المغرب يمضي قدما في سياسة مجابهة الهجرة السرية

الأحد 2014/03/30
تشهد مكاتب تسوية وضعيات المهاجرين إقبالا متزايدا لإتمام الإجراءات

الرباط - في وقت لم تتوصل فيه الدول الأوروبية والأفريقية إلى إيجاد حلّ أمثل للتقليص من الهجرة السرية والحد من انعكاساتها الخطيرة على دول القارتين، سارع المغرب إلى انتهاج سياسة تتعلق بتسوية أوضاع المهاجرين السريين وقد نالت إشادة واسعة من المهتمين بالمسألة.

أشادت مساعدة الأمين العام لمجلس أوروبا، غابرييلا باتيني، بسياسة الهجرة التي ينتهجها المغرب، داعية إلى تكثيف الجهود بين مختلف القطاعات المعنية، خاصة في مجال محاربة الاتجار بالبشر.

في ذات السياق، قال إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان إن المغرب “يعدّ البلد الوحيد بالجنوب الذي يتبنى مقاربة اجتماعية وإنسانية في مجال معالجة قضايا الهجرة. وذلك رغم الإكراهات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية القوية التي تواجهه”.

وأوضح اليزمي أن المغرب، الذي تحول من بلد مصدّر للهجرة إلى بلد مستقبل للمهاجرين، أصبح مطالبا باتباع سياسة مندمجة ومنفتحة في مجال الهجرة، تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الثقافية والدينية والاجتماعية لهؤلاء المهاجرين.

وتشير تقارير حقوقية إلى أنه رغم كثافة توافد المهاجرين غير الشرعيين على المغرب، واستقرارهم به لفترات طويلة، فإن هذه الظاهرة لم تفرز ممارسات عنصرية بارزة إزاء هؤلاء، سواء من لدن المجتمع، أو من لدن الأحزاب السياسية التي لا تعمد كما هو حاصل في بلدان أخرى إلى جعل موضوع نبذ المهاجرين محور برامجها الانتخابية واستغلاله.

وكان العاهل المغربي الملك محمد السادس دعا في العام الماضي إلى انتهاج مقاربة شاملة ومتجانسة في ملف الهجرة. وكشفت الرباط عن تفاصيل المبادرة لتسوية أوضاع ما يفوق 25 ألف مهاجر أفريقي مقيم في المملكة المغربية بصفة غير قانونية.

وتنفيذا لتوجيهات الملك محمد السادس سيتم تنفيذ هذه «العملية الاستثنائية» خلال الفترة الممتدة بين أوّل يناير وآخر ديسمبر 2014.

وانطلقت في العاصمة المغربية الرباط عملية تسوية أوضاع المهاجرين الأفارقة الذين يعيشون في المغرب دون أوراق قانونية، حيث شرع عشرات المهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء بتقديم طلبات تسوية أوضاعهم القانونية.

25 ألفا تقريبا عدد المهاجرين الذين سيتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها التي يتمتع بها المغاربة

وقالت السلطات المغربية إن “المهاجرين الذين ستتم تسوية أوضاعهم القانونية سيتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها التي يتمتع بها المواطنون المغاربة، وبالتالي سيتمكنون من الاندماج بسهولة في المجتمع المغربي”.

ويفترض أن يثبت المتقدمون بهذه الطلبات أنهم مقيمون في المغرب منذ 5 سنوات متواصلة على الأقل، مع ضرورة الحصول على عقد عمل ساري المفعول لأكثر من سنتين حتى يتسنى لهم تسوية أوضاعهم القانونية على ما أفاد بيان لوزارة الهجرة.

ويقول مراقبون لملف الهجرة إن مهرّبين ينقلون المهاجرين من دول أفريقية أخرى إلى المغرب ويقيمون في العراء بانتظار الفرصة للعبور إلى مدينتي سبتة ومليلية المغربيّتين اللتين تحتلّهما أسبانيا.

وتشير التقارير الرسمية المغربية إلى زيادة بنسبة تراوحت بين 30 و40 بالمئة خلال السنوات الثلاث الأخيرة في محاولات مهاجرين غير شرعيين من أفريقيا اقتحام السياج الحديدي المحيط بكل من مدينتي مليلية وسبتة المحتلتين.

ويبذل المغرب جهودا كبرى لإحباط عمليات منظمي رحلات تهريب المهاجرين. وكثيرا ما أعلنت السلطات المغربية عن إحباط عدد من محاولات التسلل واجتياز الحدود خلسة، بفضل تعزيز تدابير المراقبة على مستوى حدودها.

وأعطى الملك محمد السادس أوامره نهاية نوفمبر 2013، بناء على توصية من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بتسوية ملف الهجرة واللجوء باعتماد “مقاربة إنسانية”. وستستمر عملية تسوية أوضاع المهاجرين غير القانونيين على الأراضي المغربية طيلة سنة 2014.

ويضاف إلى المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء عدد كبير من السوريين الفارين من بلادهم، ويرغبون في العبور لطلب اللجوء في أوروبا.

ويواجه المغرب ضغطا بسبب تزايد أعداد المهاجرين الراغبين في العبور إلى شمال المتوسط بسبب موقعه الجغرافي، وبسبب وجود مدينتي سبتة ومليلية اللتين تعتبران معبرا نحو الأراضي الأوروبية من القارة الأفريقية.

الولايات المتحدة تدعم مبادرة الملك محمد السادس الرامية إلى إصلاح منظومة الهجرة ومنح اللجوء بناء على مقاربة أكثر عدالة ونجاعة

وتلقت الحكومة الأسبانية انتقادات شديدة تجاه عمليات الإعادة الفورية للمهاجرين من جنوب الصحراء الذين تسللوا إلى المدينتين، واتهمت بخرق قانون الأجانب الأسباني الذي يسمح بمنح جملة من الإجراءات للمهاجرين قبل إعادتهم.

ومع أنّ بعض الدول الأوروبية، التي يسعى مهاجرو منطقة الساحل الأفريقي الوصول إليها بشكل سرّي، قد وجّهت عدّة انتقادات لدول الضفة الجنوبية للمتوسّط، المسمّاة بدول العبور، فإنّها لم تقدّم بدائل للحدّ من موجات الهجرة، فضلا عن كونها تُناقض المعاهدات والمواثيق الدولية التي صادقت عليها، وفي مقدّمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ونظرا إلى غياب استراتيجية أوروبية أفريقية مشتركة وواضحة لمحاربة الهجرة غير الشرعية، بادرت الرباط بإطلاق مبادرتها التي نالت إشادة دولية واسعة. ولقيت مبادرة العاهل المغربي ترحيبا دوليا واسعا، حيث أشادت بها العديد من الدول الغربية والأفريقية وعبروا عن استعدادهم للتعاون مع المغرب في تسهيل الهجرة الشرعية ومحاربة الهجرة السرية واحترام حقوق اللاجئين.

وقد أعربت الولايات المتحدة عن دعمها لمبادرة الملك محمد السادس الرامية إلى إصلاح منظومة الهجرة ومنح اللجوء “بناء على مقاربة أكثر عدالة ونجاعة”. وأشاد مسؤول بالخارجية الأميركية بالتقرير الذي أعده المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب “الذي يهدف إلى تحسين الإطار القانوني في أربعة مجالات تتعلق باللاجئين وطالبي اللجوء والمقيمين دون وضع قانوني للهجرة، والاتجار في البشر والمهاجرين الشرعيين”.

كما أكدت وزارة الخارجية الهولندية أن دعوة الملك محمد السادس إلى وضع سياسة جديدة شاملة حول الهجرة تؤكد على أهمية التعاون في إطار الشراكة حول التنقل التي وقعت مؤخرا بين الاتحاد الأوروبي والمغرب. فيما عبّرت كل من السنغال والنيجر انخراطهما التام في الدينامية التي يعتزم المغرب إطلاقها في مجال تنظيم تدفق المهاجرين.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أشاد بمبادرة الملك محمد السادس، وأعرب عن “تشجيعه للحكومة المغربية على تنفيذ توصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان على الخصوص”.

إلى ذلك قالت ممثلة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالنيابة بالرباط، أورسولا شولز أبو بكر، إن المبادرة المغربية في مجال الهجرة تعد فريدة من نوعها في المنطقة، والمغرب يعد أول بلد يسوي وضعية المهاجرين واللاجئين في الوقت ذاته، معبرة عن استعداد المفوضية لدعم هذه المبادرة. وأبرزت المسؤولة الأممية، في حديث صحفي، أن “المفوضية مستعدة لدعم المغرب في سياسته الجديدة للهجرة التي نرحب بها. إنه أمر فريد من نوعه في المنطقة وليس هناك بلد آخر في شمال أفريقيا قام بنفس الطريقة التي قام بها المغرب”.

وترى النائبة السابقة لمدير مكتب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مقر المفوضية بجنيف (2007-2011)، أن تفرّد المغرب يكمن في حقيقة أن المملكة كانت الدولة الوحيدة التي “تسوي وضعية المهاجرين واللاجئين في نفس الوقت”.

وقالت أورسولا شولز أبو بكر “لقد فاجأتنا السياسة المغربية الجديدة تجاه الهجرة والتي تم الإعلان عنها في 2013 ونحن هنا لدعم السلطات المغربية في هذه الخطوة”، مشيرة إلى أن المغرب وافق حتى الآن على تسوية أوضاع ما يقرب من 600 شخص وأغلبهم تلقوا بطاقات اللاجئ التي تعطي لهم الحق في الإقامة.

2