"المغروم يجدد".. قراءة مسرحية لتونس الستينات

السبت 2018/02/03
إحياء المسرح الشعبي

تونس- تتحدث المسرحية الغنائية التونسية “المغروم يجدد” التي تستأنف سلسلة عروضها السبت في قاعة “الريو” بالعاصمة تونس، عن أحداث جرت سنة 1968 في “كافيشانطا” (ملهى شعبي) خلال حصص تمارين بروفة غنائية راقصة، تتخللها العديد من الأحداث المتسارعة، أبرزها اختلاف آراء ووجهات نظر العاملين في الكافيشانطا مع تضارب الأفكار بين السياسة والفن والمادة.

ومسرحية “المغروم يجدد” التي وضع نصها الحبيب بلهادي وتولى إخراجها الأسعد بن عبدالله صاحب “المنسيات” و”الزقلامة” و”المنسية”، عمل غنائي يعيد الروح إلى المسرح الشعبي من خلال قصة “كافيشانطا” في باب سويقة سرّة العاصمة التونسية سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي، حيث يتقاطع في العرض الذي يدوم زهاء الساعة ونصف الساعة السياسي بالفني بالاجتماعي.

وتكشف المسرحية من خلال فضاء “الكافيشانطا” التي يديرها محرز (فتحي المسلماني) أحد رجال الحزب الدستوري الجديد، حينئذ، عن هيمنة الحزب على كل شيء بعد المحاولة الانقلابية لسنة 1962، والتي عزّزت نفوذ الحزب وزعيمه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، حيث تمت تصفية أي نفس معارض كصالح بن يوسف (1907-1961)، أو ساخر كالفنان الفكاهي صالح الخميسي (1912-1958)، والذي تم تكريمه في المسرحية عبر إنشاد الممثل/المطرب فرحات الجديد لأربع أغان من سجله المديد.

وتتداخل في المسرحية الكوميديا بالتراجيديا، وأيضا الشخصي بالمشترك، وسط أجواء الستينات، حيث تدور الحكاية في ليلة واحدة، تحديدا قبل يوم من بداية شهر رمضان، موسم الذروة الفنية لمثل تلك المقاهي الشعبية أيامها.

الأسعد بن عبدالله: ما عاشته تونس في الستينات يشبه إلى حد كبير ما تعيشه اليوم

ليلتها يهم محرز المناضل الحزبي لافتتاح “الكافيشانطا” بدعوة مجموعته القديمة إلى التمارين، فيفاجأ برفض الزمني (جمال المداني) بمواصلة العروض ما لم يحصل على مستحقاته المتخلّدة، ويُواجه محرز بتاريخه السياسي العفن، أما بقية أفراد المجموعة، وهم: فرحات (فرحات الجديد) ومامية (قيسالة النفطي) وعيشة (مريم الصياح) وجوادو (وجدي البرجي) ورضا (حاتم الحجام) فيصرون على مواصلة العروض لحاجتهم إلى المال في زمن الكساد الاقتصادي المستشري.

وفي الأثناء تتكشّف العديد من الخيوط الخفية مع توالي مشاهد المسرحية، فمحرز على علاقة حب بالراقصة مامية، والذي يحوّل عشقه عنها إلى الوافدة الجديدة الراقصة الشابة والنضرة عيشة، ليحتدم الصراع بين الراقصتين.

كما تكشف الصراعات الثنائية بين محرز والزمني من جهة ومامية وعيشة من جهة ثانية، صفحات من تاريخ تونس الثقافي والاجتماعي والسياسي، وأزمة التعاضد وسقوط تجربة الاشتراكية التي قادها أحمد بن صالح والصراع البورقيبي- اليوسفي وتداعياته على الحركة الديمقراطية، وهزيمة يونيو 67 والخلاف بين الزعيمين بورقيبة وعبدالناصر بعد خطاب أريحا في 1965.

ولإيصال كل هذا التاريخ الحافل بالأحداث إلى المتفرّج استعان المخرج الأسعد بن عبدالله بتقنيات الفيديو التي تمنح المشاهد شعورا بأنه في “كافيشانطا” فعلا من خلال صور تونس العتيقة، كما تمنحه شعورا بامتداد الزمن الماضي إلى الحاضر، حيث يقول بن عبدالله في رده عن سؤال “العرب”، حول مدى انعكاس ما وقع في تونس من أحداث سنوات الستينات من القرن الماضي على حاضر تونس، الجمهورية الثانية، فأجاب “إن ما عاشته تونس في تلك الفترة يشبه إلى حد كبير ما تعيشه البلاد اليوم، وهذا يظهر من خلال الاغتيالات السياسية حينها، وما أشبه اليوم بالبارحة، لولا بعض الأمل”.

والرمزية السياسية في “المغروم يجدد” لم تنقطع منذ بداية العرض حتى نهايته، فالعنوان وحده، كما يقول المثل التونسي “البراني على برّة والمغروم يجدد”، والتي تعني في لغة “الكافيشانطا” من أعجبه العرض فليقتطع تذكرة ثانية، ومن لم يعجبه فليغادر، يمكن تأويله سياسيا بـ”من كان دخيلا علينا فليغادر، ومن معنا فليجدّد العهد” في إشارة صريحة إلى أن تونس صنيعة أبنائها الأوفياء، ولا عاش فيها من خانها أو ليس من جندها، وفق النشيد الوطني التونسي.

هذا على المستوى السياسي للعرض، أما جماليا فقد أتت المسرحية تمرينا فوضويا على أنغام تونسية وأغاني صالح الخميسي، مع إضافات سينوغرافية شملت عروض الفيديو والغناء والرقص، وسط ثنائيات الصخب والحب والكره والغيرة والبؤس والطمع والانتهازية والوعد والوعيد.

13