المغرب يسعى جاهدا للحد من زواج القاصرات

أسر ترى في زواج القاصرات هروبا من الفقر، وقاصرات يعدن للدراسة بعد إثبات زواجهن والحصول على الطلاق.
السبت 2018/04/28
صغيرات على تحمل المسؤولية

الرباط - تواجه السلطات في المغرب صعوبات كثيرة لمنع زواج القاصرات في ظل التفاف العائلات على الضوابط القانونية لمجاراة العادات الاجتماعية -خاصة في المناطق الريفية- والتغلب على الفقر.

كانت الفتاة المغربية مريم في سن السادسة عشرة عندما أجبرتها أسرتها على الاقتران برجل يكبرها بعشرين عاما في زيجة لم تدم سوى ثلاثة أشهر وأسفرت عن رضيع في شهوره الأولى.

وحالة مريم هي واحدة من بين 16 بالمئة من الزيجات التي تندرج تحت مسمى زواج القاصرات في المغرب وهي نسبة أكبر بكثير من مثيلاتها في تونس والجزائر التي يقول نشطاء إنها تقل فيهما عن ثلاثة بالمئة.

رفعت الحكومة المغربية في 2004 سن الزواج من 16 إلى 18 عاما على أمل مكافحة زواج القاصرات، لكن بيانات وزارة العدل أظهرت أن الأرقام استمرت في الزيادة لتصل إلى 27.205 حالات في 2016 بزيادة تقارب 50  بالمئة عما كانت عليه قبل رفع السن. بل إن النشطاء يقولون إن النسبة أعلى.

وقالت مريم التي تعيش في بلدة خارج العاصمة الرباط “كنت أعتبر الزواج حفلة بهيجة يجتمع فيها الأهل والأحباب، وألبس خلالها أجمل الحلل وأبدو في غاية الجمال، لم أكن أدري أن للزواج كل هذه التبعات والمشاكل بعد انقضاء الحفل وانصراف الجميع”.

وبينت أمها فاطمة التي تزوجت هي نفسها في سن الرابعة عشرة أنها لم تر غضاضة في زواج ابنتها في هذه السن لأن الزواج المبكر في مصلحة الفتاة.

وأضافت أن الزوج وعد بالاعتناء بابنتها لحين بلوغها السن القانونية على أن يتم حينها تحرير عقد زواج رسمي، لكنه تخلى عن زوجته وطفله “لأتفه الأسباب”، لأن مريم رفضت العيش في بيت يتقاسمه مع والدته وأسرته التي عاملتها كخادمة.

ورفضت مريم تحديد هويتها بالكامل ولم يتسن الاتصال بالزوج طلبا للتعليق.

الحكومة المغربية رفعت في 2004 سن الزواج من 16 إلى 18 عاما على أمل مكافحة زواج القاصرات، لكن الأرقام استمرت في الزيادة

ويطالب نشطاء حقوقيون بإلغاء بنود من قانون الأسرة تترك للقاضي بعض الاستثناءات في ما يتعلق بتزويج القاصرات كأن يكون سن القاصر تقارب سن زوجها وتجمعهما علاقة حب وألا يقل عمرها عن 16 عاما مع وجود مؤهلات جسدية وصحية تتمثل في تحمل الزواج والإنجاب.

وفي حالة مريم رفض القاضي إتمام الزواج لأن الزوج كان أكبر منها بعشرين عاما ولم تقابله من قبل قط، لكن عائلتها مضت قدما في الأمر.

وبعد الجدل الذي أثاره ارتفاع نسبة زواج القاصرات دعت النيابة العامة في المغرب في السادس من أبريل الجاري جميع المحاكم إلى “عدم التردد في معارضة طلبات الزواج التي لا تراعي مصلحة القاصر”.

لكن حقوقيين يرون هذه الإجراءات غير كافية في ظل إجبار العائلات لبناتها على الزواج بسبب الفقر.

وقالت الناشطة الحقوقية والمحامية عائشة الحيان “بعد 14 سنة من التطبيق أصبح مطلب التعديل الشامل للمدونة مطلبا ملحا واستعجاليا لضمان الانسجام بينها وبين مستجدات الدستور وضمان المساواة الفعلية بين كل أفراد الأسرة”.

وعلى عكس حالة مريم فإن خديجة (17 عاما) ابنة بلدة صفرو الجبلية تعتبر نفسها محظوظة لأنها بعد نحو عامين من سيل من المحاكمات كان يتغيب فيها الزوج عن حضور الجلسات توصلت إلى إثبات زواجها وحصولها على وثيقة الطلاق من رجل اقترنت به قبل بلوغ السن القانونية.

وفي تحد نادر لمجتمع محافظ تمكنت خديجة من مواصلة تعليمها بعد تعاطف معلماتها معها وقبول مدير المدرسة الثانوية رجوعها لمقاعد الدراسة وسط احترام زملائها.

وقالت “كانت الأمور في البداية صعبة جدا، ظننت أن مستقبلي قضي عليه وفي أحسن الظروف سأنتظر زوجا آخر وقد أنسى بعد سنوات ما قاسيته من عنف واضطهاد. لكنني لا أريد أبدا أن أربط مستقبلي مرة أخرى بالزواج”.

الفقر سبب رئيسي لتفشي زواج القاصرات
الفقر سبب رئيسي لتفشي زواج القاصرات

وأفادت دراسة مغربية حديثة بأن أكثر من 30 ألف طفلة قاصرة تتزوج سنويا في البلاد. أجرى الدراسة باحثون في جمعية حقوق وعدالة (مستقلة)، بمدينة الدار البيضاء (غرب البلاد)، وكشفوا عنها مؤخرا في ندوة حول ظاهرة تزويج القاصرات في المغرب.

ولفتت الدراسة إلى أن عدد “عقود زواج القاصرات انتقل من نحو 30 ألفا في 2007، إلى 33 ألفا في 2009، و35 ألفا في 2013” وأضافت أن “ظاهرة تزويج الفتيات القاصرات توجد بالمدن والأرياف ولها علاقة بالبطالة والفقر”.

وقال رئيس الجمعية مراد فوزي، الذي قدم الدراسة، إن من “الأسباب الأساسية لتفشي الظاهرة في المغرب انعدام نص قانوني صريح يمنع تزويج القاصرات”. وأضاف فوزي أن “هذه الظاهرة منتشرة أكثر في صفوف الفتيات غير المتعلمات”. ودعا الحكومة إلى ضرورة منع تزويج القاصرات.

وأشارت الدراسة إلى أن “القاصرات المتزوجات قبل السن القانونية أكثر تعرضا للعنف والطلاق”.

وفي أكتوبر الماضي قالت المندوبية السامية للتخطيط في المغرب (حكومية)، إن “29.2 بالمئة من الفتيات المغربيات متزوجات”. وأضافت المندوبية في بحث لها أن عدد القاصرين الذين تزوجوا قبل سن الـ18 انخفض بنسبة 12.8 بالمئة خلال العقد الماضي.

ويناضل المدافعون عن حقوق المرأة في المغرب على جبهات عدة بما يشمل التصدي لتزويج القاصرات والعمل من أجل المساواة في الإرث أو حقوق النساء العازبات، غير أن الطريق لا يزال طويلا.

وأعطى قانونُ تنظيمِ أحوال الأسرةِ -أو ما يعرف بمدونة الأسرة المغربية الذي أقر في 2004- النساءَ المزيد من الحقوق، إذ وضع الأسرة “تحت رعاية ومسؤولية الزوجين” كما رفع الحد الأدنى القانوني لسن زواج الفتيات من 15 إلى 18 عاما.

وأشادت آمال الأمين منسقة مشروع ضد تزويج القاصرات في جمعية “حقوق وعدالة” المغربية بما تعتبره “نقاطا إيجابية” في هذا النص، غير أنها تنتقد وجود “ثغرات ونواقص”؛ فعلى سبيل المثال يتيح بند في هذا القانون طلب استثناءات. وتقول الأمين “الاستثناءات باتت القاعدة بسبب العقليات الذكورية لدى القضاة”. وبعدما كان عدد زيجات القاصرات 18 ألفا سنويا قبل إقرار قانون “مدونة الأسرة المغربية”، ازداد إلى 35 ألفا في 2015 بحسب أرقام رسمية.

ومؤخرا طالبت رئاسة النيابة العامة المحامين العامين لدى محكمة النقض والوكلاء العامين للملك وقضاة النيابة العامة في جميع محاكم المملكة، بتفعيل دورهم والصلاحيات المخولة لهم قانونا وذلك في ما يتعلق بالطلبات الرامية إلى زواج القاصرين، عبر تقديم الملتمسات والمستنتجات الضرورية للحفاظ على حقوق الطفل ومصالحه الفضلى.

21