المغرب يبدأ اليوم رحلة طويلة لتحرير أسعار الصرف

رجح مسؤولون ومحللون أن تجري عملية تحرير أسعار الصرف في المغرب بطريقة سلسة في ظل متانة النظام المصرفي واستقرار المؤشرات المالية والاقتصادية. وتوقعوا ألّا يشهد سعر صرف الدرهم أي تقلبات كبيرة بعد سلسلة طويلة من الإصلاحات التي عززت مناخ الاستثمار في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
الاثنين 2018/01/15
تداول حر دون سقف رسمي

الرباط – يدخل قرار تعويم الدرهم في المغرب حيز التنفيذ اليوم بعد مصادقة الحكومة على الخطوة بشكل رسمي قبل أيام لتبدأ البلاد بذلك رحلة طويلة لتحرير أسعار الصرف بشكل تدريجي من أجل تقوية اقتصاد البلاد.

ورغم شكوك بعض الخبراء المغاربة في نجاح الخطوة، إلا أن الحكومة تؤكد تسلحها بحزمة من التدابير لمواجهة احتمالات تأثر العملة المحلية من التعويم في ظل استراتيجية اقتصادية بعيدة المدى.

ويندرج تحرير أسعار الصرف في إطار برنامج إصلاح اقتصادي يحظى بدعم من صندوق النقد الدولي بهدف إعطاء زخم جديد للنمو الاقتصادي بشكل عام والحفاظ على التوازنات المالية للدولة.

وقالت مصادر في وقت سابق إن التأرجح في حركة الدرهم سيزداد اتساعا بواقع 2.5 بالمئة صعودا وهبـوطا من 0.6 بالمئة حاليا إلى أن يتم إلغاء الربط كليا في عملية قد تستغرق ما يصل إلى 15 عاما تبعا لرد فعل السوق.

وكان بنك المغرب المركزي قد أعلن أواخر 2016 أن المراحل الأولى من الانتقال التدريجي من مرحلة القيود المفروضة على العملة إلى سعر صرف مرن ستنفذ في النصف الثاني من 2017 بالتزامن مع إجراء إصلاحات أخرى، لكن الخطوة تم تأجيلها.

وقال وزير الاقتصاد والمالية، محمد بوسعيد خلال مجلس وزاري الجمعة الماضي إن “قرار تحرير سعر الصرف يأتي في ظل التحسن على مستوى العملة الصعبة بأكثر من 240 مليار درهم (25 مليار دولار) ومعدل التضخم الذي نزل إلى حدود 0.6 بالمئة”.

وأكد بوسعيد أن تعويم الدرهم مشروع هيكلي سيسمح للسوق المغربية بالمنافسة، مشيرا إلى أن تأجيل القرار كان بهدف توفير الشروط اللازمة لاحتواء التداعيات السلبية المحتملة على التوازنات المالية.

وتأمل الحكومة في أن يساعد القرار على مواكبة الانفتاح التجاري والاندماج المالي للمغرب عبر تحسين التنافسية ومواجهة الصدمات الخارجية والحد من الضغط على الاحتياطات النقدية .

لكن هذه الأهداف حسب تصريح الخبير الاقتصادي المغربي، العربي حبشي، لـ“العرب” لم يتمّ التدقيق فيها كما ينبغي لمعرفة إيجابيات وسلبيات تحرير أسعار الصرف.

ورغم تلك المخاوف إلا أن بوسعيد شدد على أن القرار ليس مغامرة وتمّت دراسته لسنوات، وقال “علينا أن نثـق في البنك المركزي الذي قام بعمـل كبير ودراسات عديدة”.

وسعى الوزير لامتصاص تلك المخاوف قائلا إن الخطوة “تم اتخاذها مرفوقة باحتياطات” كبيرة بعد أن أصبح المغرب أكثر انفتاحا لذلك لا يمكن أن يظل الاقتصاد معتمدا على نظام صرف ثابت.

ويرى حبشي، القيادي بنقابة الفيدرالية الديمقراطية للشغل، أن الإنتاج في المغرب لا يزال هشا ويحتاج إلى إعادة هيكلة على المستويات التنظيمية والقانونية والتكنولوجية والتكوينية لتأهيلها لمواجهة مثل هذه الإجراءات.

وقال “لإنجاح هذا الإجراء يجب توفر احتياطي هائل من العملة الصعبة وتوازنات اقتصادية صلبة وعجز قليل في الميزان التجاري وبورصة قوية ونسبة مقبولة لحجم المديونية”.

وأشار إلى تجارب عالمية مماثلة لم تنجح مثل مصر والمكسيك والأرجنتين وإندونيسيا وماليزيا وهونغ كونغ والفلبين، مما أدى إلى أزمات كبرى اجتماعية واقتصادية أخذت طابعا سياسيا في العديد من الحالات.

وتؤكد الحكومة أن الشروع في هذا الإصلاح الجديد سيتم في ظروف ملائمة تتسم بصلابة القطاع المالي والاقتصادي مع استمرار التحكم في مستوى التضخم وأنه سيتم دعم تحرير سعر صرف العملة المحلية من خلال مواصلة الإصلاحات الهيكلية والقطاعية.

لكن محمد ياوحي أستاذ الاقتصاد بجامعة ابن زهر قال لـ“العرب”، إن “الاقتصاد المغربي غير مؤهل بعد لتحرير الدرهم كونه يعتمد على الواردات من مختلف السلع والخدمات كالوقود، بالإضافة إلى استيراد الحبوب في فترة الجفاف”.

ويمثل إصلاح نظـام سعر الصـرف خطوة في اتجاه تعزيز تمـوقع اقتصاد المغرب في العالم، تكريسا حسـب وزارة المالية، لمسلسل انفتاح اقتصاد البلاد على الخارج.

ويرى محافظ بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري، أن المهم في تدابير تحرير سعر الصرف هو الاستقرار والأمن والتوازن الاقتصادي والثقة، وقال إن “الدول التي حررت عملاتها كانت في أزمة لهذا انخفض سعر عملاتها، أما المغرب فهو في وضع اقتصادي جيّد”.

وركز مصطفى الخلفي، الناطق الرسمي باسم الحكومة، أن نظام الصرف الجديد سيتمحور حول سعر الصرف المحدد من بنك المغرب على أساس سلة العملات الرئيسية مثل اليورو والدولار بنسب 60 و40 بالمئة على التوالي.

وسبق لأحمد الحليمي المندوب السامي للتخطيط أن شدد على أن مسألة تحرير الدرهم ليست بالسهلة، مطالبا بمواصلة توفير الشروط اللازمة لتحسين الاقتصاد والاستمرار في التحكم في العجز الهيكلي الذي يعاني منه.

وبذلت الرباط طيلة السنوات الأخيرة جهودا أكبر من غيرها من دول شمال أفريقيا خاصة مصر وتونس في ما يتعلق بتطبيق إصلاحات اقتصادية وكبح العجز وإنهاء دعم الوقود.

10