المغرب يحدث جائزتين جديدتين للكتاب الأمازيغي وكتاب الطفل

القرار يعيد الاعتبار للثقافة الأمازيغية العريقة التي أشاد بها هوميروس وهيرودوت، والجائزة تحرج المتعصبين للغة العربية في المغرب.
الاثنين 2018/02/26
محمد الأعرج يعلن عن الجائزة الجديدة

صادقت الحكومة المغربية على مشروع جديد يتعلق بإحداث جائزتين للكتاب الأمازيغي، وأخرى للكتاب الموجه إلى الطفل والشباب، ستضافان إلى الجوائز الست التي يجري الإعلان عنها كل سنة، يتوج بها كتاب ومبدعون مغاربة في مختلف مجالات البحث والترجمة والإبداع الأدبي. مشروع انتصر للتعدد اللغوي في المغرب، بقدر ما أحرج المتعصبين للعربية في بلاد لا تتوفر على هوية واحدة، بل تضم هويات متعددة متجاورة.   

خصص المغرب أخيرا جائزتين للبحث والإبداع باللغة الأمازيغية في جائزة المغرب للكتاب، بعد سبع سنوات من إقرار الأمازيغية واعتمادها لغة رسمية في دستور المملكة المغربية الأخير، إلى جانب اللغة العربية. كما يأتي هذا الاحتفاء بالكتاب الأمازيغي بعد إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، في مطلع الألفية الحالية، وهو المعهد الذي أصدر رفوفا من الدراسات النقدية والتاريخية والأنثروبولوجية بحرف “تيفيناغ” الأمازيغي، إلى جانب سرود وأعمال شعرية قدمت للإنسانية تراثا إبداعيا ظل نسيا منسيا هو الأدب الأمازيغي.

الربيع الأمازيغي

شهد المجلس الحكومي الأخير حدثا ثقافيا واستثنائيا في تاريخ المغرب الثقافي المعاصر، حين صادق وزراء المملكة المغربية على مرسوم جديد يقضي بتغيير وتتميم مرسوم إحداث جائزة المغرب للكتاب، تقدم به وزير الثقافة والاتصال محمد الأعرج.

وأما الجديد الذي جاء به المرسوم فتمثل في إضافة ثلاث جوائز إلى قائمة جوائز المغرب للكتاب، ويتعلق الأمر بجائزة تشجيعية مخصصة للإبداع الأدبي الأمازيغي، وجائزة تشجيعية للدراسات في مجال الثقافة الأمازيغية، فضلا عن جائزة ثالثة سوف تخصص للكتاب الموجه إلى الطفل والشباب.

المؤرخ الإغريقي هيرودوت تحدث عن براعة أبناء منطقة 'تامازغا'، من صحراء ليبيا إلى جبال المغرب، في الغناء والشعر

إذا كان الدستور المغربي الجديد قد جرى الإعلان عنه يوم 1 من يوليو 2011، غداة انطلاقة الربيع العربي، فيمكن القول إنه كان ربيعا أمازيغيا في المغرب، حين انتصرت الوثيقة الدستورية للثقافة الأمازيغية، باعتبارها مكونا أصيلا من مكونات الهوية المغربية. وهذا ما استحضره الناطق الرسمي باسم الحكومة وهو يعلن عن تعديل قانون الجائزة “ترسيخا لأحكام الدستور”، ومن أجل “إيلاء الغة الأمازيغية المكانة التي تستحقها في الحقل الثقافي الوطني”.

لكن الأخبار والأسرار التي وصلت إليها “العرب” تؤكد أن قرار إحداث جائزتين للكتاب الأمازيغي أمر خطط له وزير الثقافة والاتصال محمد الأعرج بمعية رئيس الحكومة سعدالدين العثماني، وهما ينتميان معا إلى الثقافة الأمازيغية، وينطقان بلسانها.

 وهو القرار الذي سيمثل مكسبا ثقافيا وسياسيا مشهودا للوزيرين معا، وهما يحتفيان بالأمازيغية، لسان المغاربة الأول، وقصيدتهم الأولى.

والحق أن اللغة الأمازيغية هي من اللغات الإنسانية الصافية الخالصة، التي ظلت مشدودة إلى الطبيعة، مقصية من دائرة “الثقافة”، فظل شعراؤها مطبوعين كما كان أسلافهم في الأزمنة والعصور الأدبية السحيقة.

 وكان الشاعر الإغريقي هوميروس قد نوه في “الأوديسا” بشعب الأمازيغ، وأشاد ببراعتهم في قول الشعر وإنشاده، وهو ما ذهب إليه مؤرخ الإغريق هيرودوت، وهو يتحدث عن براعة أبناء منطقة “تامازغا”، من صحراء ليبيا إلى جبال المغرب، في الغناء والنداء بالشعر.

الجائزة وفروعها

جرى الإعلان عن إحداث جائزتين للكتاب الأمازيغي يوم الخميس 22 فبراير الجاري، لكن لهذا القرار حكاية تعود إلى خميس آخر، صادف الثامن عشر من شهر مايو من السنة الماضية، في حفل تسليم جائزة المغرب للكتاب، في دورتها الأخيرة، حين صعد رئيس الحكومة المغربية سعدالدين العثماني إلى منصة الحفل، ليهنئ الفائزين بالجائزة في دورة 2017، ويطالب، بعدها، بإحداث جائزة للكتاب الأمازيغي. وكان العثماني قد دعا، يوم الإعلان عن جوائز الدورة السابقة، إلى ضرورة نشر الثقافة الأمازيغية، من خلال دعم وترويج الكتاب الأمازيغي، مشيرا إلى أنه يجد صعوبة في قراءة الأمازيغية المكتوبة بحرف “تيفيناغ”، رغم أنه أمازيغي ويعرف الأمازيغية.

جائزة الكتاب الأمازيغي الجديدة تنتصر للثقافة الأمازيغية العريقة والتي تعتبر مكونا أصيلا من مكونات الهوية المغربية
 

أما وزير الثقافة والاتصال فأكد في كلمته يومها أن جائزة المغرب للكتاب قد شهدت “على امتداد العقود الخمسة الماضية تطويرات أساسية، حرصت الوزارة من خلالها على الرفع من قيمتها المادية والاعتبارية، وعلى مسايرة التغيرات والإضافات المجددة التي عرفها الحقل الثقافي في بلادنا، مثلما حرصت الوزارة على التناغم مع المستجدات الدستورية التي كان أبرزها تلك التي جاء بها دستور 2011، على المستوى الثقافي كما على مستوى ترسيم اللغة الأمازيغية وإحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية”.

قانون الجائزة، كما تم تعديله سنة 2012، أي بعد الدستور الجديد، نص في مادته الأولى على أنه “تحدث جائزة تحت اسم ‘جائزة المغرب للكتاب’، وتمنح سنويا لمؤلف أو عدة مؤلفات في الإنتاج الأدبي والدراسات والترجمة الصادرة باللغة العربية أو بالأمازيغية أو بالتعبير الحساني أو بإحدى اللغات الأجنبية”.

ومدى السنوات الأخيرة، ظلت مديرية الكتاب في وزارة الثقافة والاتصال بالمغرب حريصة على حضور أعضاء في لجان الجائزة يتقنون اللغة الأمازيغية، حرصا على قراءة وتقييم الأعمال المكتوبة بها. لكن ما ورد في كلمة وزير الثقافة والاتصال حمل إشارة صريحة إلى ضرورة حضور الكتاب الأمازيغي في جائزة تحمل اسم المغرب، هي جائزة المغرب للكتاب.

هكذا، سوف تمنح جائزة المغرب للكتاب لتسعة فائزين خلال هذه السنة، وفي تسعة مجالات، في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وفي الدراسات الأدبية والفنية، وفي الشعر، وفي الترجمة، وفي السرديات والمحكيات، وفي مجال الإبداع الأدبي الأمازيغي، وفي مجال الدراسات وفي مجال الثقافة الأمازيغية، إلى جانب جائزة خاصة بالكتاب الموجه إلى الطفل والشباب.

وهنا، تكون وزارة الثقافة والاتصال قد تنبهت إلى أهمية كتاب آخر في صناعة مجتمع القراء، وهو كتاب الطفل، والحال أن المغرب قد شهد أولى النصوص الشعرية الموجهة إلى الطفل في العالم العربي، ممثلة في أشعار محمد غريط، منتصف القرن التاسع عشر، والتي سبقت نصوص أحمد شوقي وغيره في هذا المجال.

14