المغرب يحصي سكانه لتقييم المنجز والتخطيط للمستقبل

الثلاثاء 2014/09/02
الإحصاء يحظى بدعم ملكي بالغ بغية تقييم الإنجازات التي حققها المغرب في السنوات العشر الماضية

الرباط- عمليات الإحصاء العام التي تعتبر من بين أهم ركائز المخططات التنموية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تنزع نحوها أغلب الدول بغية التحقق من نجاعة المنجز والعمل على دعمه وتجاوز هناته، قصد إرساء مستقبل أفضل لشعوبها. وهي آلية ليست بغريبة عن المغرب الذي آثر على الدوام النهوض بمواطنيه والمضي قدما في نهج النماء الذي يسير عليه منذ زمن.

انطلقت رسميا، أمس الاثنين، الفاتح من سبتمبر، عملية الإحصاء العام للسكان والسكنى بالمغرب. ويعتبر هذا الإحصاء الثاني من نوعه في عهد الملك محمد السادس منذ توليه الحكم سنة 1999. وهو يتم كل عشر سنوات، وقد قُرّر إجراؤه هذه السنة 2014 تحت شعار “قيمة بلادنا سكانها”.

وكما جرت العادة، سيكون على المواطنين الإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي تتماشى وتوصيات لجنة الإحصاء التابعة للأمم المتحدة. وهي مقسمة إلى محاور تهم البنيات السكانية والهجرة، واللغات المحلية والتعليم والأمية، والنشاط الاقتصادي والخصوبة والزواج، إلى جانب محاور الصعوبة في ممارسة الحياة اليومية، وظروف سكن الأسرة.

وفي هذا السياق، كشف أحمد لحليمي، المندوب السامي لمندوبية التخطيط بالمغرب، في ندوة صحفية عقدت الأربعاء الماضي بخصوص الجديد في استمارة الإحصاء لهذه السنة، أنها “شهدت إدراج أسئلة جديدة يمكن من خلاها التوفر على معطيات حول جودة الموارد البشرية، عن طريق التكوين واكتساب الخبرات خلال الحياة المهنية، ومعطيات بيئية كمصدر الطاقة المستعملة للطبخ، وكذلك طريقة التخلص من النفايات المنزلية والمياه المستعملة، ومعطيات أخرى حول الرفاه وظروف معيشة السكان، كما تضمّن الاستبيان أيضا أسئلة حول نوعية مواد بناء المسكن، والمسافة الفاصلة بين هذا الأخير ومصدر التزود بالماء الصالح للشرب، وأسئلة أخرى تتعلّق بالتجهيزات المنزلية، مكان العمل أو الدراسة ووسائل النقل المستعملة لذلك. وأشار لحليمي إلى أنّ هذه الأسئلة تدخل كلّها في إطار أسئلة الإحصاء العام للسكان والسكنى”.


فئات الإحصاء


تشرع المندوبية السامية للتخطيط بإنجاز الإحصاء العام للسكان والسكنى إلى غاية 20 سبتمبر الجاري، ويشمل خلال فترته المرجعية، الأسر والأشخاص المتواجدين بشكل قانوني بالتراب المغربي إمّا كمقيمين أو عابرين فحسب، والأشخاص الذين ” تقلّ مدة إقامتهم الفعلية أو المتوقعة بالمغرب عن ستة أشهر”، حسب المندوب السامي للمندوبية السامية للتخطيط. ويتعلق هذا الأمر بالأشخاص الذين يوجدون في زيارات مؤقتة، والذين تم إحصاؤهم في الفنادق وما شابهها، والمغاربة المقيمين في الخارج إذا كانوا موجودين بالمغرب.

الإحصاء سيشمل كافة السكان بمن فيهم القاطنون بالأحياء "القصديرية" للوقوف على درجة هشاشة هذه الفئة.

أما بخصوص المغاربة المقيمين بالخارج، وليسوا موجودين بالمملكة، فعمليا لا يمكن إحصاؤهم، لكن المندوب السامي يؤكد على أن المغرب يتوفر “على تقديرات خاصة لعددهم، على أساس إحصاءات السكان التي أجريت بمختلف البلدان الّتي يتواجدون بها، وكذلك إحصائيات المصالح القنصلية”.

من جهة أخرى، يشار إلى أنّ هذا الإحصاء سيشمل كافة القاطنين بالمملكة بمن فيهم سكان الأحياء “القصديرية” ووضعيتهم الاجتماعية ومساكنهم والخدمات الأساسية الموفرة لهم، للوقوف على درجة هشاشة هذه الفئة.


الإعداد اللوجستي


في سياق آخر، ولأنّ إنجاز الإحصاء محكوم بفترة زمنية محدودة لا تتجاوز 20 يوما، ولإنجاح هذه المهمة، فقد استنفرت المندوبية السامية للإحصاء ما يزيد على 53 ألف باحث إحصائي و20 ألف مراقب ومشرف، ينتشرون على خريطة ترابية تقدر بـ 48 ألف و517 منطقة لإنجاز جميع العمليات المتعلقة بالإحصاء العام للسكان والسكنى لهذه السنة على كافة التراب الوطني بمعايير دولية.

وقد تمّ للغرض انتقاء 73 مشاركا في التأطير والإنجاز الميداني للإحصاء وتأطيرهم، لأجل استيعاب المفاهيم والمصطلحات المعتمدة في هذه العملية وطريقة إجراء الاستجواب وملء الاستمارات ومختلف وثائق الإحصاء، بالإضافة إلى الجوانب التنظيمية لإنجاح العملية على الميدان. و ينقسم المشاركون إلى 28 ٪ من النساء، و34 ٪ من حاملي الشهادات، و29 ٪ من فئة الطلبة، و22 ٪ من نساء التعليم ورجاله و43 ٪ ممّن يتكلمون، على الأقل، إحدى اللغات المحلية؛ الأمازيغية أو الحسانية.

امباركة بوعيدة: "الهدف من الإحصاء لهذه السنة هو تقييم إنجازات بلدنا".

وقد تمت تعبئة الوسائل البشرية والمادية اللازمة بإشراف فرق تقنية تضم ممثلين عن كلّ من المندوبية السامية للتخطيط ووزارة الداخلية على مستوى الأقاليم، تتوزع بالشكل التالي؛ 1298 مشرفا جماعيا، وحوالي 18 ألف و500 مراقب و53 ألف و600 باحث و15 ألف عون سلطة لمواكبة الباحثين خلال إنجاز الإحصاء على الميدان، و3500 قاعة للتكوين وأماكن الإيواء، و2000 محل لتخزين الوثائق، إلى جانب توفير حوالي 8200 سيارة وسائق.

وقد خصصت الدولة ميزانية بحوالي 900 مليون درهم لهذه العملية. وتعبّر هذه الميزانية التي تعدّ ضخمة على الأهمية القصوى التي تعيرها المملكة لعملية الإحصاء العام للسكان والسكنى. وتتوزع الميزانية على تعويضات المشاركين في الإحصاء البالغة حوالي 626 مليون درهم، وكراء السيارات بما يقارب 138 مليون درهم، بالإضافة إلى مصاريف الوقود واقتناء المعدات والأدوات اللازمة لإنجاز العملية الإحصائية بحوالي 133 مليون درهم.


نتائج الإحصاء وأهدافه


سيتم نشر نتائج الإحصاء المتعلقة بعدد السكان في نهاية هذه السنة، أمّا “المعطيات المتعلقة بالخصائص الديمغرافية والسوسيو-اقتصادية، فستنشر خلال سنة 2015، إضافة إلى نشر تقارير على المستوى الوطني والجهوي والإقليمي، وكذلك خرائط للفقر والحالة الغذائية للسكان”، حسب ما صرح به المندوب السامي لمندوبية التخطيط.

أمّا في ما يتعلق بالأهداف، فمن المتعارف عليه أنّ العملية الإحصائية تُجرى بغاية الحصول على قاعدة معلوماتية قريبة من الواقع بنسبة كبيرة ديمغرافيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، وذلك لمعرفة ما تم إنجازه وكيفية تدارك السياسات العمومية اجتماعيا واقتصاديا بما يخدم الأهداف المسطّرة.

وقد حدد العاهل المغربي الملك محمد السادس في رسالة وجّهها إلى رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران، حول إحصاء سنة 2014، مجموعة من الأهداف تتعلق بتقييم ما تم إنجازه على مستوى الألفية للتنمية البشرية في أفق 2015، بالتوازي مع ما “تعرفه الساحة الوطنية من إشراف مبادرتنا الوطنية للتنمية البشرية، على اكتمال عشر سنوات من إطلاقها، علاوة على مواصلة بلادنا للإصلاحات البنيوية، الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والبيئية، في خضم تفعيل مقتضيات الدستور الجديد”.

من جهة أخرى، فإنّ استمارة الإحصاء التي تتضمن مئة سؤال، تشمل مختلف مواضيع ومناحي حياة المواطنين المغاربة. أمّا الجديد في إحصاء 2014، فهو الاستعانة بتكنولوجيات حديثة كصور الأقمار الصناعية والتطبيقات المعلوماتية والرسائل النصية، بالإضافة إلى موقع خاص بالإحصاء، على الشبكة العنكبوتية. وذلك لتسهيل المهمة الإحصائية الّتي تدوم 20 يوما. وذلك حتى يتسنى للسلطات المغربية تخطيط السياسات العامة اعتمادا على معطيات محينة وواقعية.

900 مليون درهم قيمة الميزانية المرصودة لإتمام عملية الإحصاء

وقالت الوزيرة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون، امباركة بوعيدة، على هامش اللقاء الذي جمعها إلى جانب لحليمي، مع ممثلي السلك الدبلوماسي المعتمد بالمغرب، “إنّ الهدف من الإحصاء لهذه السنة هو تقييم إنجازات بلدنا، من خلال وضع وسائل جديدة لبلورة دراسات مستقبلية أكثر مهنية”.


سرية المعلومات


من جهة أخرى، فقد اعتبرت المندوبية أنّ هذه العملية واجب وطني له أبعاد قانونية وأخرى أخلاقية، ونظرا لأهميتها فمن الضروري أن يتم التفاعل بإيجابيّة مع الباحث الإحصائي، وأن تكون الإجابة واقعية وخالية من المبالغة، وكذلك تجنّب عدم الإدلاء بالمعلومات. وبخصوص الباحث الذي يجد صعوبة في التواصل مع الأسر لسبب ما، قال أحمد لحليمي إنّه “يتعين عليه ترك رسالة لتحديد موعد، وإن لم يجد ردّا فليتوجه إلى الجيران، أو حارس العمارة أو السلطات المحلية القريبة من المكان”.

أمّا في ما يتعلّق بإلزامية الإجابة على الأسئلة الإحصائية، فقد قال المندوب السامي إنّ “القانون يلزم كل مواطن بالإجابة عن أسئلة الإحصاء، وإلاّ فإنه قد يكون موضوع متابعات ذات طابع جنائي”، مؤكدا على سرية المعلومات المتعلقة بالأفراد والأسر، حيث قال إنّه “لا يحق لأية سلطة إدارية أو مالية أو قضائية ولا يمكنها أن تلج إلى المعلومات المستقاة من الأسر”، مبرزا أنّ أسماء المواطنين سيتمّ إخفاؤها من الاستمارات .

7