المغرب يبحث تعزيز ترسانته الدفاعية بأسلحة روسية

الأربعاء 2017/08/30
عين مغربية على الغواصة الروسية أمور 1650

تونس – كشفت مصادر مغربية أن عددا من كبار ضباط المؤسسة العسكرية المغربية تحولوا إلى روسيا في زيارة مُرتبطة بالتفاوض حول صفقة سلاح غير مسبوقة ستُوقعها الرباط مع موسكو من شأنها تغيير موازين القوى الاستراتيجية المُمتدة من مضيق جبل طارق إلى عمق أفريقيا، مرورا بمنطقة الساحل والصحراء، لصالح القوات المُسلحة الملكية المغربية.

وقالت صحيفة المساء المغربية إن عددا من الجنرالات المنتمين للمكتب الرابع التابع للقوات المسلحة الملكية وسلاح الاتصالات والبحرية الملكية، تحولوا إلى موسكو لبحث إمكانية التعاقد حول صفقة لاقتناء الغواصة الروسية أمور 1650، التي تتميز بقدرات قتالية عالية، بالإضافة إلى شراء طائرات مُقاتلة من نوع سوخوي سو34.

واعتبرت وسائل إعلام روسية أن المفاوضات بين الرباط وموسكو حول هذه الصفقة، التي تستهدف تطوير القدرات القتالية للجيش المغربي وتعزيز ترسانته الدفاعية بأسلحة متطورة من مصادر مختلفة، قطعت أشواطا كبيرة باتجاه الاتفاق النهائي.

ولم يكن الكشف عن هذه المفاوضات مفاجأة كبيرة للمتابعين للشأن المغربي لأن الحديث حول هذه الصفقة يعود إلى شهر مارس من العام الماضي، أي مباشرة بعد الزيارة الناجحة للعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى روسيا التي خُصصت لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين على ضوء التحولات الجيوسياسية في المنطقة.

وتتالت في ذلك الوقت التقارير التي تحدثت عن دخول المغرب في مفاوضات مع روسيا للحصول على أحدث أنواع الأسلحة، منها الغواصة أمور 1650، ومنظومة الصواريخ المتطورة أس 80 التي تُطلق من الغواصات، وذلك ضمن السياق العام لسياسة توسيع وتنويع دائرة الشركاء التي حددها العاهل المغربي.

غير أن توقيت الكشف عن استئناف هذه المفاوضات فرض قراءات سياسية أملتها الحسابات والمعادلات الجديدة في المنطقة التي تتحرك وفق منحى تصاعدي تبعا لمعايير ومحددات إيقاع التحولات الإقليمية والدولية ومُجرياتها ومساراتها المتعددة.

من الواضح أن رسائل المغرب وصلت إلى مختلف الأطراف، عبر هذا التكتيك الذي أظهر مرة أخرى هوامش المرونة في السياسة الخارجية المغربية من زاوية الأبعاد الاستراتيجية

وتبرز دلالات هذا التوقيت في تزامنه مع جملة من الأحداث الهامة التي طبعت المشهد السياسي مؤخرا، منها ثلاثة تطورات شكلت مُنعطفا لافتا تقاطعت فيه الهواجس المشروعة، مع تصميم قوي على الاستمرار في الدفاع عن مصالح المغرب بكل الوسائل الممكنة.

تبدأ هذه التطورات بالحملة الإعلامية الممنهجة التي يتعرض لها المغرب والتي باتت غاياتها السياسية مكشوفة باعتبارها تستهدف زعزعة موقع المغرب على الصعيدين الإقليمي والدولي، وهو موقع بدأ يتعزز بشكل لافت عبر التركيز المدروس للعاهل المغربي الملك محمد السادس على الأبعاد الاستراتيجية لقرار العودة إلى أفريقيا.

بالتوازي مع هذه الحملة الإعلامية، يبدو التطور الثاني أكثر ارتباطا بالهواجس المغربية المشروعة، حيث برزت مؤشرات على أن قضية الصحراء المغربية تتفاعل في الإدارة الأميركية في سياق بات يخضع لمواقف سياسية لعدد من أعضاء الكونغرس الذين يُحاولون المس من الوحدة الترابية المغربية من خلال الانتقاص من سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ومنها الصحراء المغربية.

ونقلت مجلة فورين بوليسي أن السيناتور عن الحزب الجمهوري، جيمس اينهوف، الذي وصفته بـ”مدافع معروف عن أطروحة البوليساريو في نزاع الصحراء” المغربية، يُطالب إدارة الرئيس ترامب باتخاذ “موقف أكثر حزما في نزاع الصحراء”، قبل الموافقة على تعيين الأكاديمي جون بيتر فام، في منصب سكرتير الشؤون الأفريقية في الخارجية الأميركية.

وإذا كان الحدثان المذكوران يكتسيان أهمية بالغة في سياق القراءة السياسية لدلالات التوقيت عن مفاوضات المغرب مع روسيا حول صفقة السلاح المذكورة، فإن الحدث الثالث يعطي أبعادا أخرى أكثر وضوحا لهذا التزامن، وهو مرتبط مباشرة بسعي المغرب إلى المزيد من تحصين مواقفه على الصعيدين الإقليمي والدولي في سياق تنويع وتوسيع دائرة الشركاء.

ويرتبط هذا الحدث بالتصريحات الأخيرة لوزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي، ناصر بوريطة، التي أكد فيها أن العلاقات بين بلاده والجزائر “دخلت طريقا مسدودا على جميع المستويات”.

وقال في حديث نشرته الأسبوعية الدولية جون أفريك إن “علاقات المغرب مع الجزائر لا تعرف أي تطور… والتنسيق وصل إلى الطريق المسدود”، مضيفا أن الجزائر شنت “حملات دبلوماسية وإعلامية شرسة عقب إعلان المغرب، في يوليو من العام الماضي، عزمه العودة إلى أسرته الأفريقية”.

إلى جانب ذلك، تلقي الأوضاع المتردية في منطقة الساحل والصحراء بظلال من الخوف والقلق على دول المنطقة نظرا إلى إمكانية انتقال الخطر إلى أراضيها عبر الحدود، حيث يعتبر المغرب إحدى الدول التي تعمل على التصدي للمخاطر التي تتهددها من التنظيمات الإرهابية.

يمكن تفسير توجه المغرب نحو روسيا في هذه المرحلة بالذات لتحقيق مكاسب سياسية من خلال تحييد موسكو عن ملف الصحراء

وعلى وقع هذه الأحداث الثلاثة بأبعادها المُختلفة، يمكن تفسير توجه المغرب نحو روسيا في هذه المرحلة بالذات، ليس فقط لإبرام صفقات عسكرية لتحقيق التوازن مع الجزائر التي لا تتوقف عن محاولة تكريس نوع من التفوق العسكري على المغرب، عبر توظيف إمكانياتها النفطية الهائلة لتكديس السلاح، ولكن أيضا لتحقيق مكاسب سياسية من خلال تحييد موسكو عن ملف الصحراء.

ويدرك المغرب أن الجزائر، التي تمر في هذه المرحلة بحالة من الضبابية السياسية تسببت فيها الأزمة الحكومية الراهنة بتعقيداتها وبتشابكها الأمنية والعسكرية، قد تندفع نحو محاولة الانقلاب على الحسابات والمعادلات السياسية السائدة، باتجاه المنعطفات الأكثر مدعاة للهواجس والقلق.

على هذا الأساس، كان لا بد من إعادة الحسابات والخطابات السياسية وتوجيه رسائل مفصلية في سياق سياسي ودبلوماسي، يتم من خلالها ضبط الأمور في تواز مع التوازنات الإقليمية والدولية، وهو ما عكسه توقيت الكشف عن استئناف المفاوضات بين الرباط وموسكو حول صفقة السلاح المذكورة.

ومن الواضح أن رسائل المغرب وصلت إلى مختلف الأطراف، عبر هذا التكتيك الذي أظهر مرة أخرى هوامش المرونة في السياسة الخارجية المغربية من زاوية الأبعاد الاستراتيجية، التي كثيرا ما ركز عليها الملك محمد السادس في خطاباته، ضمن رؤيته للعلاقات المستقبلية التي تقوم على ضرورة تنويع الشركاء وتعزيز العلاقات مع القوى الدولية الكبرى دون التفريط في حلفاء المغرب التقليديين.

7