المغرب يتبنى برامج رسمية لإعادة إدماج السجناء الشبان في المجتمع

حماية المجتمع وعملية إعادة إدماج السجناء تعتبر من المهام الأساسية التي تقوم بها المؤسسات السجنية المغربية في العقد الأخير.
الأحد 2019/09/08
أمل في مستقبل أفضل

تحرص المؤسسات الرسمية وشبه الحكومية بالمغرب على وضع خطط لتأهيل السجناء داخل المؤسسات السجنية حتى يندمجوا في المجتمع بعد قضاء محكوميتهم، والغاية من ذلك هي إعادة التأهيل الاجتماعي للمساجين لكي ينتقلوا بعد الإفراج عنهم إلى مجتمعهم كأفراد فاعلين ومشاركين في تنمية مجتمعهم.

يقول حقوقيون إن استراتيجية إعادة تأهيل السجناء الشباب تتطلب إحداث جيل جديد من التكوينات في الحرف والمهن الواعدة والمتنوعة داخل المؤسسة السجنية ومواكبة السجين حتى بعد خروجه.

وفي إطار الاهتمام باحتياجات السجناء بعد الإفراج عنهم وتمكين نزلاء المؤسسات السجنية من تحقيق اندماج اجتماعي ومهني ملائم دون تمييز أو استثناء، وذلك بمجرد إطلاق سراحهم، انطلق البرنامج الوطني لدعم المشاريع الصغرى والتشغيل الذاتي لفائدة السجناء السابقين.

ويقوم برنامج دعم المقاولات الصغرى والتشغيل الذاتي لفائدة السجناء السابقين على تقديم دعم مالي أو توفير التجهيزات للسجناء السابقين الحاملين لمشروع فردي، يرتبط على الخصوص، بقطاعات التجارة، والصناعة والخدمات، والصناعة التقليدية، والمطاعم، والفلاحة، والبناء.

ولا يقتصر الاهتمام الذي توليه الدولة للمحكومين بفترات قصيرة أو متوسطة بل كذلك الذين تمت إدانتهم في قضايا التطرف والإرهاب وشاركوا في برنامج “مصالحة” الرامي إلى إعادة إدماج السجناء، ومصالحتهم مع المجتمع. ويوجد حتى الآن 18 شخصا من بين المستفيدين من البرنامج.

وفي هذا الصدد قال محمد صالح التامك، المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، إن تشغيل السجناء الشباب يبقى “مكونا مهما من مكونات الاستراتيجية الجديدة للمندوبية العامة في مجال تهيئ السجناء للإدماج”، ويتيح أمامهم “فرص التكوين والعمل والإنتاج”.

وشدد عبدالقادر بنخالد، المدير الجهوي للاتحاد العام لمقاولات المغرب بجهة الرباط سلا القنيطرة، على ضرورة التوافق على نموذج مغربي لتشغيل السجناء، يأخذ بعين الاعتبار طبيعة المجتمع والثقافة المحلية، داعيا إلى اعتماد مقاربات جديدة، تنطلق من إقرار تشريع جديد للشغل موجه وملائم “الأمر الذي لا يوجد حاليا”، فضلا عن اعتماد مسارات ملائمة وقابلة للتطبيق بالنسبة إلى المقاولات.

ولإتاحة فرصة للسجناء الشباب لاكتساب مهارات في مجالات اقتصادية تستجيب لمتطلبات سوق الشغل، وتحافظ على حقوقهم ومصالحهم الاجتماعية، تم إعداد برنامج دعم المقاولات الصغرى والتشغيل الذاتي لفائدة السجناء السابقين في إطار الاستراتيجية المندمجة لإعادة الإدماج السوسيو-مهني بجعل الفضاء السجني مدرسة للفرصة الثانية، ووسطا لإعادة الإدماج والتعلم واكتساب الخبرات وتغيير نمط العيش.

تأهيل السجناء في مهن لا تتطلب في الغالب مستويات تعليمية كبرى، وتساعدهم على اكتساب مهارات في مجالات إنتاجية يتيح تأهلهم للاندماج في سوق الشغل بعد الإفراج 

والتشغيل حسب محمد التامك يتيح “تأهيل السجناء في مهن لا تتطلب في الغالب مستويات تعليمية كبرى، وتساعدهم على اكتساب مهارات في مجالات إنتاجية تأهلهم للاندماج في سوق الشغل بعد الإفراج”، لكن الإشكال القائم لتشغيل السجناء الشباب يشمل ملاءمة ضوابط تشغيلهم مع مقتضيات قانون الشغل المعمول به وطنيا، وتحديد علاقة المشغل بالسجين، حيث أن التساؤل المطروح هل بإمكانه إبرام عقود مع المشغل، أم يتطلب ذلك اتفاقية مع إدارة المؤسسة، وعقود التزام من طرف السجين مع الإدارة؟ وما السبيل إلى حل المنازعات المحتملة بين السجين والمشغل؟

وأشار عبدالقادر بنخالد، المدير الجهوي للاتحاد العام لمقاولات المغرب بجهة الرباط سلا القنيطرة، إلى أن ولوج السجناء الشباب سوق الشغل  يبقى عسيرا في العالم بأسره، وليس في المغرب فقط، وذلك راجع بالأساس إلى ضعف التكوين والأحكام المسبقة الراسخة عن السجين والتي تقوم على التحقير وعدم الثقة في قدراته بالأساس، “ما يؤدي في النهاية إلى وصم السجين وجعله يعيش على هامش المجتمع”.

وتعتبر حماية المجتمع وعملية إعادة إدماج السجناء من المهام الأساسية التي تقوم بها المؤسسات السجنية المغربية في العقد الأخير، ولهذا يرى المندوب العام لإدارة السجون أن الإشكاليات المرتبطة بشتغيل السجناء تتمثل، أيضا، في مدى “بلورة إطار تنظيمي وقانوني لتشغيل السجناء داخل المؤسسات السجنية يأخذ بعين الاعتبار خصوصياتهم الدراسية والجنائية”، إلى جانب “القوانين التي يجب اعتمادها عند اقتراح مقتضيات قانونية خاصة بتشغيل السجناء داخل المؤسسات السجنية”.

وحسب إحصائيات المندوبية السامية للسجون يوجد 90 في المئة من السجناء الذين يقل مستواهم الدراسي عن الإعدادي، 40 في المئة منهم مدانون بعقوبات متوسطة وطويلة الأمد، وغالبيتهم كانوا إما مستخدمين أو يشتغلون في مهن حرة، وهذه المعطيات تأخذها المؤسسة بعين الاعتبار خلال التفكير في أي مبادرة لتشغيل السجناء، الذين تظهر الإحصائيات أن نسبة مهمة منهم في مرحلة الشباب أي في فترة تسمح لهم ببذل الجهد البدني والعقلي ومباشرة عدة أعمال.

ودخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان على خط تشغيل السجناء الشباب بشكل خاص في إطار البرنامج العام لتنفيذ العقوبة مع تمتيعهم بكل الحقوق المتعارف عليها في قطاع التشغيل، وكذا مستحقاتهم من أجر وتأمين، كضرورة للحفاظ على علاقة السجين بالعالم الخارجي، ومساعدته على أخذ المبادرات الإيجابية، بما في ذلك تطوير مؤهلاته عبر التكوين المهني ومزاولة مهنة.

واعتبر إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، السابق، أن للتشغيل أثرا حقيقيا في تقوية النزيل على المستويين النفسي والاجتماعي، لأنه يغرس فيه الشعور بالمسؤولية ومعنى الواجبات، وأهمية بذل الجهد وإعادة ربط العلاقات الاجتماعية، وإعادة اكتشاف مواطنته.

وعلى المستوى الحكومي لفت، لحسن الداودي، الوزير المنتدب المكلف بالشؤون العامة والحكامة، إلى أن إعادة الإدماج يجب أن تتم بجلب تخصصات جديدة ومستقبلية مطلوبة في سوق الشغل لفائدة النزلاء الشبان، لأنه إذا لم ينفعهم التكوين، يمكن أن يعودوا إلى الجرائم.

وأوضحت لطيفة الشيهابي، الكاتبة العامة بوزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، أن “الوزارة تقترح في سياق المذكرة الموقع عليها وضع برنامج تكوين خاص في مهن قطاع السيارات لفائدة السجناء، باعتباره أحد أبرز الصناعات المزدهرة في المغرب لإعطائهم فرصة لكسب مهارات تقنية في الميدان، كما ستعمل على مسايرة المستفيدين من هذا العرض، لولوج سوق الشغل”.

19