المغرب يستجمع تاريخه في سوق الدار البيضاء المركزي

الاثنين 2015/02/16
عصور مختلفة تحط في محل لبيع التاريخ

الدار البيضاء (المغرب) - قبل الدخول لـ"السوق المركزي" أو "مارشي سنترال" كما يحلو لأهل المغرب تسميته، يحسب الزائر نفسه من جهة أنه أمام حديقة غنّاء ممتلئة بالزهور على اختلاف أنواعها وألوانها، فمن بوابته الرئيسية يفوح عبيرها، ومن جهة أخرى أنه يعيش الزمن القديم من خلال مقتنيات وتحف خاصة بهذا العصر.

يقع هذا السوق في منطقة استراتيجية وسط مدينة الدار البيضاء شمالي المغرب، وله أربع بوابات كبيرة تزينها الزهور من مختلف الألوان الرئيسية.

ويمكن لزائر هذا السوق أن يمضي ساعات ما بين التردد على المطاعم التي تقدم أطباق السمك المشوي، والتبضع من محلات البقالة والعطور والتوابل، والتجول في معارض الفن التشكيلي ومحال بيع الطيور المغردة والتحف القديمة ومنتجات الصناعة التقليدية.

ويعود تأسيس السوق إلى عشرينيات القرن الماضي، ورغم انتشار المحلات التجارية الحديثة بكل شوارع وأزقة المدينة، إلا أنه ما زال يحظى بزبائن كثر، منهم المغاربة والسياح الأجانب.

ومدينة الدار البيضاء أسسها أمازيغ مملكة بورغواطة، وكانت تعرف انذاك بـ(أنفا).

وحسب المؤرخ الأمازيغي الزياني المولود سنة 1734م "المدينة أسسها الأمازيغ حينما انتقل الزيانيون إلى تامسنا وتادلة قاموا بتأسيس انفا في تامسنا ومدينة داي في تادلة.

وقد تعرضت المدينة القديمة للدار البيضاء الى التدمير كليا بسبب زلزال لشبونة سنة 1755م، وأعاد بناءها السلطان سيدي محمد بن عبدالله ودعم أسوارها سنة 1770م. و تتميز المدينة القديمة بسورها الذي تتجمع بداخله العديد من المنازل المبنية من الفخار الأبيض أو الحجر، و طرقها الضيقة الملتوية التي تشبه المتاهة.

وفي إحدى زوايا السوق المركزية، اختار عبداللطيف بلامين (63 عاماً) أن يعرض بضاعة تختلف عن باقي ما تعرضه المحلات الأخرى.

مبيعات الملابس التقليدية والعصرية والصناعات المحلية النفيس منها والرخيص تشهد رواجا في السوق

وبعد أشهر من تقاعده من الوظيفة العمومية، اختار بلامين ألا يكتفي بقضاء كل وقته في المنزل، فجاءته فكرة مشروع يدر عليه دخلاً يعيل به أسرته، وذلك من خلال بيع كل ما هو قديم ويتعلق بتاريخ المغرب، من حلي وديكورات ولوحات فنية وصحف قديمة، وعملات تعود لزمن مضى، وكتب نادرة حول تاريخ الشعوب.

وقبل ست سنوات، تنقل بلامين عبر الأسواق الأسبوعية في مدن المغرب من شرقه إلى غربه، وأخذ بشراء كل ما يمكن أن يعاد بيعه ويحمل قيمة تاريخية وتراثية، إلى أن استقر به المقام في السوق المركزي.

وبعد أن ذاع صيت بلامين باهتمامه بجمع التراث، بدأ الناس يقصدون محله بالسوق المركزي باستمرار، وأصبحت البضاعة تأتي إليه بعدما كان يبحث عنها بتعب، بحسب روايته لوكالة "الاناضول".

ويقول بلامين إن "المغاربة يشكلون النسبة الكبيرة من زبائنه، وهم من الأساتذة الباحثين والمهتمين بجمع كل ما هو تراثي وذات قيمة تاريخية، يستخدمونه للزينة في المنازل، أو إعادة بيعه في معارض دولية".

وفي مكان ظاهر أمام المارة، حرص بلامين على وضع صورة من خطاب الملك محمد الخامس، عاهل المغرب إبان فترة الاستعمار الفرنسي للبلاد.

والصورة عبارة عن نسخة من نص الخطاب، عُلقت في إطار خشبي من النوع الرفيع، وهو أول وأقصر خطاب للملك بعد عودته من المنفى في مدغشقر، في 16نوفمبر عام 1955، قبل أن يستقل المغرب عن فرنسا عام 1956.

ويبدو اهتمام بلامين بأولى الصحف التي عرفها المغرب في تاريخه جلياً من خلال حرصه على جمع أكبر عدد منها، فهو يقتني أعداداً من صحيفة "لا فيجي ماروكان" بالفرنسية، تعود إلى عام 1911، ويظهر فيها أبرز خبر يعلن عن افتتاح بنك فرنسي لفرعه الأول في المغرب.

بلامين حرص على تعليق أول وأقصر خطاب للملك محمد الخامس بعد عودته من المنفى في مدغشقر عام 1955

وإضافة إلى الصحف الصادرة آنذاك بالفرنسية، منها "لا دبيش"، و"كوريي دو ماروك"، يضم محل بلامين صحفاً كانت تصدر في المغرب بالعربية أهمها "منار المغرب"، و"المغرب العربي"، و"الميثاق الوطني".

أما على باب المحل، فحرص أن يضع الصفحة الأولى لعدد من صحيفة "فرانس سوار" تعلن فوز العدّاء المغربي سعيد عويطة بالميدالية الذهبية في سباق خمسة آلاف متر، في 13 أغسطس عام 1984، والثانية لصحيفة "لا فيجي ماروكان" تعلن وفاة الرئيس الفرنسي شارل دي غول يوم العاشر من نوفمبر من عام 1970.

ويكشف بلامين أن المغاربة يقصدونه من أجل شراء الديكورات القديمة لكن لا يخفي أن عدد الزبائن بشكل عام انخفض في الأعوام الماضية، قائلاً "في السابق، كنت أربح ما مجموعه ثلاثة آلاف درهم (350 دولارا أميركيا) يومياً، لكن في الوقت الراهن لا يتعدى المدخول اليومي ستمائة درهم (80 دولارا أمريكيا)".

والدار البيضاء هي العاصمة الاقتصادية للمغرب وثالث أكبر مدينة إفريقية كثافة سكانية، حيث يبلغ عدد سكانها 5 ملايين، وكانت مركزاً أساسياً لاستقرار الفرنسيين بالمغرب، إبان استعمارهم للبلد الذي دام من 1912 إلى 1956.

والمدينة هي القطب الصناعي للمغرب تتركز بها 55 بالمئة من الوحدات الإنتاجية و60 بالمئة من اليد العاملة في الصناعة. وتشغل المدينة 39 بالمئة من السكان.

وتشهد مبيعات الملابس التقليدية والعصرية والصناعات المحلية النفيس منها والرخيص رواجا في السوق. المتاجر مفتوحة طيلة اليوم والساحة تعج بالمارة بين من يبحث عن شيء يشتريه وآخر استهواه المكان فجاء لاستكشافه وثالث جادت به دروب المدينة القديمة بعد أن تاه فيها.

12