المغرب يواجه أفكار التطرف في فرنسا بنموذجه الديني الوسطي

المغرب طور نموذجا دينيا معتدلا سيمكن الشباب المسلم من المساهمة الإيجابية في المجتمع الفرنسي وكل أوروبا
الخميس 2018/09/06
تجربة دينية تشع على العالم

النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني لم يتقصد منذ البداية أن يكون محلي الغايات والمقاصد ولم يكتف بالمجال المغربي، بل نجح في أن يكون نموذجا قابلا للتصدير أولا من منطلق أن الإرهاب المعلوم والعابر للقارات يجب أن يحارب في كل مكان، وثانيا لأن التجربة المغربية في التدبير الديني دفعت العديد من الدول الأوروبية والأفريقية إلى الاستئناس بها واستلهام مفاصلها سواء من ناحية بناء الخطاب الديني ذاته أو من ناحية تدريب الأئمة والإطارات الدينية المؤهلة لتقديم خطاب ديني وسطي يقطع الطريق أمام خطاب الغلو والتشدد ويدحضُ أباطيله.

الرباط - أكد المغرب حضوره الإيجابي في البرامج الدولية لمكافحة التطرف الديني والكراهية العرقية، واعتمد في ذلك على مرجعيته التراثية الوسطية المنفتحة على الآخر، والمبنية على نشر مبادئ التسامح والتعايش بين معتنقي كل الديانات السماوية، سواء على أرضه أو في خارجها، حيث يتواجد المسلم إلى جانب اليهودي والمسيحي في عيش آمن من دون أي عداوة أو بغضاء، لأن الكل يتعاون لأجل بناء مغرب معاصر يتسع للجميع، في إطار من السلم والمحبة والإخاء.

وحسب المصادر التاريخية والسياسية، الوطنية والأجنبية، فإن العلاقات بين أهل الأديان في المملكة المغربية لم تتأثر يوما بما يسيء إليها، أو يفرق بينها، أو يجعلها تحت ضغط العنصرية والتمييز، وما ينتج عنهما من عدوانية وكراهية وعنف، بل عاش الجميع في تعايش وسلم، ستمتد إيجابيته في ما بعد إلى أوروبا لترسيخ حضور “المغرب الديني الوسطي”، من خلال مساجد ومراكز ومؤسسات دينية تحظى اليوم باحترام الأوروبيين.

وفي تصريح لـ”العرب”، أفادنا العربي مرشيش، عميد المسجد الأعظم محمد السادس بمدينة سانت إتيان الفرنسية، أن المسجد أضحى اليوم مؤسسة ذائعة الصيت للتعريف بالإسلام الوسطي البعيد عن الغلو والتشدد الديني الذي تمثله أفكار إرهابية معادية للسلم والتسامح، مشيدا بالمسجد الأعظم، الذي يدير هو شؤونه، وما يشكله كفضاء سلمي للتواصل وتبادل الأفكار بين كافة مكونات المجتمع الفرنسي، وتشجيع الحوار بين الأديان، وتقديم صورة مشرقة ومشرفة عن الدين الإسلامي المعتدل، والثقافة الدينية الوسطية في المغرب.

وتطرق المتحدث إلى بعض الصعوبات التي تواجه تدبير الشأن الديني في فرنسا، معتبرا أنها صعوبات ترجع في جزء كبير منها إلى بعض السياسات الفرنسية الموجهة إلى المسلمين،

وشدد على إمكانية تطويرها وتمكين المواطنين الفرنسيين المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية باحترام تام للقوانين الفرنسية ولمبدأ العلمانية الذي يضمن حق هذه الممارسة لجميع الديانات، داعيا المسلمين إلى لعب دور الجسر الرابط بين دول الأصل ودول الإقامة من أجل تعزيز الروابط الثقافية والإنسانية.

وأشاد العميد العربي مرشيش باتفاق تدريب وتأهيل الأئمة والمرشدين الدينيين، واصفا إياه بالاتفاق الذي يروم مكافحة التطرف والمتطرفين، مؤكدا على أن التكوين يعزز الإسلام الوسطي المعتدل الخالي من مختلف مظاهر وتعبيرات العنف والتشدد، وهو الإسلام الذي يتوافق مع قيم السلم والتسامح.

وأشار إلى أنه اتفاق سيسمح بتلبية الاحتياجات العاجلة لفرنسا من الأئمة المتخرجين من معهد محمد السادس في العاصمة الرباط، والذي تم افتتاحه في شهر مارس الماضي بهدف نشر الإسلام الوسطي المتجاوب مع قيم الانفتاح والتسامح، ومع قيم الجمهورية الفرنسية أيضا.

وفي نفس السياق كان بلاغ قد صدر عن اتحاد مساجد فرنسا منذ شهور، أعلن أن اتفاقا رسميا بين المغرب وفرنسا، تمت المصادقة عليه في حفل رسمي ترأسه العاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند بمدينة طنجة، وهو الاتفاق الذي مكن البلدين الصديقين من تدريب أئمة ومرشدين دينيين يعملون في السجون وفي الجيش، فضلا عن تأهيل مدرسين للعمل بمراكز التأهيل التي يجري التخطيط لإنشائها على الأراضي الفرنسية.

وشدد اتحاد مساجد فرنسا في بلاغه المذكور على أهمية امتلاك الأئمة للمعارف الضرورية لنشر الإسلام المعتدل الوسطي لمكافحة الراديكالية والتطرف الديني، معلنا أن دفعة مكونة من 20 طالبا فرنسيا التحقت بمعهد محمد السادس لتدريب وتأهيل الأئمة في شهر مارس الماضي، ثم تلتها دفعة أخرى تضم 30 طالبا خلال نفس الشهر من العام الجاري (2018)، وأن فترة تدريب الأئمة الفرنسيين بالمغرب ستستغرق ثلاث سنوات، على أن يستتبع ذلك دراسة جامعية إضافية في اختصاصات علم الاجتماع الديني وحرية العبادة.

وخلال لقائنا به بمدينة القنيطرة المغربية، أثناء حفل التوقيع على بروتوكول توأمة بين مدينته والمدينة المغربية المذكورة، نوه غايل بيردريون، عمدة مدينة سانت إتيان الفرنسية التي يوجد بها المسجد الأعظم محمد السادس، بانخراط الجالية المغربية في الحياة المجتمعية في فرنسا، وأيضا بالحضور القديم للمسلمين في سان إتيان، واصفا إياهم بالذين جاؤوا إليها مع موجات الهجرة، فساهموا في الازدهار الصناعي المحلي.

وأشاد غايل بيردريون بأهمية المسجد الأعظم محمد السادس بسانت اتيان في التعريف بالدين الإسلامي الوسطي وبشعائر المسلمين، وأضاف واصفا المسجد بالصرح المعماري الذي يؤثث الطابع العمراني للمدينة الفرنسية.

وشدد السياسي الفرنسي على الدفاع عن مشروع بناء مركز ثقافي مسلم بسانت إتيان، ليس فقط باعتباره مشروعا لمسلمي المدينة الفرنسية، ولكن أيضا كمشروع موجه إلى جميع سكان المدينة الذين “هم في أمس الحاجة إليه من أجل فهم أفضل للدين الإسلامي والثقافة المغربية وتقوية حضورها في الفضاء الثقافي، وتقريبها من الفرنسيين ومن الأجيال الجديدة للهجرة المغربية”.

وأضاف غايل بيردريون، مؤكدا أن التعريف بالثقافة الإسلامية السمحة سيمكن من مواجهة الأفكار المتطرفة ومحاصرة النماذج المتشددة، مشيدا بالمغرب الذي طور نموذجا دينيا معتدلا ومنفتحا، سيمكن الشباب المسلم من المساهمة الإيجابية في المجتمع الفرنسي وكل أوروبا.

13