المغرب يوظف الاعتدال والوحدة المذهبية في الحفاظ على تماسك المجتمع

لا يكفي أن تتكفل المنظمات والجمعيات والمفكرون بالدعوة إلى الوحدة الوطنية والحفاظ على التماسك المجتمعي بعيدا عن نار الفتنة الطائفية أو الدينية بين أبناء الوطن الواحد، بل إن المرور إلى مرحلة تنفيذ تلك الشعارات والمبادئ أمر حتمي، عبر أجهزة الدولة والمؤسسات والبرامج التي تشرف عليها أجهزة السلطة. ولعل النموذج المغربي في هذا الإطار يعد مرجعا في تمكن الدولة من حماية مواطنيها داخل المغرب وخارجه من آفة التطرف والإرهاب والتعصب.
الثلاثاء 2015/06/16
المغرب قطب ديني جاذب لدارسي العلوم الشرعية من بقاع عديدة

أكد الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى بالمغرب محمد يسف أن “النموذج المغربي في التدين ثابت الجذور في الوجود المعنوي والروحي للأمة، صامد في وجه الزوابع والاختلافات، وجزء لا يتجزأ من هوية المغرب القومية”، وقد أشار يسف إلى أن المغرب عرف على مدى تاريخه بالحفاظ على نموذجه الديني المبني على قيم التعايش والتسامح والوسطية والاعتدال، ومُؤَطَّر بمؤسسة إمارة المؤمنين الضابطة لهذا النموذج الديني المتميز بعقيدته السنية الأشعرية ووحدة مذهبية وعمق روحي.

وفي السياق لفت محمد يسف، إلى أن هذا النموذج الذي اعتمده المغاربة لتأطير حياتهم الدينية، كفل لهم الأمن والوحدة، “ولعله قدوة ومثل للآخرين، لأنه متجانس ومكتمل الأركان والصور ومتناغم الأفكار والحجج، في تدبير أمور الدنيا والدين.

وبعد الأحداث الإرهابية التي ضربت الدار البيضاء سنة 2003، دخل المغرب مرحلة أخرى من إستراتيجية حماية نفسه من تداعيات الخطاب التكفيري. فإلى جانب تعزيز اليقضة الأمنية، عملت الرباط على إعادة هيكلة الحقل الديني بما يتناسب والخطر القادم من ثنايا الفكر الجهادي المتطرف.

وقد سعت المملكة بهذه الخطوة إلى تحصين الهوية المغربية الممثلة في العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني، داخليا وخارجيا بتأطير المغاربة المقيمين بالخارج خصوصا بأوروبا، عبر إحداث المجلس العلمي لأوروبا والمجلس الأعلى للجالية وغيرهما من المؤسسات ذات الصلة.

وأكد أحمد التوفيق، وزير الشؤون الإسلامية المغربي، أن من مميزات الوحدة المذهبية خدمة الإسلام والوطن وضمان الأمن الروحي للبلاد، “إضافة إلى الحد من غلو المتطرفين وتأويل المبطلين وإفساد الجاهلين”.

ولتعميم الإفادة داخل الفضاء الأوروبي، اقترح عبدالله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، مزيد الاهتمام أكثر بالإنتاجات العلمية والفكرية باللغات الأجنبية للمرجعية الدينية الإسلامية المعتمدة على الوسطية والتعايش.

وعبر بوصوف عن رغبة مجلس الجالية، في نشر النموذج المغربي وتكوين الأئمة في فن التواصل بلغة المحيط الأوروبي، وتعليم الخلفيات التاريخية للتشريعات الأوروبية.

وبرر الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، هذا التوجه بقوله، إن بعض التشنجات التي تقع في المجتمعات الغربية ليست موجهة بالضرورة ضد المسلمين، لكنها تدخل في السيرورة التاريخية بهذه الدول في علاقاتها مع الدين بصفة عامة.

إن تحصين النموذج الديني المغربي يمر في نظر المسؤولين عن الشأن الديني في المملكة، من خلال تعميق الهوية المغربية المرتكزة على قيم التسامح والاعتدال، إلى جانب الحفاظ على الوحدة المذهبية للبلاد، بالإضافة إلى تأهيل المدارس العتيقة بما يتلاءم مع مناهج وبرامج التكوين المشجعة على فكر منفتح دون التفريط في مقومات الشخصية المغربية.

وتؤكد تقارير أنه لم تقتصر عناية الدولة على تحصين هويتها الدينية بالداخل المغربي فقط، بل واكبها اهتمام خاصة بالمغاربة المقيمين بالخارج، جعلها تحدث المجلس العلمي لأوروبا والمجلس الأعلى للجالية وإرسال أئمة مغاربة إلى أوروبا للحد من استقطاب التيارات المتشددة للجالية المغربية حفاظا على الأمن الروحي للمغرب.

ويعتبر نموذج التدين المغربي محفزا لكثير من الدول الأفريقية والعربية والأوروبية على إرسال أئمتها إلى المملكة بهدف التدريب والتكوين في معاهد خاصة بالمغرب. وذلك للخبرة المتراكمة ولما ثبت عن المملكة المغربية من اعتدال ومرونة ونبذ للعنف.

ويؤكد خبراء أن طبيعة المؤسسة الملكية في المغرب تتلائم مع النموذج الذي ينشده المسلمون في التعايش والتسامح والانفتاح، والتطلع إلى العمل والبناء والابتعاد عن أي نوع من أنواع الفتنة.
ودشن العاهل المغربي في أبريل عام 2015، معهد محمد السادس لتكوين الأئمة، ويهدف برنامج تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات إلى تكوين 150 إماما و50 مرشدة سنويا.
ومن مهام المرشدين الأساسية، إعطاء الدروس في مختلف العلوم الإنسانية والمساهمة في الحفاظ على الوحدة الدينية للمجتمع وتماسكه ضمن ثوابت الأمة والحفاظ على النظام في المسجد وحمايته من كل نشاط خارج الإطار الديني.

ولا يخفى أن السجون تعتبر حاضنة أخرى تضاف إلى حواضن التطرف والتكفير، وقد بنت الدولة المغربية استراتيجية متعددة الأبعاد لمحاصرة التطرف وتجفيف منابعه المالية والبشرية.

ووعيا منها بخطورة هؤلاء المتطرفين عملت إدارة السجون المغربية على فتح أبوابها للقيمين الدينيين للإشراف على تأطير السجناء وعزل الفكر المتطرف داخل السجون.

وقد أشار محمد صالح التامك مندوب إدارة السجون وإعادة الإدماج، إلى أن المتطرفين المعتقلين داخل السجون المغربية يشكلون واحدا في المئة من إجمالي السجناء، أي ما يعادل 600 سجين من أصل 74 ألف سجين. وأضاف أن إلغاء التطرف بين السجناء يقتضي دمجهم في المجتمع.

12