المغرب يمنح خبرته في تكوين الأئمة لفرنسا تكريسا لقيم الانفتاح

العديد من الأنظمة والسياسات في الوطن العربي والعالم الإسلامي بشكل عام تطرح في دوائر قرارها العديد من التساؤلات حول ملامح إستراتيجية عامة لمقاومة آفة التطرف والتكفير التي تعصف بمجتمعاتها في السنوات الأخيرة، مما يدفع الأجهزة الدبلوماسية للبحث عن النماذج الدينية الناجحة التي من خلالها تتمكن الدولة من تنشئة اجتماعية سليمة تقوم على العقلانية والوسطية والاعتدال والتسامح، الأمر الذي جعل من المغرب محط أنظار العديد من الدول الأفريقية والغربية، وهو ما تبلور مؤخرا في شكل اتفاقيات هامة بينه وبين فرنسا.
الثلاثاء 2015/09/22
المغرب ينجح في صياغة نموذج عالمي لخطاب التسامح والتعايش لتتبعه أمم أخرى

وصف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي أحمد التوفيق، توقيع الإعلان المشترك المغربي الفرنسي حول تكوين الأئمة، الذي جرى تحت رئاسة الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ، بالحدث الدبلوماسي غير العادي. وأوضح المسؤول الحكومي، أنه “لأول مرة يوقع إعلان مشترك مع بلد ينتسب إلى الحضارة الغربية ويوقع اتفاق حول مسائل أساسية تهم استعمال الدين، وتضع الأصبع على ما ينبغي أن يكون عليه الدين كمصدر للخير والسلام والمحبة”.

وأضاف الوزير المغربي في تصريح صحفي، أن الاعتراف بأهمية تكوين الأئمة هو اعتراف بالنموذج المغربي، الذي ينبع من إمارة المؤمنين، التي هي حامية الملة والدين من كل ما يسيء إليهما، والساهرة على ترقية الأمور المرتبطة بالدين، ومواكبة ما استجد منها. موضحا أنه من بين تلك المستجدات ما يتعلق بتفاصيل الحضارة الحديثة والإجابة عن سؤالاتها، ومواكبة ما يقع من تقدم في العلوم الإنسانية، ومواجهة ما وقع من تلوث في الجو السياسي ومحاولة استغلال الدين في السياسة.

وينص الإعلان على إنشاء آلية للتتبع والتنسيق بين البلدين، وعقد اجتماعين على الأقل في السنة، بحضور وزارتي الداخلية والشؤون الخارجية والتنمية الدولية عن الجانب الفرنسي، ووزراة الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزارة الشؤون الخارجية والتعاون عن الجانب المغربي. وجرى التوقيع على الوثيقة المؤسسة للتعاون بين المغرب وفرنسا من طرف لوران فابيوس، وزير الشؤون الخارجية والتنمية الدولية، وأحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية تحت إشراف العاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس فرانسوا هولاند.

الضبط المؤسساتي الذي تميز به المغرب جعل من الفكر التكفيري ينحسر شيئا فشيئا إلى حدود الاختفاء

وأبرز وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، في هذا السياق، أن “المستجدات التي تعرفها الحضارة الإنسانية جعلت إمارة المؤمنين تعطي أوامرها، في المغرب منذ 12 سنة، لتكوين جيل جديد من الأئمة”، مجددا التأكيد على أن “التحاق فرنسا بهذه الفكرة اعتراف بالنموذج المغربي الأصيل”.

وأفاد أحمد التوفيق بأن الاتفاقية تنص على “أمور مشتركة حول إرادة تكوين جيل جديد من الأئمة من أجل إسلام بعيد عن التحريف والفتنة التي تمثل أشد الآفات ضد الدين والمجتمع، وبعيدا عن كل ما يسيء إلى الإسلام، وهي مسألة مشتركة لأن المسلمين أينما كانوا ترعاهم إمارة المؤمنين، خاصة إذا كانوا من رعايا أمير المؤمنين في المغرب أو في غيره من البلدان”.

وتعليقا على توقيع اتفاق على تكوين الأئمة الفرنسيين بالمغرب، قال عثمان الزياني أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة مكناس بالمغرب، إن الاتفاق جاء نتيجة الصدى الطيب الذي تركه المغرب بخصوص تكوين أئمة على مستوى مجموعة من دول أفريقيا، بالنظر إلى الاعتدال الذي يتمتع به المغرب على المستوى الديني.

وأضاف الأستاذ الجامعي، أن هذه القيم التي استطاعت أن تحارب مختلف الأفكار المتطرفة والراديكالية التي تغذي الإرهاب، والهيكلة الجديدة أيضا للحقل الديني والضبط المؤسساتي للائمة، جعلا الكثير من الأفكار المتشددة والتي تحتوي حمولات تكفيرية تندثر بالتدريج، والكثير من الأئمة الذين كانوا يحملون هذه الأفكار والرؤى والتصورات يقومون بمراجعات وانخرطوا بشكل إيجابي في محاربة الفكر التكفيري.

واعتبر عثمان الزياني في تصريحه لـ”العرب”، لجوء فرنسا أيضا إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لتكوين الأئمة بفرنسا ذاتها، فيه اعتراف مباشر بنجاح النموذج المغربي في محاربة التطرف والتشدد والفكر الإرهابي، خصوصا وأن فرنسا عاشت مخاضا عسيرا مع العمليات الإرهابية الأخيرة، وأمام التهديدات الإرهابية المتواصلة والتي ارتأت من خلالها أن المقاربة الأمنية غير كافية في مقاومة الفكر الإرهابي. وشدد الأستاذ على أنه لا سبيل إلى ذلك دون غرس قيم الاعتدال عبر قنوات التنشئة الاجتماعية التي تبقى المساجد إحدى أدواتها، وبالتالي لا مفر من استلهام النموذج المغربي الناجح بخصوص تكوين الأئمة الذي أثبت نجاعته على المستوى العملي، والذي زرع قيم الوسطية والاعتدال وساهم في تثبيت عناصر الاستقرار والأمن والنظام من خلال حماية المواطنين من الجهل والتحجر واعتبار المساجد فضاءات للعبادة والإرشاد وتلقي تعاليم الدين السمحة وتحصينها من الاستغلال في زرع الفتنة والنقمة على العباد.

استلهام النموذج المغربي في تأطير القيمين الدينيين وأئمة المساجد يعتبر اعترافا ضمنيا بنجاح التجربة المغربية في التأطير الديني

وتنص الاتفاقية الموقعة بين المغرب وفرنسا على أن يتولى المغرب تكوين أئمة لفرنسا، وأن يختارهم المغرب وفق مقاييس معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدات، وبتوافق مع مساجد فرنسا وجمعيات المساجد، مع حرص باريس على أن يكون هناك تكوين تكميلي في فرنسا حسب ما تقتضيه قوانينها.

من جهته أكد الباحث في الجماعات الإسلامية، عبدالإله سطي، أن التزام المغرب بتأطير عدد كبير من القيمين الدينين وأئمة المساجد بفرنسا وفق النموذج المغربي في تدبير الحقل الديني، يدخل في إستراتيجية المملكة ودبلوماسيتها الدينية والأمنية، والتي تكمن دلالاتها خاصة في بسط التجربة المغربية في الإصلاح الديني بمنطقة الساحل والصحراء، وتقديم النموذج للدول المهتمة بشأن استقرارها الأمني الداخلي لإثبات أن المغرب قادر على أن ينتج نموذجا ناجحا في التعايش والاستقرار ومحاربة التطرف.

ويؤكد مراقبون أن المغرب يجني ثمار سياسة دينية تروم إعادة هيكلة الحقل الديني المغربي وتحديث البرامج التعليمية الدينية التي تكرس قيم الخير والتسامح وتنبذ العنف والفكر المتطرف. واستطاعت الرباط أن تقدم نموذجا بارزا في حسر تنامي أفكار التطرف وتوحيد المجتمع على المذهب المالكي وإعطاء المجال الصوفي مكانة مهمة في تهذيب سلوكات وقيم الإسلام الشعبي. وأشار سطي في حديثه لـ”العرب” إلى أن من إيجابيات الشراكة الدينية بين المغرب وفرنسا استرجاع المكانة المغربية كشريك أول لفرنسا في المنطقة المغاربية.

ويعتبر استلهام النموذج المغربي في تأطير القيمين الدينيين وأئمة المساجد الذين يلعبون أدوارا بارزة في توجيه فئة كبيرة من المسلمين في بلدان المهجر، اعترافا ضمنيا بنجاح التجربة المغربية في التأطير الديني الذي بوأه المغرب مكانة بارزة وأضحت له أدوار معتبرة في المنطقة من أجل مواجهة التهديدات الإرهابية التي تؤثر في استقرار المنطقة برمتها.

13