم حقيقي على مستوى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، جسدته الاتفاقيات المبرمة في مجالات التنمية الاقتصادية والتقنية والاجتماعية والثقافية والبشرية، من قبيل محاربة الفقر والتنمية الزراعية والصيد البحري والتعليم والصحة والتكوين وتدبير المياه وتكنولوجيا الإعلام والتدبير المالي والبنكي. وكان لهذه الزيارات الملكية الأفريقية عميق الأثر على نمو الاستثمارات وزيادة حجم المبادلات التجارية بين المغرب والبلدان الأفريقية، وتنوعها، وهو ما يؤكد نجاح رهان العاهل المغربي على التعاون جنوب- جنوب.

الدكتور بنجامين ب. نيكلز أستاذ مساعد في مادّة التهديدات العابرة للأوطان ومكافحة الإرهاب في مركز أفريقيا للدراسات الإستراتيجية، أكّد في تقرير له حول دور المغرب في أفريقيا، وتجمع دول الساحل والصحراء بالتحديد، على أن، المملكة المغربية بدأت تتمتّع بأشكال جديدة من التأثير داخل مجموعة اقتصادية إقليمية تقوم على انخراط الشمال الأفريقي العربي والمسلم في جنوب القارة، وهذا الواقع يُناسِب التوجه المغربي الذي يستمدّ قوّته من رهانه على تواصل شمال القارة وجنوبها من أجل مجابهة المخاطر المشتركة.


أفريقيا ما بعد سنة 2015


يردّد المسؤولون المغاربة أن الجنوب والجنوب الشرقي هما مصدران أساسيّان للمخاوف، ولاسيما صعود التهديدات العابرة للأوطان. وتنتشر في الساحل الحدودي الهجرة غير الشرعية، والاتّجار غير المشروع بالسلاح والبشر؛ كما أنه يشكّل ملاذا لـ»تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» ومجموعة متكاثِرة من الجماعات المسلّحة التي تستخدمه مسرحا لعمليّاتها.

ولاشك في أن هذه التحدّيات تُلقي بثقلها على المغرب وعلى كل الدول الأفريقية الأخرى، فيما يستقرّ مزيد من المهاجرين غير الشرعيين في البلاد، ويتفشّى الاتجار غير المشروع أكثر فأكثر في أوساط الشباب الصحراوي، وتواجه المدن الكبرى والمعالم السياحية خطر التعرّض إلى مزيد من الهجمات الإرهابية الإسلامية، على غرار هجوم نيبروبي الأخير الذي تبنّته حركة الشباب الإسلامية الصومالية. هذه الرؤية المغربية لمستقبل أفضل في أفريقيا حازت على إشادة ودعم وزراء أفارقة وخبراء دوليين وأمميين، مؤكدين أن النموذج التنموي المغربي، تحت قيادة الملك محمّد السادس، يمثل «مصدر استلهام» بالنسبة إلى باقي بلدان القارة التي تتمتع بإرادة قوية لبلورة أهداف الألفية للتنمية. جاء ذلك، في إطار ندوة نظمها المغرب، بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، حول «أفريقيا ما بعد سنة 2015: أية أهداف لأي نموذج تنموي؟». الندوة انعقدت على هامش أشغال الدورة الـ 68 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتأتي ضمن خطّة استشرافية تسعى المملكة المغربية إلى تطبيقها ضمن برنامج «مغرب 2030 في محيطه الجيو استراتيجي».

مثّل اللقاء فرصة مناسبة للوقوف على مدى تقدم تنفيذ أهداف الألفية للتنمية بالقارة، والتطرق إلى أجندة التنمية ما بعد سنة 2015 في ضوء تجارب البلدان الأفريقية. وفي هذا الإطار، أكد المندوب السامي للتخطيط، أحمد لحليمي علمي، الذي ترأس أشغال هذه الندوة، أن «المغرب يتقاسم مع نظرائه الأفارقة الإرادة والالتزام الراسخ لتحقيق نمو اقتصادي قوي يكون في صالح التنمية البشرية والتلاحم الاجتماعي المستدام».

وأبرز علمي أن العديد من بلدان القارة تفتخر لأنها تمكنت خلال العقد الأخير من تحقيق النمو والانخراط في مسلسلات واعدة لتحسين ظروف عيش ساكنتها ودمقرطة مؤسساتها، قائلا إن «هذه التجارب الأفريقية تزيد من اقتناعنا جميعا بأنه بفضل غنى ثرواتها الطبيعية والبشرية، يمكن لأفريقيا أن تصبح خلال القرن الـ21 أحد المراكز الاقتصادية القوية والجيو استراتيجية في العالم. وأشار إلى أنها تمكنت إلى حدود الآن من تحقيق معدلات نمو وتتمتع بموقع جيد في التعاون جنوب- جنوب. ومن المشاكل التنموية التي تحدّث عنها المندوب المغربي التفاوت بين مستوى الثروات التي تم خلقها وتأثيرها على ظروف عيش السكان، مبرزا أن أفريقيا التي تحقق أحد معدلات النمو القوية في العالم لها معدل للدخل الفردي يعد الأضعف على مستوى جميع المناطق عبر العالم. وقال إنه في ظل هذه الظروف، وباستثناء بعض البلدان، غير الغنية بالضرورة في أفريقيا، والتي تمكنت من تحقيق نجاحات هامة، فإن القارة السمراء عموما لن تستطيع تحقيق أهداف الألفية بحلول سنة 2015.

غاري فلاورز: المغرب نموذج بالنسبة إلى البلدان الأفريقية في مجال الإصلاحات الدستورية
نيويورك – قال غاري لي فلاورز، المدير التنفيذي لـ»بلاك ليدر فوروم»، وهي جمعية أميركية رائدة في مجال الدفاع عن العدالة الاجتماعية، إن المغرب يعد نموذجا بالنسبة إلى باقي البلدان الأفريقية في مجال الاصلاحات المؤسساتية وبناء الصرح الديمقراطي. وأبرز فلاورز، في تصريح عقب أشغال ندوة «أفريقيا ما بعد سنة 2015: أية أهداف لأي نموذج تنموي»، أن المغرب تحت قيادة الملك محمد السادس انخرط في دينامية للإصلاحات، خاصة على الصعيد المؤسساتي والدستوري.

وأضاف فلاورز، الذي كان قد قام بزيارة لعدد من المدن المغربية من بينها الداخلة والرباط ومراكش، إن النموذج الديمقراطي المغربي «هو بمثابة مثال بالنسبة إلى بلدان أفريقية أخرى».

وبخصوص قرار صاحب العاهل المغربي القاضي بسن سياسة جديدة للهجرة، وصف فلاورز هذه المبادرة بـ»المهمة»، مذكرا في هذا الاطار بأن المغرب شكل على مر الزمن، وتاريخه الغني يشهد بذلك، أرضية للتسامح والتلاحم، مضيفا أن الملك محمد السادس يكرس من خلال هذا القرار الحكيم التقاليد التي ميزت دوما المغرب في المحفل الدولي.

من جهة أخرى، أعرب المدير التنفيذي لـ»بلاك ليدر فوروم» عن إعجابه بالمؤهلات والإمكانيات الاقتصادية التي تزخر بها المملكة، مبرزا عزمه بذل الجهود الضرورية لتعزيز أواصر التعاون المغربي الأميركي.

وأشار المندوب السامي للتخطيط إلى أن أفريقيا تمسك مصيرها بيدها، وهي مدعوة إلى الانخراط في مسلسل مدروس للاندماج الإقليمي وتسوية النزاعات، واعتماد معايير جديدة اقتصادية ومجتمعية وتنافسية يتطلبها العهد الجديد للعولمة». آنذاك، يمكن لأفريقيا أن تصبح بفضل عملها الذاتي في صلب الأجندة التنموية لما بعد سنة 2015.


النموذج المغربي


أوضح وزير الشؤون الخارجية والتعاون المغربي، سعد الدين العثماني، في كلمة خلال افتتاح هذا اللقاء الدولي، أن أهداف الألفية للتنمية أحدثت دينامية سواء على المستوى الدولي أو المغربي، كما خلقت إطارا للتعاون سمح بتحقيق تقدم ملموس في مجال التنمية.

وقال العثماني إنه «إذا كان لنا أن نفخر بكون أفريقيا حققت تقدما هاما على مستوى التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فإن القارة ما زالت تعاني من التأخر على مستوى بعض أهداف الألفية». ولفت إلى أن بطالة الشباب ما تزال تحديا عالميا يتعين تجاوزه، خاصة على مستوى القارة الأفريقية حيث يشكل الشباب غالبية سكان القارة.

وقال إن تشجيع الاستثمارات المنتجة وتحسين الولوج إلى الأسواق يعدان من بين العناصر الأساسية التي يتعين أخذها بعين الاعتبار في كل برامج التنمية ما بعد سنة 2015. وأضاف أن هذه الأجندة يتعين أن تراعي ثلاثة أبعاد للتنمية المستدامة اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا وفق مقاربة مندمجة ومتناسقة تصب في هدف واحد أساسي يتمثل في محاربة الفقر. وأجندة التنمية بعد عام 2015 رهينة بإقرار شراكة عالمية معززة ومتجددة وتوفير وسائل متينة لتفعيلها، على الخصوص، عبر تحديد أهداف قابلة للقياس ووضع آجال التنفيذ.

وشكل اللقاء فرصة للمشاركين من أجل تبادل التجارب والرؤى حول العلاقات بأفريقيا بين النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي ونموذج التنمية في إطار مقاربة متوجهة نحو المستقبل، وقد أشاد المشاركون بالحضور المغربي، في أفريقيا، خصوصا على المستوى الاقتصادي والاستثماري.

واعتبر وزير الدولة المكلف بالشؤون الخارجية والغينيين بالخارج، عبدولاي فال أن «المغرب اليوم قطب للتقدم والازدهار في إأفريقيا»، فيما عبر وزير الشؤون الخارجية الإيفواري، شارل كوفي، عن «امتنان» الكوت ديفوار لسياسة المغرب الخارجية والاقتصادية التي تأتي في إطار مقاربة حريصة على صالح شعوب القارة.

مواكبة للمنحى المتصاعد للعلاقات السياسية٬ تعززت مؤخرا الروابط الاقتصادية والشراكات المثمرة بين المغرب وبلدان الجوار الأفريقي٬ وذلك ترسيخا للخيار الإستراتيجي للمملكة التي راهنت منذ استقلالها على تطوير علاقاتها مع البلدان الأفريقية وبالتالي تقوية التعاون جنوب-جنوب وتحقيق الاندماج الاقتصادي.

وقد أخذ «حجم الاستثمارات المغربية أخذ منحى تصاعديا، خصوصا في القطاع البنكي والتجارة والمعادن والخدمات»، وفق مداخلة مدير مكتب التقرير حول التنمية البشرية ببرنامج الأمم المتحدة للتنمية، خالد مالك. واعتبر مالك أن مثل هذا النقاش حول «أفريقيا ما بعد 2015» «يمثل فرصة لبحث مختلف سبل تحقيق تنمية القارة، التي شهدت معدل نمو ثابت خلال العقد الأخير، في مجال الاستثمارات وتدفق رؤوس الأموال والحكامة، وكذلك انخفاض النزاعات المسلحة».

وتحدّث الخبير الأميركي بيتر فام، مدير مركز الأبحاث والدرسات، «Africa Cnter»، عن «النبأ السعيد» الذي يؤكد أن «15 من بين 20 بلدا عبر العالم تمكنت من تحقيق تقدم كبير في مجال بلورة أهداف الألفية للتنمية توجد في أفريقيا»، مضيفا أن بعض البلدان ما زالت تكافح من أجل تحقيقها في غضون الألف يوم التي تفصل عن التاريخ المحدد سنة 2015».

وأكّد فام أنه «بغض النظر عن الموارد الطبيعية، فإن أفريقيا تظل في موقع جيد للقيام بقفزة نوعية خلال السنوات المقبلة… والمغرب يمثل، في هذا الصدد، نموذجا ناجحا يحتذى بالنسبة للبلدان الأفريقية، بالنظر إلى أن المملكة تعد من البلدان الخمسة الأولى بالقارة التي تستقبل الاستثمارات الأجنبية».

7