المغرب يعاود التمركز في قلب أفريقيا

باستعادته لمقعده بالاتحاد الأفريقي ينهي المغرب سياسة الكرسي الفارغ المتبعة منذ عقود ليعزز حضوره الإقليمي وثقله الاستراتيجي. وهذه العودة ثمرة سياسة استباقية متواصلة للعاهل المغربي الملك محمد السادس جسدتها رؤيته الإستراتيجية من أجل تطوير تعاون جنوب-جنوب وشراكة على أساس رابح-رابح والتي نتج عنها نجاح المغرب في استعادة مقعده داخل الاتحاد الأفريقي بعد غياب دام أكثر من ثلاثين عاما، وقطع الطريق ضد مناورات خصوم الرباط بزعامة كل من الجزائر وجنوب أفريقيا.
الأربعاء 2017/02/01
صوت مسموع في كامل أفريقيا

الرباط – قبل 33 عاما، انسحب المغرب من منظمة الوحدة الأفريقية، رغم أنه كان طرفا رئيسيا في تأسيسها، وذلك ردا على خرق أحد أهم بنود ميثاق التأسيس، الذي ينص على عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية واحترام سيادة الدول الأعضاء في المنظمة وحرمة حدودها، وذلك بقبول المنظمة بعضوية جبهة البوليساريو، رغم أنها لا تمتلك مقومات الدول وغير معترف بها.

منذ ذلك التاريخ تغيرت معطيات كثيرة، منها منظمة الوحدة الأفريقية نفسها التي فشلت في أن تكون منظمة قارية قائمة على نبذ الخلافات الأفريقية وإنهاء التكتلات وكل ما من شأنه أن يعيق تطور القارة؛ وحل محلها الاتحاد الأفريقي.

لكن لم يصاحب ميلاد الاتحاد الأفريقي عودة المغرب ليملأ مقعده الشاغر، حيث لم تتغير كثيرا التفاصيل والعقبات التي كانت تمنع عودته، لكن ذلك لم يمنع الرباط من الاضطلاع بدورها تجاه قارتها، بل انخرطت بشكل أكبر من دول كثيرة تمسك بزمام المنطقة، في خلق أسس تعاون جنوب جنوب وفتح روافد استثمارية للنهوض بالقارة الأفريقية.

وعلى مدار السنوات الماضية، أثبت العاهل المغربي الملك محمد السادس بشكل ملموس صحة وعوده بجعل التعاون جنوب جنوب ركيزة من ركائز سياسة المغرب الخارجية، وخيارا استراتيجيا لا محيد عنه.

وفي مناسبات كثيرة، أكّدت الرباط انفتاحها على جذورها الأفريقية واستعدادها للمساهمة في إعادة البناء والاستقرار الاقتصادي والنهوض الاجتماعي في القارة.

وبعد ثلاثة عقود من العمل من خارج الاتحاد الأفريقي، تغيرت الظروف وبات التزام المغرب تجاه قضيته الرئيسية، وهي قضية الصحراء، وتجاه حلفائه الأفارقة يحتم عليه العودة لملء مقعده الشاغر في الاتحاد الأفريقي، وهي عودة باركتها أغلبية الدول الأعضاء في الاتحاد وأيدتها بكل قوة، خلال الدورة الثامنة والعشرين للمنظمة الأفريقية التي انعقدت بأديس أبابا.

نجاح الدبلوماسية المغربية

في 30 يناير 2017، كان المغرب في خضم معركة دبلوماسية وسياسية وقانونية داخل أروقة الاتحاد الأفريقي توجت بالعودة.

وأوضح رضا الفلاح، الأستاذ في العلاقات الدولية بجامعة أكادير، في حديثه لـ”العرب” أن عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي تحمل عدة دلالات منها أنها تأتي كتتويج لمسار طويل من تعميق العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى الروحية مع بلدان القارة.

وأضاف أن عودة المغرب إلى مكانه الطبيعي داخل المنظمة القارية تشكل خطوة ضرورية في ظل المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية التي تعرفها أفريقيا، حيث أصبح من الواضح أن النموذج المغربي للتنمية المشتركة والتعاون جنوب-جنوب بات يشكل خيارا استراتيجيا ليس فقط للمغرب ولكن أيضا لمستقبل أفريقيا كقارة عانت لعقود من الإمبريالية الجديدة.

واعتبر الباحث المغربي أن هذه العودة ستعمل على تكريس رؤية استراتيجية للتعاون الأفريقي والانخراط في إصلاح مؤسساتي للاتحاد بهدف تخليصه من الجمود والمقاربات الأيديولوجية الصرفة التي تساهم بعض الدول في الإبقاء عليها لخدمة أجندتها الضيقة.

وفي الوقت الراهن، تنفتح أغلبية الدول الأفريقية على رهانات مصيرية تتعلق بإنجاح التجربة الديمقراطية وبمواجهة تحديات التنمية المستدامة والأمن الإنساني ومحاربة الإرهاب والتخلص من التبعية وبناء أسس الاندماج الأفريقي.

وأثنى سعيد الصديقي، أستاذ العلاقات الدولية، في تصريحاته لـ”العرب”، على الجهود الدبلوماسية المغربية ونجاحها، معتبرا أن انضمام المغرب إلى الاتحاد الأفريقي تتويج لعمل حثيث للدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة.

تحديات المرحلة الجديدة

أجمع العديد من الخبراء في العلاقات الدولية على أن استعادة المغرب لمقعده بالاتحاد الأفريقي يفتح بابا مؤسساتيا لتطويق كل محاولات عزل المغرب عن عمقه الأفريقي وسيعمل إلى جانب أصدقائه على حماية مكتسباته واستكمال مشاريعه المتعددة داخل القارة كما ستمكنه العودة من الدفاع عن سيادة أراضيه.

ويرى سعيد الصديقي أن المغرب سيسعى عبر جهود دبلوماسية لطرد ما يسمى “الجمهورية الصحراوية” من المنظمة، غير أن هذه المعركة ستحتاج إلى جهد كبير لا سيما مع غموض الإجراءات القانونية بخصوص طرد عضو في الاتحاد.

وأوضح أن الانضمام سيسمح للمغرب بتعزيز موقعه في القارة، بإحياء علاقاته مع أصدقائه التقليديين، وأيضا محاولات تحسين وتطوير علاقاته السياسية مع الدول الأفريقية التي لا تزال تعترف ببوليساريو.

وفسر الشرقاوي الروداني، الخبير المغربي في الشؤون الأمنية والإستراتيجية، في حديثه لـ “العرب”، التحديات التي ستواجه المغرب عقب عودته إلى الاتحاد الأفريقي.

واثق الخطوة

وأشار إلى أنها تتمثل في سبل الدفع بالإصلاحات المقترحة من لجنة الرئيس الرواندي بول كغامي والمتعلقة بإعادة النظر في الأجهزة المكونة للاتحاد الأفريقي والبدء في التحضير لمعركة توحيد أفريقيا بخلق نواة حقيقية لجمع الشتات الذي تسببت فيه سياسة التفرقة وإذكاء النزاعات الإقليمية.

ونفى سعيد الصديقي ما تم ترويجه داخل الاتحاد بأن مجرد انضمام المغرب إلى الاتحاد الأفريقي يعد اعترافا ضمنيا ما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، موضحا أن “مجرد الانضمام أو التصديق على النظام التأسيسي للاتحاد الأفريقي لا يرقى إلى مستوى الاعتراف الضمني وأن الاعتراف الضمني يتطلب الدخول في ترتيبات مع الكيان المعني وهذا ينفيه المغرب ولا يعترف به”.

بعد مرور ساعات على استعادة المغرب لكرسيه بمؤسسات الاتحاد الأفريقي تتالت ردود الأفعال المنوهة بالمجهود الدبلوماسي الذي قاده العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكان من أبرز المهنئين الولايات المتحدة الأميركية التي عبرت عبر سفارتها بالرباط في بيان عن أنه بفضل القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، وجهود الحكومة، يسترجع المغرب مكانه الصحيح داخل الأسرة المؤسسية للقارة الأفريقية، مضيفا أن عضوية المغرب في الاتحاد الأفريقي ستساهم مساهمة إيجابية في تعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للقارة واستقراره وأمنه. واعتبر الشرقاوي الروداني أنه بقراءة لمواقف الدول المساندة نلاحظ حجم النجاح الاستراتيجي والإقليمي للمغرب ودوره الرائد في القارة.

بعد عودته إلى الاتحاد الأفريقي ينتقل المغرب إلى مستوى المواجهة الإقليمية المباشرة مع خصومه داخل القارة واللوبيات المتعددة التي عارضت عودته إلى الاتحاد ومن هنا تبدأ مرحلة أخرى من المعارك والتحديات.

وفي ما يخص ملف الصحراء المغربية فإن تواجد المغرب مع الدعم الكبير الذي أصبح يحظى به سيسمح وفق الشرقاوي الروداني بالعمل على مراجعة بعض المواد والبنود التي تضر بمصالح المغرب وأفريقيا.

وأكد رضا الفلاح أن المغرب سيعمل مع حلفاؤه الأفارقة عل الكشف عن الخطورة التي يمثلها إقحام كيان غير معترف به من قبل الأمم المتحدة ومعظم دول العالم بالنسبة إلى مستقبل الاتحاد وعلى السيادة والسلامة الترابية لبلدان القارة.

وفي نفس الوقت، سيكون من السهل فضح تناقضات الأنظمة التي ما زالت تدعم البوليساريو في حين أنها لا تتوانى في قمع حركات سلمية داخلية.

وسيقوم المغرب بتفنيد أسطورة تمثيلية البوليساريو للسكان الصحراويين والدفع بكل القارة الأفريقية نحو تفعيل حقيقي لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها عن طريق تعزيز الحقوق والحريات الفردية والجماعية.

كاتب مغربي

6