المغفرة تعني التصرف بعدالة مع أشخاص كانوا غير عادلين في حقنا

أخصائيون يؤكدون أن العدالة الجنائية تختلف عن العدالة الشخصية، وأن تقبلنا لأخطائنا واعترافنا بها يفضيان لمسامحة أنفسنا.
الجمعة 2018/07/06
مسامحة النفس تسهل التسامح مع الآخرين

يقال إن المغفرة في جوهرها تعني التصرف بعدالة مع أشخاص كانوا غير عادلين في حقنا، ومن منطلق هذا التناقض في الفكرة، فإن مسامحة الشخص المذنب هي تحقيق للعدالة بحد ذاته؛ ذلك بتجنب إيقاع الظلم به حتى لا يعود إلى فعلته!

ويمكن لبعض الناس أن يتغيروا، بصورة ما قد تعني بأنهم دفعوا ثمن أخطائهم وثابوا إلى رشدهم خاصة إذا كان الذنب عظيما، خطأ جسيم في حق الآخرين تسبب في أذى اجتماعي أو شرخ نفسي كبير.

 إلا أن السؤال المنطقي يبقى قائما، هل أن التغيير الشخصي والتراجع عن الخطأ يمكنهما محو قسوة الماضي؟ بالطبع لا، فالماضي لا يمكن أن يتغير، لهذا، ينصح متخصصون في علم النفس بأن نتقبل فكرة الغفران للآخرين ومسامحتهم على أخطائهم بحقنا، ليس بغرض محاولة نسيان الألم بتغيير الماضي ومحو جروحه، بل كفعل ومحاولة لتغيير مشاعرنا السلبية تجاه هؤلاء الأشخاص وليس تجاه أفعالهم في الماضي وأخطائهم بحقنا.

وتطرح الدكتورة بيريت بروجرد، وهي أستاذة جامعية ومديرة أبحاث في مختبر بروجرد للأبحاث في جامعة ميامي الأميركية، سؤالا مهما في هذا الصدد بقولها: هل يمكننا عمليا أن نتوقف عن الشعور بالانزعاج كلما رأينا هذا الشخص، أم أن غضبنا سيستمر ولن يمكننا تقبله مجددا أو الغفران له؟ يبدو بأن حدوث مثل هذا الأمر عسير إذا لم نلمس من الشخص المعني تغييرا في سلوكه، في الأقل طريقة تعامله معنا في المواقف المماثلة، فإذا لن نلمس منه هذا التغيير يصبح الغفران لا معنى له.

وهناك نوع من الخلط في ما يتعلق بالأخطاء الشخصية والعامة، بمعنى أن طريقتنا في مسامحة الآخرين تختلف إذا كان هؤلاء أشخاصا ارتكبوا في حقنا خطأ ما، وما يتبع ذلك من تداعيات تحكمنا طبيعة تواتر وجودهم في حياتنا، عن تعاملنا مع أشخاص ارتكبوا جرائم في حق المجتمع وقضوا عقوبتهم في السجن مثلا، ثم غادروه بعد انقضاء مدة عقوبتهم فيه.

أما مقياس العدالة العام، فيقرر بأن غفران الذنوب ممكن إذا ما دفع الأشخاص ثمنا فادحا لها، ثم يصار إلى العفو عنهم بعد ذلك بصرف النظر عما إذا كانوا نادمين على أفعالهم أو لا وبصرف النظر أيضا عما إذا كانوا قد تغيروا أو لم يتغيروا، وهذا هو القانون العام.

أسلوب لوم النفس وتقريعها أمر مفيد، فهو يمنعنا من تكرار الخطأ ثم يأخذنا إلى مرحلة أخرى نقوم فيها بمسامحة أنفسنا
 

إلا أن الأمر يختلف كثيرا في ما يتعلق بالحوادث الشخصية، سواء أكانت بسيطة أو تلك التي تصل إلى مستوى جنائي، مع الأخذ في الاعتبار بأن بعض الأخطاء قد تتجاوز نتائجها الإيذاء الجسدي لما قد تسببه من جروح نفسية لا تندمل، بمعنى أن العدالة الجنائية تختلف عن العدالة الشخصية فالعدالة الجنائية خاصة في الدول التي تطبق النظام الديمقراطي وتهتم لحقوق الإنسان، تختلف كثيرا عن العدالة كمفهوم.

وترى الدكتورة بروجرد أن الشعور بالندم ومحاولة التغيير، هما الشرطان الوحيدان اللذان يجب أن نضعهما حتى نستطيع أن نسامح الآخرين، فمن دون معاناتهم بشعورهم بالندم والذنب تجاهنا ومن دون رغبتهم في تغيير سلوكهم وتصحيح مسار حياتهم، فلا معنى من أن نمنحهم فرصة ثانية وثالثة بل يصبح من العسير أن نسمح لهم بدخول حياتنا مرة أخرى.

ومن جانبه، يرى الدكتور ناندو بيلوسي، أستاذ في الطب النفسي السريري وعضو مجلس المستشارين للرابطة الوطنية الأميركية للعلاج السلوكي المعرفي، أن هناك جانبا مهما من الغفران يتعلق بمسامحة الذات، فنحن نتعلم من خلال التجربة والخطأ ونرتكب الأخطاء مثلنا مثل الآخرين تماما، أحيانا نحاسب أنفسنا بشدة ونقسو عليها عندما نرتكب خطأ ما خاصة إذا تسببنا في جرح الآخرين، سواء أكان ذلك بقصد أو بغير قصد.

ويعد أسلوب لوم النفس وتقريعها أمرا مفيدا في أغلب الأحيان، فهو يمنعنا من تكرار الخطأ ثم يأخذنا إلى مرحلة أخرى يتطلب فيها الأمر أن نقوم بمسامحة أنفسنا، مسامحة النفس تعني في المقام الأول تقبلنا لأخطائنا واعترافنا بها وهذه الخطوة مهمة جدا لما سيأتي بعدها من خطوات.

 إلا أن الغفران للذات أحيانا قد يعني أنك رفضت أن تدين نفسك بعد اعترافك بارتكاب الخطأ، خاصة إذا كان الخطأ الذي ارتكبته سيئا للغاية. إن التسامح مع النفس يعني بالضرورة الاعتراف بالضعف البشري وبأن الجميع، من دون استثناء، معرضون لارتكاب الخطأ.

ولعل واحدة من أكبر الأخطاء التي يمكن أن نرتكبها بحق أنفسنا، هو اعتقادنا بفكرة الكمال البشري، على الرغم من أن الكمال فكرة عظيمة إلا أنها غير واقعية تماما، وهي قد تمنعنا من تجريب أشياء جديدة وجديرة بالاهتمام، تمنعنا من الخطأ والتعلم من الخطأ بهدف الحفاظ على صورتنا ساطعة وكاملة في عيون الآخرين.

 في حين، يتيح لنا تجريب أشياء جديدة والخطأ في بعض الأحيان معرفة أنفسنا أكثر والسعي إلى غفران هفواتنا، كما أن مسامحة النفس تسهل علينا فعل التسامح مع الآخرين مع إيماننا بأنهم بشر مثلنا ومعرضون للظروف ذاتها، خاصة إذا أبدوا رغبة في تعديل سلوكهم.

ويقول سومرست موم، الروائي والكاتب المسرحي الإنكليزي “قليل من الإدراك السليم، وقليل من التسامح، وقليل من المرح وسوف تندهش عندما ترى كيف استطعت أن تريح نفسك على ظهر هذا الكوكب”.

21