المغرب والإرهاب.. تناقض وجودي وحرب دائمة

الاثنين 2015/04/06
المغرب يعمل على تنشئة الأجيال الجديدة وفق قيم التسامح الفكري والديني

يُعتبر المغرب دولة استثنائية باعتبار موقفه المبدئي الثابت في ما يتعلّق بمُناهضة التطرف والإرهاب بمختلف أشكاله، إذ لم يسجل عليه موقف ما، يمكن وصفه بالمتردّد تجاه آفة الانحراف الديني والإرهاب الفكري والمعنوي، ولا يمكن اتّهامه بأيّ شكل من الأشكال بالتغاضي عنهما أو دعمهما سواء في الداخل أو الخارج، بالنظر إلى الإستراتيجية واضحة المعالم والمحاور التي يتبعها في مجابهة هذه الظاهرة.

يرجع التمشّي الذي يتبعه المغرب إزاء الإرهاب، بالأساس، إلى قناعة راسخة عند صانع القرار السياسي الاستراتيجي المغربي، مفادها أنّ التطرف والإرهاب وجهان لعملة واحدة وأنّ الفرق بينهما يكمن في درجة الانخراط المباشر في العنف والفوضى، وليس في الأسس التي يقومان عليها، وفي الأهداف التي يعملان من أجل تحقيقها حاضرا أو مستقبلا.

وفي كل الأحوال، فإن التطرف بمختلف تجلياته السياسية والعقائدية هو الأرضية الخصبة لتفريخ الممارسات الإرهابية العنيفة، ونفخ الروح فيها، سواء تجلت في أعمال فردية، تبدو معزولة بعضها عن البعض الآخر، أو ضمن أعمال منظمة، واعية بأهدافها الجماعية، وعابرة لحدود الأوطان والأقاليم والقارات والديانات المختلفة. وعلى هذا الأساس، فقد اعتبر المغرب، على الدوام، أنّ الحرب على التطرف والإرهاب، ينبغي أن تكون واحدة وشاملة ومتواصلة في الزمان والمكان، للحدّ من تهديدات هذه الظاهرة الخطيرة.

إستراتيجية شاملة

لم يكتف المغرب بما يمكن اعتباره تصديا للجوانب النظرية والأيديولوجية ضمن إستراتيجية شاملة تستهدف التطرّف، بل عمد إلى قرن التصورات النظرية بمشاريع عملية لا تكتفي بمحاصرة التطرف الفكري والديني، وإنما تتعدى ذلك إلى وضع خطط ملموسة على طريق محاربة هذه الآفة، وتنظيم حملات استباقية على الإرهاب لمنعه من التفريخ والانتشار والتمدد إلى ما لا نهاية. وهذا ما يفسر تواتر الأخبار عن تفكيك المغرب لأعداد متزايدة من خلايا الإرهاب السرية النائمة أو المستعدة لمباشرة أعمالها التخريبية في مختلف مناطق البلاد.

الحرب الفكرية والأيديولوجية والسياسية على التطرف والإرهاب تعتبر حربا دائمة وطويلة الأمد

وبالتزامن مع هذه المبادرات الأمنية الاستباقية، تمّ تعزيز الترسانة القانونية الرامية إلى محاصرة الإرهاب، وقمع تنظيماته وتجريم ممارساته المختلفة، بالتوازي مع مواصلة العمل الدؤوب على محاربة التطرف الفكري والديني، من خلال نشر ثقافة التعايش ومبادئ التسامح ومناهضة كل تأويل مغالط لمبادئ الإسلام السمح الذي تقترف باسمه الجماعات الإرهابية المختلفة جرائم بشعة في حق المواطنين الأبرياء، وفي حق الأوطان التي يتم التضحية بمصالحها العليا لخدمة أجندات الانحراف والتدمير.

محاور الحرب على الإرهاب

يحاول المغرب، في الواقع، التحرك على أكثر من محور رئيسي في حربه على الإرهاب، في آن واحد، وبشكل لا يقل حزما وعزما من محور إلى آخر، لاعتقاد الرباط أنّه ما لم يتمّ العمل بالتوازي، على هذه الخطوط والمحاور، وبذات القوة والمثابرة، فإنّ حظوظ كسب الحرب ضدّ الإرهاب قد تتقلّص إلى أدنى من المستوى المطلوب، وهو ما يُعتبر خطا أحمر في هذا المجال بالذات، حيث لا خيار آخر مقبول غير العمل على إنزال الهزيمة بالتّطرف وقوى الإرهاب في كل وقت وحين، وهذه المحاور هي:

* استئصال الجذور: مواجهة التطرف الفكري الأيديولوجي والسياسي، بمختلف أشكاله وتجلياته، الدنيا والقصوى، على حد سواء، والتوجه رأسا، إلى ما يشكل منه الجذور العميقة بغاية استئصالها، قبل أن تزيد انغراسا في التربة المغربية التي كانت على الدوام تربة الاعتدال في مختلف مجالات الفكر والسياسة ونابذة للعنف والإرهاب، بفعل ثقافتها السياسية الراسخة على أرضية الاعتدال والتسامح الصلبة. ويتطلّب ذلك عدم البحث عن الحلول السهلة التي يوفّرها الاهتمام بالمظاهر والأعراض، دون الغوص في عمق المشكلات من خلال التركيز على أسبابها العميقة. ذلك أن الجري وراء الحلول السّهلة، في هذا المجال، لا يعمل إلّا على توفير البيئة الحاضنة للتطرف، والإرهاب وترسيخ جذوره، بما يضاعف تداعياته الخطيرة على المجتمع برمته، وقد يحوّله إلى داء عضال عصيّ عن المعالجة، والاستئصال بما يترتب عن ذلك من نتائج سلبية تضاعف من معاناة ومآسي مجتمعاتنا التي هي في غنى عنها.

المغرب يعمل على مواجهة التطرف الفكري الأيديولوجي والسياسي، بمختلف أشكاله وتجلياته

ولذلك تعتبر الحرب الفكرية والأيديولوجية والسياسية على التطرف والإرهاب حربا طويلة الأمد، وينبغي أن تكون عنصرا أساسيا من عناصر كل أشكال البيداغوجيا والتكوين التي تعتمدها الدولة في مختلف مناحي الحياة، بهدف ترسيخ أيديولوجيا الحوار والاستعداد للحلول الوسطى في كل ما يتعلق بحماية النسيج الوطني للشعب كبديل عن ثقافة الرعب والقتل والإقصاء التي تشكل الوسيلة الأقرب إلى تصورات القوى المتطرفة.

وينبغي أن تضطلع المدارس العمومية والمدارس والمعاهد الدينية المختلفة في هذا الإطار بأدوار فعالة، في هذا الاتجاه، على اعتبار أنّ تكوين أجيال جديدة على قيم التسامح الفكري والديني ومبادئ وأخلاق الحوار لمعالجة قضايا الاختلاف بين مكونات المجتمع تجاه عدد من القضايا الفكرية والعقائدية والسياسية، هو حجر الزاوية في كلّ فلسفة تستهدف محاربة التطرف والإرهاب.

* التعامل الديناميكي الفعال: الانطلاق من قناعة راسخة مفادها أنّ التنظيمات ذات الأيديولوجيات المتطرفة هي كائنات حية، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من تطور وقدرة على التكيّف، مع مختلف الظروف، تجد نفسها مضطرة للفعل في سياق مناخها الخاص، بما في ذلك محاولاتها الدؤوبة لملاءمة سلوكها مع متطلبات الظروف الموضوعية والذاتية المستجدة في سياق الحرب المفتوحة بينها وبين المجتمع والدولة.

حيث أنّها تحرص على جعل تلك الممارسات متوارية عن الأنظار ليكون لعنصر المفاجأة دور حاسم في مساعدتها على تحقيق مساعيها التدميرية والدعائية في آن معا.

ولذلك فإنّ أي نظرة متحجرة وجامدة إلى ظاهرة التطرف والإرهاب لا تسمح بالتعامل الفعال معها. الأمر الذي يعطي التنظيمات المتشددة امتيازا حقيقيا على قوى التقدم والتسامح، متى ظلت هذه الأخيرة حبيسة أفكار جامدة لا تدرك بالسرعة المطلوبة طبيعة التحولات التي تطرأ على الدوام على التيارات المقابلة وطرق فعلها في مختلف مجالات الحياة الفكرية والسياسية للمجتمعات التي تستهدفها.

العاهل المغربي الملك محمد السادس اتّخذ العديد من المبادرات ذات الطابع الديني، وخاصة في مجال تكوين الأئمة والمرشدين الذي جعل المغرب قبلة لكل الدول

وفي المقابل فإنّ تعاملا ديناميكيا مفتوحا مع ظاهرة التطرف والإرهاب يمنح الدولة عناصر قوة تستطيع بواسطتها إرباك تحرك التيارات والقوى الإرهابية، إن لم يؤدّ ذلك إلى تحييدها وشّل حركتها وفرض التراجع عليها، الأمر الذي يقي المجتمع من خسائر مادية ومعنوية ويعزز تماسكه ويشجعه على مواجهة تلك التيارات ولجم اندفاعها.

ومن الواضح أن المغرب من خلال عملياته الاستباقية ضدّ الخلايا الإرهابية، مدرك تماما لطبيعة التطورات التي تعرفها في تشكلها وطرق اشتغالها، حيث يكون قادرا على الدوام على توجيه الضربات الاستباقية لمخططاتها التنظيمية والعملية على حد سواء.

* الجانبان الجنائي والسياسي: اعتماد أساليب رادعة للإرهاب على مختلف المستويات السياسية والجنائية، مع الحرص على احترام حقوق الأفراد والجماعات القانونية والإنسانية اعتقادا من الدولة أنّ هذا الحرص يوفر لها مطلبين أساسيين هما؛ تحقيق العدالة والحرص على إنصاف الأفراد والجماعات وحمايتهما ما أمكن من مفاعيل الإرهاب المدمرة من جهة، وضمان دعم مجمل مكونات الشعب لمختلف الإجراءات التي يتم اللجوء إليها في محاربة التطرف والإرهاب من جهة أخرى.

هذا بالإضافة إلى تمكين الجميع من التّعرف على مختلف الخطوات القانونية المتبعة في هذه العملية، بما يُحقّق قدرا كبيرا من الشفافية في تعاطي الدولة مع هذه الظاهرة الخطيرة، على جميع مكونات الشعب وشرائحه الاجتماعية، بغضّ النظر عن تعدّد مشاربها الفكرية وتصوراتها الأيديولوجية ومشاريعها الاقتصادية والسياسية لبناء المجتمع، وهو ما يستثني، بطبيعة الحال، قوى وتيارات التطرف والإرهاب التي على الدولة العمل على تحييدها وتجفيف منابع نشأتها وتطوراتها الفكرية والسياسية والاجتماعية.
المغرب يعمد إلى قرن التصورات النظرية بمشاريع عملية لا تكتفي بمحاصرة التطرف بل تحاربه بشكل استباقي

* التنسيق الاستخباراتي: العمل على توسيع دوائر التنسيق الأمني والاستخباراتي لتغطي مجالات جغرافية أوسع، لا يحدّها الإقليم، بل تتعداه إلى المستوى الدولي، لأنّ ظاهرة التطرف والإرهاب عابرة لكل الحدود التقليدية، بأبعادها الجغرافية والسياسية والأيديولوجية، باعتبارها تتطور على شكل أخطبوط يكتسح تلك الحدود. ومميزات هذا التنسيق أنّه قادر على المساهمة الفعالة في إفشال مخططات الإرهابيين وتجنيب المجتمعات الأذى المتزايد الذي تسببه في مختلف البلدان.

* مبادرات التقويم الديني: الحرص على مزيد تفعيل مبادرات التقويم الديني ونشر تعاليم الدين الحنيف، وتوجيه أصابع الاتهام إلى كل الممارسات التي تستهدف الانحراف بالمبادئ الأساسية للدين الإسلامي التي سمحت بتشكيل هوية المملكة الموحدة، رغم اختلاف الأعراق والثقافات والتوجهات الفكرية والسياسية لمختلف مكونات الشعب المغربي، عبر عصور من التفاعل الإيجابي على قاعدة القواسم المشتركة، وعلى رأسها الدين الإسلامي.

وقد دفع تفعيل هذا الدور بالعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى اتّخاذ العديد من المبادرات ذات الطابع الديني، وخاصة في مجال تكوين الأئمة والمرشدين الذي جعل المغرب قبلة لكل الدول التي ترغب في الحصول على تكوين منسجم، ومطابق لتعاليم الدين للقيام بالأدوار المنوطة بالأئمة والمرشدين الدينيين على أحسن وجه، وبما يضمن تحصين الجبهات الداخلية لتلك البلدان من مضاعفات تسلل بعض الخلايا التكفيريّة المتطرفة والإرهابية إلى مجتمعاتها.

وبهذا فإنّ مختلف عناصر تحليل السلوك المغربي تجاه التطرف الديني والأيديولوجي والمنظمات الإرهابية، آنفة الذكر، تفيد بأنّ الدولة المغربية تعتبر أن تناقضها مع التطرف والإرهاب يعدّ تناقضا وجوديا عميقا، لا يقبل التسوية.

اقرأ أيضا

ندوة بالمغرب تناقش الفكر السلفي وتقطع الطريق على دعاة الإرهاب

6