المغرب وتونس: علاقات يحكمها الاقتصاد وتعززها محاربة الإرهاب

السبت 2014/05/31

عشية زيارة رسمية قام بها العاهل المغربي الملك محمد السادس للجمهورية التونسية الجمعة 30 مايو، انعقدت أشغال المنتدى الاقتصادي المغربي التونسي. شعار هذا اللقاء “التكامل من أجل النمو والتشغيل”، معبر ومعالمه واضحة لمن أراد أن يقرأ الزيارة موضوعيا.

الواضح أن خارطة الطريق التي رسمها صانع القرار بالرباط لا تقبل أي تأويل مغلوط. حيث أن الهدف الذي يتطلع إليه المغرب هو تحقيق أمنه عبر بوابة نموه الاقتصادي بشراكة مع الأشقاء، ومن ضمنهم تونس. حَرِصَ الملك محمد السادس في السنة الأخيرة على الرفع من منسوب تأمين مجاله الحيوي سياسيا واقتصاديا، خدمة للأمن القومي المغربي متعدد المداخل والمتقاطع في عدة مناح، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، محليا ودوليا.

جاءت زيارة العاهل المغربي شرقا نحو تونس تتمة لما بدأه داخل عدد من دول غرب أفريقيا، وتأكيدا على الطريق الذي نهجه في الانفتاح والالتزام بقضايا المنطقة ككل. فالزيارات في اتجاه الجنوب تدخل في نطاق الحفاظ على علاقات تجارية وثقافية وثيقة مع هذه البلدان.

العلاقات المغربية التونسية عريقة وتعود إلى الخمسينات من القرن الماضي، رغم أن التبادل التجاري بين البلدين ظل في حدوده الدنيا. إلا أن اختيارات الدولتين الإستراتيجية تعمل على إعطاء نفس جديد للعلاقات عبر بوابة الاقتصاد. ولا يخفى أن المغرب عرف كيف يمر بسلاسة من محطة إلى أخرى سياسيا، بإقرار دستور جديد وإنجاز انتخابات كانت جديرة بالمتابعة، وقطع مسافات مهمة في ترسيخ قواعد حقوقية أساسية.

تونس هي الأخرى عرفت كيف تذهب خطوات جدية في عملية الانتقال السياسي بعد الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي، والعمل على ترسيخ قيم الديمقراطية والتشاركية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

المغرب وتونس يريدان المضي قدما في محاربة الإرهاب بالتنمية أولا، ثم بالعمل على إشاعة الأمن والاستقرار داخل المنطقة. المملكة المغربية شريك مثالي في منتدى محاربة الفكر المتطرف والحركات المسلحة، نفس الهم يعتمل لدى صناع القرار التونسيين.

هذه الزيارة الملكية إلى الديار التونسية، يريد من خلالها الملك أن يؤكد على الرغبة الأكيدة في حماية منطقة المغرب العربي من تداعيات الحروب التي تشنها ماكينة القاعدة عبر فروعها في ليبيا ومنطقة الساحل والصحراء. عبر مقاربة المغرب في محاربة كل أشكال العنف والتي يتفاعل فيها ما هو ديني واقتصادي وسياسي واجتماعي. وهذا ما جعل تونس تحاكي التجربة المغربية.

جوار تونس مشتعل وهذه حقيقة، فالبلد عانى من تشويش الإرهاب. المغرب أخذ الخطوة الضرورية لدعم تونس في الانتقال من حالة الانتظار السياسي إلى حالة الدولة المستقرة ذات الحدود الآمنة، والتعويل على القدرات الذاتية للبلدين في الارتقاء بها إلى مستويات أفضل. ونستحضر هنا مبادرة المغرب بتكوين وعاظ وأئمة تونسيين والاستفادة من تجربة المملكة في مجال عمارة المساجد، تحقيقا لمبادئ الإسلام المعتدل والوسطي المتسامح. وهي مبادرة توحي بأن المغرب وتونس ينحوان تجاه تعميق نظرة موحدة في مجموعة قضايا مشتركة من ضمنها محاربة كل أشكال التطرف والإرهاب.

رسالة المغرب في إطار زيارة الملك لتونس تقول إن الرباط تسير في الاتجاه الصحيح، وعندما تؤسس لعلاقات، أو تعززها، فالأولوية تكمن في البحث عن إشاعة السلم والأمن. سلم واستقرار يمران عبر رؤية متكاملة دعامتها اقتصاد قوي وتنمية مستدامة واستثمار في الثروة البشرية.

المغرب وتونس جناحان مهمان في شمال أفريقيا، وكما أن المملكة تعزز عمقها الاستراتيجي داخل أفريقيا جنوبا، فهي توطد العلاقات شرقا عبر شراكة مندمجة مع تونس، خصوصا والعلاقات متوترة مع الجارة الجزائر التي تحارب أي انفتاح مغربي على الجوار أو المحيط الأفريقي. الاقتصاد والسياسة توأمان سياميان، ولن يتحقق أي تقدم على مستوى العلاقات السياسية دون توظيف العامل الاقتصادي والتقارب بين أسواق المال والتجارة والأعمال بين البلدين المغرب وتونس.

الجغرافيا المغاربية تتهددها النظرة الأحادية المبنية على الإقصاء والتقسيم، وهذا ما تفعله الآلة العسكرية بالجزائر بشكل دائم منذ وقت طويل. فقيام الاتحاد المغاربي كان للمغرب فيه النصيب الأكبر من حيث التأسيس، ومن المتحمسين لتحقيقه على أرض الواقع وساهم بشكل فعال في بعث هياكله.

وتبقى خطب الملك في عدة مناسبات شاهدة على رغبة المغرب في إعادة إحياء هذا الصرح لما له من نفع على شعوب المنطقة ككل، لأنه يمثل قاطرة للتنمية. لكن رغبة الجزائر في قبر هذا الاتحاد، لم تثن الرباط في دفع التعاون مع تونس.

إذن تحرك المغرب تجاه تونس لن يكون تكتيكا مرحليا كما يقال، بل هي خطة مدروسة بشكل جيد، وتعمل وفق منظور بعيد المدى لأجل تأمين الداخل من خلال مراقبة ما يدور في المحيط ومحاولة التحكم في تفاصيله. والكل يعلم أن المنطقة أصبحت مهددة بتواجد السلاح بأنواعه في يد ميليشيات وجماعات، وتكتل العصابات المسلحة والمهربين والجهاديين.

تشكيلة من التهديدات تتطلب حنكة وتعاونا على أعلى مستوى، وليس فقط تنسيقا في أدنى مستوياته. تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين المغرب وتونس عامل يخدم تجفيف منابع تمويل الإرهاب ومحاصرته لكي لا يصنع حاضنات له في الهوامش. بالإضافة إلى مراقبة طرق وآليات اشتغال تلك المنظمات الإرهابية حتى لا تخترق مناطق ومجموعات بشرية من الممكن أن تهدد أمن واستقرار المنطقة.


كاتب مغربي

9