المغرب.. وطن واحد وثقافات متنوعة

الثلاثاء 2013/10/08
أكرم اليوسف أدار جلسات الملتقى

لعل أبرز ما حققه "الملتقى الدولي للفنون وحوار الثقافات"، الذي أقيم في الرباط، ما بين الخامس والعشرين والثلاثين من أيلول/ سبتمبر المنقضي، هو القدرة على جمع عشرات المبدعين في مجالات الفنون المختلفة، من دول عربية وأجنبية، ليتعارفوا ويتحاوروا حول هموم الفن وقضاياه المختلفة، من زوايا جديدة تنتمي إلى عالم الحداثة وما بعدها، ليشكل نقطة انطلاق نحو آفاق جديدة من الحوار بين الثقافات الفاعلة اليوم.

النسخة الأولى من الملتقى لم تكن في مستوى الطموح الذي سعت إليه جمعية المغرب المتوسط للتنمية والتعاون التي نظمته، والتي هدفت من تنظيمه إلى "خلق فضاء جديد للحوار بين الفنانين والمبدعين من مختلف الثقافات، في وقت آن فيه للمبدعين والمثقفين أن يرفعوا صوت الإبداع والتلاقي في كل مكان في العالم"، كما أن الملتقى سعى "إلى التعريف بالتنوع الثقافي الخلّاق الذي يتميز به المغرب، مما جعله محط اهتمام من قبل مختلف الثقافات في العالم، وملتقى الحضارات، وأنموذجا للمحبة والسلام والازدهار"، كما ذكر بيان اللجنة المنظمة، إلا أنه حقق شيئا من غايته فكان خطوة أولى لبلوغ هذا الهدف، وتحقيق هذه الغاية.


فرصة للتعارف


الملتقى الذي عُقد تحت شعار "المغرب وطن واحد ثقافات متنوعة"، وأداره أكرم اليوسف من سورية، بمساعدة فريق من الشباب والشابات، أقيم بمشاركة حوالي ستين من المسرحيين والموسيقيين والسينمائيين والتشكيليين والباحثين المتخصصين في الأنثروبولوجيا وعلم النفس، من العالم العربي وأسبانيا وفنزويلا.

وشهد نقاشات وورشات عمل في محاور عدة، في إطار الحوار القائم والذي ينبغي أن يجري بين الحضارات، لكن العمل تركّز في مجالي المسرح والتشكيل أكثر من سواهما.

وكان الملتقى أيضا فرصة لتعارف وحوارات متعددة بين المشاركين الذين جاؤوا من لبنان وسورية والعراق والسعودية ومصر وسلطنة عمان وقطر والجزائر وتونس وموريتانيا وفنزويلا وأسبانيا والسويد، إضافة إلى مشاركة واسعة من مبدعي البلد المضيف.

وأتيحت خلاله الفرصة للاطلاع على أفكار وتجارب كثيرة في مجالي مسرح الطفل والرسم للأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، وأثيرت نقاشات معمقة حول علاقة الفنون بعلم النفس، كما شهد عروضا مسرحية عدة، وورشات للرسم الحر، وانتهى بمعرض لأعمال الرسم المنفَّذة، ووعد من الدكتور كريم عبّود عميد كلية الفنون في جامعة البصرة باستضافة الدورة الثانية من الملتقى.

نالت الحوارات المتعلقة بالمسرح وشؤونه وقضاياه الحظ الأوفر من حوارات المشاركين، فقد حضر الملتقى وشارك في نقاشاته عدد من أهل المسرح، فنانين وأكاديميين، قدموا تصورات معمّقة حول راهن المسرح العربي والعالمي، وحجم حضوره ومستواه، وما ينبغي أن يكون عليه، وذلك عبر محاور عدة، ربما كان أبرزها المحور الذي تناول هوية المسرح العربي خصوصا، وثقافة الآخر عبر المسرح: التأثير والتجليات، والتنوع الثقافي بوصفه فضاء للحوار.

قضايا عولجت من قبل متخصصين في هذا الشأن المسرحي، في مقدّمهم الدكتور كريم عبود، وهشام زين الدين من لبنان، والدكتور عبد الحكيم شكير وخالد أمين من المغرب، وهوسيه ماريا من أسبانيا، ومحمد الرحبي من عُمان.

وجرى التركيز خلال المعالجة على رفض الهويات الضيّقة لمصلحة هوية عالمية للمسرح، من أجل الدخول في تجارب المسرح الحديث، حتى أن البعض تحدث عما أسماه "فنطازيا الهوية"، حيث أن السؤال الأساسي يجب أن يكون: هل هذا مسرح أم ليس مسرحا، وضرورة أن ينشغل المسرحيون بالتقنيات الحديثة.

وفي سياق متصل ناقش الحضور لغة الجسد بوصفها أحد أهم مكونات العملية المسرحية، حيث جرى الحديث عما أسماه الأسباني هوسيه ماريا بالـ"سيكودراما" والعواطف التي يمكن أن تثيرها حركة ما، إضافة إلى حديث عن قدرة المسرح على تعليم الفلسفة، وكون الممثل أستاذا واعتبار الأستاذ ممثلا.

بينما تناول البعض موضوع العلاقة مع الآخر في المسرح، من زاوية ضرورة البدء من حيث انتهى الآخرون، للوصول إلى ما يمكن تسميته "لغة مسرحية خالصة". وأخيرا فرّق البعض بين المسرح التجاري والمسرح الموجه إلى النخبة.


سمبوزيوم تشكيلي


في مدينة بنسليمان، وسط منتجع قرويّ محاط بالغابات والعيون، نظّم الملتقى ورشة المرسم الحرّ، بمشاركة عدد من الفنانين العرب. ورغم ضعف الإمكانيات، نفّذ الفنانون بأدوات بسيطة، مجموعة من الأعمال الفنية، جمعها المكان وفرّقتها الاتجاهات والمضامين والتقنيات، فقد تنوعت الأعمال المنفّذة وتوزعت بين التجريد والطبيعة والاشتغال على الجسد ورسم ذوي الاحتياجات الخاصة، وبرزت صور من تناول المرأة في أشكال عدة، كما كان هنا حضور للأعمال الحروفية لبعض الفنانين، فيما برزت أشكال وصور من التجريب لدى الفنانين الشباب.

وإلى ذلك أقيمت حلقات نقاشية حول الرسم، شملت عناوين عدة. إلا أن الحاصل، ونتيجة للظروف التي عمل فيها المشاركون تحيل إلى أن من الصعب إطلاق تسمية سمبوزيوم على هذه الفاعلية التي اتسمت بقدر من الارتجال.


ظواهر لافتة


ومثل غالبية المهرجانات والمؤتمرات التي تقام هنا وهناك، وتشهد حضور "أشخاص" يلفتون النظر بشدة، شهد الملتقى حضورا لافتا للفنانة اللبنانية الشابة "جنان سليم"، التي تقوم بالتحضير لشهادة الماجستير في الفن، لافتة انتباه المشاركين على غير صعيد، ابتداء من حجمها الصغير وشعرها الأصفر المنفوش بصورة طفوليّة، مرورا باصطحابها الدائم لمجموعة من الكلاب المقيمة في القرية- المنتجع، ثم تقافزها الدائم بكاميرتها بين الحضور والتقاط الصور الغريبة، وليس انتهاء بطريقة جلوسها واستخدام أصابعها لترسم لوحتها التي تقدم مشاهد تجريدية من الطبيعة المحيطة.

من جهة أخرى، كان لافتا وجود شاعر وباحث سعودي مع زوجته المغربية، اصطحب معه عشرات من دواوينه الشعرية وكتبه النثرية وأبحاثه التأريخية التي بلغت «167» إصدارا ما بين عام 1984 والربع الأول من العام 2013، فهو يمتلك دار نشر لا تنشر سوى ما يكتبه هو أو ما يكتب عنه من دراسات «أكثر من عشرين كتابا»، ويقول إن عمله الأساس هو البحث في تاريخ الاحتلال البرتغالي للخليج العربي، والبحث في أشكال من التراث الخليجي، وإنه عمل لسنوات ضمن مشروع "كتاب كل شهر"، ثم أخذ يعمل على إنجاز وإصدار "كتاب كل أسبوع".


حضور وغياب


غابت عن الملتقى التجارب والأسماء الكبيرة في المجالين المسرحي والتشكيلي، وحضرت تجارب تكاد تكون مجهولة، فقد شكّل الأكاديميون نسبة كبيرة من المشاركين، وكان الحضور الأبرز للفنزويليين المتخصصين في علم النفس والأنثروبولوجيا الذين يسهمون في إقامة مهرجان ثقافي فني دولي، ويقدمون دراسات متخصصة في مجال العلاج النفسانيّ والروحانيّ، ومن بينهم الأخوان هيسو وهوسيه ماريا بوفيدا، فالأول صاحب كتاب "الجنون والعبقرية: مدخل إلى دراسة المعالجة النفسية"، والثاني نشر كتابا بعنوان "الوداع الطيب" حول كيفية مرافقة شخص يُحتضر.

14