المغرب يعرض فيلم "فتوى" المندّد بتنامي التطرف في تونس

الفيلم التونسي يعرّي المسكوت عنه حول دهاليز عالم الجماعات المتطرّفة التي تتّخذ من الدين مطيّة لتحقيق أهدافها الخفية.
الاثنين 2021/02/22
حادث سير عادي يكشف عن ملابسات جريمة إرهابية غامضة

الرباط – أعلنت جمعية اللقاءات المتوسطية للسينما وحقوق الإنسان أن “مخاطر استقطاب الشباب نحو التطرف” ستشكل موضوع اللقاء السينمائي لشهر فبراير الجاري، وذلك من خلال عرض ومناقشة فيلم “فتوى” للمخرج التونسي محمود بن محمود ما بين 25 فبراير الجاري إلى غاية الرابع من مارس القادم.

وذكرت الجمعية في بلاغ لها أنها ستعرض الفيلم التونسي في إطار ديناميكية لقاء “خميس السينما وحقوق الإنسان” على منصتها الرقمية، كما ستنظم في السادس والعشرين من فبراير نقاشا حول مضامين الفيلم مباشرة عبر الإنترنت.

ويظل الفيلم متاحا على المنصة الرقمية للجمعية لمدة أسبوع، ويأتي العرض والنقاش الذي سيعقبه في إطار مشروع “السينما أرضية للنهوض بحقوق الإنسان والمواطنة” المموّل بشكل مشترك من الاتحاد الأوروبي وسفارة هولندا بالمغرب.

الدين مجرد مطية للجماعات المتطرفة
الدين مجرد وسيلة للجماعات المتطرفة

وحصد فيلم “فتوى” العديد من الجوائز في مختلف المهرجانات والتظاهرات السينمائية العربية لعلّ أهمّها حصوله على جائزة التانيت الذهبي في الدورة التاسعة والعشرين من أيام قرطاج السينمائية وجائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان القاهرة السينمائي في العام 2018، كما فاز بالجائزة الكبرى للمهرجان المغاربي للفيلم بمدينة وجدة المغربية في العام 2019.

والفيلم إنتاج تونسي – بلجيكي مشترك من بطولة أحمد الحفيان وغالية بن علي وسارة الحناشي وبمشاركة رمزي عزيز ومحمد ساسي غربال وجمال المداني.

وتدور أحداث الفيلم في العام 2013 حول إبراهيم ناظور (أحمد الحفيان) الأب المقيم في فرنسا والذي يجد نفسه مضطّرا إلى العودة إلى تونس ليحضر جنازة ابنه الذي قضى في حادث دراجة نارية مروّع.

ورغم أنّ التحقيقات البوليسية أثبتت أن الحادث كان نتيجة الإفراط في السرعة إلّا أنّ تصادم العائلة مع أصدقاء ابنهم المتوفّي ورفضهم القاطع لحضور أمه في الجنازة، باعتبارها عوراء، أثار شكوك الأب الذي قرّر أن يحقّق بنفسه في حادث وفاة ابنه المستراب.

ومع تتالي الأحداث يكتشف الأب أن ابنه مات مقتولا بعد أن خرج عن طوع الجماعة المتطرّفة التي انخرط فيها ثمّ أمرت في ما بعد باغتياله، لتصل الأحداث إلى ذروتها وتنتهي بمقتل الأب على يد نفس الجماعة بعد أن كشف مخطّطاتها.

واستطاع المخرج محمود بن محمود من خلاله فيلمه الروائي الطويل (102 دقيقة) تعرية المسكوت عنه حول خبايا ودهاليز عالم الجماعات الإسلامية المتطرّفة التي تتّخذ من الدين مطيّة لتحقيق أهدافها غير المعلنة.

وحاول بن محمود أن يقدّم في فيلمه طرحا متجدّدا لمسألة التطرف والإرهاب من خلال رؤية سينمائية تدين الدغمائية والجمود الفكري والعقدي وتنبذ التعصّب والعنف المادي وتدعو إلى التسامح والجدل الفكري.

ونجح مخرج العمل بشكل جمالي في منح المكان وظيفة تصويرية وتعبيرية من خلال التلاعب بحركة وزوايا الكاميرا وتغيير نوعية الإضاءة، بالإضافة إلى تباين أﺣﺠﺎم اﻟﻠﻘﻄﺎت البصرية في حركة من المدّ والجزر بين عالمين متنافرين لإيصال التناقض الحاد بين الرجعية والجمود الفكري من ناحية، والتحرّر الفكري وحرية الاختلاف من ناحية أخرى.

ومن هناك ينحسر المكان ويضيق مع حضور المتشدّدين والتكفيريين في شقة الإرهابي ومحل الإنترنت والأزقة الضيقة لمدينة تونس العتيقة. كما تخفت الإضاءة وتغيب الموسيقى التصويرية عن تلك المشاهد في إحالة إلى فكر متحجّر يرفض كل أشكال الفنون ويجرّمها، بينما يتّسع المكان وتحضر الإضاءة بقوة في المشاهد الداخلية وتحظر الموسيقى بقوّة عندما يتعلق الأمر بالحداثيين المتحرّرين والتقدّميين المنتصرين للفن أساس الحياة.

وتمكّن الفيلم بطرحه الجريء من تعرية المسكوت عنه دينيا واجتماعيا وسياسيا من خلال تناوله لظاهرة الإرهاب ومحاولة معالجتها بشكل درامي يبرز النتائج السيئة لحالة الجمود الذي أصاب الحياة الفكرية والاجتماعية في المجتمعات العربية الإسلامية نتيجة غلق باب الاجتهاد والتحديث في الإسلام، الأمر الذي أدّى إلى المزيد من التعصّب والانغلاق على الذات وفتح الباب أمام فتاوى التكفير التي خرجت من سياق الفتوى إلى دعوة صريحة لإراقة الدماء والتحريض على العنف والكراهية.

حصد الفيلم العديد من الجوائز في مختلف المهرجانات والتظاهرات السينمائية العربية
الفيلم حصد العديد من الجوائز في مختلف المهرجانات والتظاهرات السينمائية العربية

و”فتوى” هو خلاصة رؤية سينمائية وموقف واضح ضدّ كلّ مظاهر التطرّف والتعصّب التي تهدّد الهوية الثقافية للمجتمعات الإسلامية، ودعوة من المخرج إلى فتح السبل أمام العقل وتحريره من كلّ القيود لإدراك وجوه الضعف والخلل الذي أصاب المجتمعات العربية التي باتت رافضة للاختلاف ومنتصرة للفكر السلفي المتحجّر.

ومحمود بن محمود هو مخرج سينمائي تونسي تخرّج في جامعة بروكسل ببلجيكا وحصل على الإجازة في الصحافة وتاريخ الفنون وشهادة في الإخراج السينمائي. وهو يعمل حاليا أستاذا لمادة السيناريو في جامعة بروكسل الحرة. وانطلق مشوار المخرج التونسي مع الإخراج من خلال فيلم عبور (1982) ثم فيلم “شيشخان” (1990) وتبعه بفيلم “قوايل الرمان” في العام 1999.

ومع بداية الألفية الجديدة خرج إلى النور فيلم “وجد: ألف صوت وصوت” عام 2001 الذي عُرض في مهرجان البندقية السينمائي العالمي. وبعد فترة غياب طويلة عاد بن محمود بفيلم “الأستاذ” عام 2012، ليعقبه بفيلمه الأخير “فتوى” في العام 2018.

وتنظم جمعية اللقاءات المتوسطية للسينما وحقوق الإنسان المغربية العديد من الأنشطة الرئيسية على مدار العام مثل لقاءات “خميس سينما وحقوق الإنسان”، و”صباحيات الأطفال” المنظمة كل شهر في مدن الرباط والدار البيضاء والقنيطرة وخريبقة وأغادير، ولقاء “ماستر كلاس السينما وحقوق الإنسان” مرة كل ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى ليلة الفيلم القصير لحقوق الإنسان، والليلة البيضاء للسينما وحقوق الإنسان اللذين يعقدان بشكل سنوي.

17