"المغنية الصلعاء".. مسرحية تجدد شبابها بالتقادم

الكاتب الروماني الفرنسي يوجين يونسكو الذي صنع من مزاجه الشخصي تيارا مسرحيا.
السبت 2021/05/01
مسرحية تنتمي إلى عصرنا الحاضر بامتياز

كان على جمهور يونسكو المحتار ونقاده الغاضبين منه في مرحلة تحاول تخطي جنون الحرب أن يعيشوا ما يعيشه العالم اليوم كي يقفوا على الحقائق التي لامسها هذا الكاتب الاستثنائي حول غربة الإنسان وعبثية مصيره التي لا تثير إلا السخرية، فكأنما كل ما كتبه ضمن ما يعرف بمسرح اللامعقول صار معقولا جدا.

ما هي أخبار المغنية الصلعاء؟ الإجابة: ما زالت تصفف شعرها بالطريقة نفسها.

مدهش أنت يا عزيزي يوجين المشاكس، والذي جعل من اللامعقول معقولا، ومن العبث نظاما فلسفيا في غاية الدقة والتماسك. لعل المغنية الصلعاء التي لم توجد في مسرحيتك هي اللغة ذات الشعر المنتوف والمصفف بأناقة عارمة.

كان على الكاتب الروماني الفرنسي يوجين يونسكو (1909 ـ 1994) أن ينتظر سبعين عاما بعد عرض أول مسرحياته العبثية “المغنية الصلعاء” سنة 1950، كي يفهمه الناس، ويأخذوا على محمل الجد كل كلمة تفوهت بها شخصياته التي كانت تبدو موتورة، فاقدة لصوابها وعديمة القدرة على التواصل مع محيطها. فكأنما كل ما كتبه يونسكو الروماني، بيكت الأيرلندي وآدموف الروسي، ضمن ما يعرف بمسرح اللامعقول، صار معقولا جدا بل واقعا نعيشه كل يوم بكثير من التكرار والملل.

إبراهيم العريس: في مسرح يونسكو يمسي الناس غير متيقنين من هويتهم
إبراهيم العريس: في مسرح يونسكو يمسي الناس غير متيقنين من هويتهم

ليس غريبا أن تجمع باريس هؤلاء الكتاب الثلاثة، وتصبح اللغة لديهم في زمن التوق إلى الانعتاق من أغلال الأيديولوجيا، شخصية محورية تلعب دور البطولة في التشويش والمزيد من الضبابية وقطع أواصر العلاقات الإنسانية.. اللغة عند هؤلاء تلعب ـ بحق ـ دور البطولة في محو مفهوم البطولة بصيغتها التقليدية المؤنسنة.

ومن هنا لمعت الفكرة في ذهن يوجين يونسكو، عندما كان يتلقى دروسا في الإنجليزية على أسلوب “أسيميل” (نسبة إلى دار نشر فرنسية لتعليم اللغات تأسست في عام 1929 من قبل ألفونس شيرل) وتقوم هذه الطريقة أساسا، على مبدأ الاستيعاب الحدسي الذي يستند على الاستماع والقراءة، ومن ثم التكرار اليومي لجمل بسيطة.

تأثر يونسكو خلال استماعه اليومي لمنهجية “أسيميل” بتسلسل الجمل وتتابعها ولكن من دون ترابطها، تأثر بالمضمون الأجوف للحوارات وتلك الجماليات الفاقدة لمعانيها، قرر الكاتب الروماني الذي طالما وقف على تخوم اللغات، أن يكتب مسرحيته التي تعد الأولى في مشواره الأدبي والمسرحي، والتي قرر في البداية تسميتها “الإنجليزية بلا عناء”.

وما هي إلا زلة لسان لأحد الممثلين خلال حصة تدريبية نادى من خلالها “المعلمة الشقراء” (التي كانت أصلا في النص) بـ”المغنية الصلعاء”، حتى جعلت يونسكو يعتنق الكلمة الجديدة ويجعلها اسما لمسرحيته.

لم يكن يخطر في خلد الكاتب أن يتحدث عن مغنية صلعاء بل لا وجود لها أصلا، في متن النص وأحداثه وشخصياته الهائمة إلا من خلال جملة عابرة، استخدمت مرتين من خلال سؤال عن حالها، وجواب يقول إنها لا تزال تصفف شعرها.

ساعة من عمر هذه المسرحية العجيبة، يبحث خلالها المتفرج ـ أو القارئ ـ عن مغنية صلعاء من لحم ودم، وقد يقول لنفسه “لا شك أن الموضوع قد يكون غريبا أو مسليا”، لكنه يجد نفسه أمام زوجين واهني الحركة، يجلسان إلى مدفأة خشب، ويتبادلان حديثا عديم المعنى، عصي الدلالة وأشبه بالكلمات المتقاطعة.

إنهما الزوجان “سميث” القاطنان بأحد أحياء لندن البرجوازية، ينتهيان للتو من العشاء، أي في حدود الساعة التاسعة مساء، على وجه الدقة التي تبدو زائدة عن اللزوم، ويبدآن في سرد جمل خالية من الترابط المنطقي، ولا يصل منها إلى ذهن المتلقي سوى فكرة واحدة وهي أن العائلة التي يتم الحديث عنها، جميع أفرادها من بيت “بوبي واتسون” الذي يمثل الناظم المشترك ـ إن كان هناك من ناظم ـ لجميع الشخصيات الفاعلة في الأحداث المتكررة، وعديمة الجدوى: الخادمة بوبي، وهي منغمسة بجدية تامة في حوار لا منطقي، الضيفان مارتان، واللذان يدلي كل واحد منهما بدلوه في نقاش لا يُعرف له أول ولا آخر ثم قائد مطافئ يدق الباب أربع مرات ليدخل هو الآخر في الحديث الذي لا يفضي إلى أي شيء.

الخشب القديم يحترق وتفوح رائحته من المدفأة في المسرح الصغير، وكاشتعال النار والتهام ألسنتها لبعضها بعضا، يدور حوار الطرشان الذي يقطعه في كل مرة حضور قائد فريق الإطفاء الملول.

هذان الزوجان المسنان من عائلة سميث، يتبادلان عبارات الصمت والهمهمة والإيماءة والكلام منذ زمن بعيد، ويكتشفان في كل مقطع من المسرحية أنهما غريبان إلى حد الفاجعة فكأنما كثرة الاقتراب لا تعني الألفة والمعرفة والتفاهم، بقدر ما تصنع فعلها في الاغتراب والتيه، والإحساس بعبثية وعدمية ما يحدث.

موضوع المسرحية يدور حول زوجين تقدمت بهما السن، وعلى الرغم من ذلك نرى من خلال ما سيأتي من حوارات، أن كليهما يجهل الآخر تماما، ويعجزان عن التواصل رغم أنهما قضيا معا حياة مشتركة طويلة كما في المؤسسة الزوجية التي يشير إليها يونسكو كثيرا في مسرحيات أخرى مثل “الدرس” و”الكراسي”. وفي هذا الوضع، يقول الناقد اللبناني إبراهيم العريس، “تصبح الأشياء البديهية غير مؤكدة يتطرق إليها الشك، ويمسي الناس غير متيقنين من هويتهم أو من معانيهم”.

كل هذه الشحنة من الاحتجاج والغضب إزاء عبثية ما يحدث، أودعها يونسكو مسرحية تقع في فصل واحد وتتوزع أحداثها (التي لا تحدث) في 11 مشهدا، تتمحور كلها حول ثرثرة مدهشة وتكرار أخّاذ إلى جانب ملل آسر، صنعه يونسكو من الإحساس باللاجدوى بين زوج يجلس كثيرا إلى جرائده فيما يدل على اليقين الكاذب، وزوجة تقف عادة بكعب حذائها العالي في محاولة استحضار لشباب لن يعود.

يوجين يونسكو انتظر 70 عاما كي يفهمه الناس
يوجين يونسكو انتظر 70 عاما كي يفهمه الناس

ولهول ما يحيط بهذا الفضاء من ضجر، يأخذ جميع من يحيط بالزوجين سميث، اسم “بوبي واتسون” إلى أن تبلغ العبثية ذروتها في وصول الضيفين “مارتان” اللذين كانا في البداية، يتحدثان إلى بعضهما البعض كغريبين، ولكن بالتدريج يتبين أنهما من مانشستر، وصلا إلى لندن في الوقت نفسه ويقيمان الآن معا في البيت ذاته بل وينامان في نفس السرير، وكل منهما أبوان لطفل واحد.

“المغنية الصلعاء” مسرحية يتناوب ويتبادل فيها الأدوار مفهومان اثنان هما المتوقع والمستغرب، فكل ما يُنتظر حدوثه لا يأتي، وكل ما يُستبعد مجيئه يصبح مستأنسا ومألوفا: يقرع جرس الباب فيفتحون ليجدوا أن لا أحد عند الباب، رئيس عمال الإطفاء يأتي لإخماد حريق لم يندلع ثم يغادر ببطء معلنا أنه على عجلة من أمره.

التكرار وتبادل الأدوار خاصية أساسية في رسم دائرية الأحداث وانغلاقها على نفسها في مسرح يونسكو، وفي “المغنية الصلعاء” على وجه الخصوص، إذ يتابع آل سميث وآل مارتن، تبادل حوارات تنضح عبثية وتقطر غرابة إلى حد الضحك، فحين يقارب الزمن المسرحي على نهايته، يدور الجميع في محله ثم يجلس السيد والسيدة مارتن على كرسيي السيد والسيدة سميث ليبدآ في ما بينهما نفس العبارات التي كان الثنائي الأول قد افتتح بها المسرحية.

وهكذا يُسدل الستار على مسرحية لا تنفك حواراتها وجملها الغريبة تسكن ذهن المتفرج بعد خروجه من ذلك المسرح الصغير الذي ارتبط باسم يونسكو ومسرحيته التي عمّرت وسكنت فيه لعقود طويلة، وظلت أطياف شخصياتها ماثلة بين جدرانه كالأشباح.

نظرة سريعة إلى حوارات المسرحية تجعلنا نكتشف روحا شعرية وثابة، وحكمة تسخر من الحكمة في صياغتها البدائية الساذجة كهذا المقطع الذي نختاره على سبيل المثال أو الحصر المتعمد:

  • السيدة سميث: ذهب خالي للجبل مسرعا، لكنه لم ير المرأة الحكيمة.
  • السيد مارتن: الورق لأجل الكتابة، القط لأجل الفأر، الجبن لأجل الخدش.
  • السيدة سميث: تمضي السيارة مسرعة، لكن الفرن يستعمل لطهي الأطباق الشهية فقط.
  • السيد سميث: لا تكونوا كالديّكة الرومية، سلموا على المتآمر.

ما سرّ هذا الخلود الذي طبع المسرح العبثي حتى جعله يتفوق على نظيريه التراجيدي، أو حتى الكوميدي ذي الانتشار الكبير؟
ما سرّ هذا الخلود الذي طبع المسرح العبثي حتى جعله يتفوق على نظيريه التراجيدي، أو حتى الكوميدي ذي الانتشار الكبير؟

ترى، ما سرّ هذا الخلود الذي طبع المسرح العبثي حتى جعله يتفوق على نظيره الملحمي أو التراجيدي، أو حتى الكوميدي ذي الانتشار الكبير؟ وفي هذا الصدد يجيب الباحث إبراهيم سعد، بقوله “أفضل ما في مسرح العبث بالنسبة لي، أنه يجعلنا دائما نفترض الأشياء على غير موضعها المألوف، ومن خلال التهكم والسخرية، والمفارقة اللغوية”، ويضيف سعد، في توصيف مسرح اللامعقول “إنه يُعرّي الواقع تماما، ويضعنا فجأة في مواجهة حاسمة مع قيم فاسدة، وأفكار مستهلكة”.

موجات الرفض والاستنكار التي قوبلت بها المسرحية في أول عروضها عام 1950، سرعان ما أصبحت نوعا من الإدمان على هذا اللون المسرحي ذي النزعة العبثية، خصوصا بعد أن اتخذت “المغنية الصلعاء” في فبراير من عام 1957 من مسرح “لا هوشيت” الصغير بالدائرة الباريسية الخامسة بالحي اللاتيني في باريس مقرا جديدا لها، ومنه عرفت كيف تشق طريقها ببطء نحو الشهرة وإلى قلوب الجمهور.

وفي هذا الفضاء الحميمي الدافئ كتب يونسكو، رسالة عام 1960 قال فيها “نجاح كبير على مسرح صغير أحسن من نجاح صغير على مسرح كبير، وأحسن كذلك من نجاح صغير على مسرح صغير”. وهكذا صار مسرح “لا هوشيت” اليوم بمثابة متحف يأتيه الزوار من كل مكان، للتمتع بـ”المغنية الصلعاء” التي أخرجها العديد من المخرجين العالميين أشهرهم نيكولا باتاي.

مسرحية “المغنية الصلعاء” برفقة توأمتها “الدرس” لنفس الكاتب، حطمت الرقم القياسي العالمي بخصوص العروض التي تقدم في المكان نفسه ومن دون انقطاع منذ ما يقارب 60 عاما. حيث قدمت على نفس الخشبة قرابة تسعة عشر ألف مرة متتالية، وشاهدها في آخر إحصاء جرى عام 2019 أكثر من مليوني متفرج بنفس الإخراج، وعلى نفس الكراسي، وتقريبا بممثلين بالكاد يتغيرون. وحصلت “المغنية الصلعاء” مع “الدرس” عام 2000 على جائزة موليير الشرفية.

لا يمكن الحديث عن المحطات الأساسية في تاريخ المسرح وتطوره دون التوقف عند واحد من أهم رموزه وأعلامه ومنظريه، إذ يكفي النظر في إنجازات يوجين يونسكو، الأكاديمية (عضوية أكاديمية اللغة الفرنسية عام 1970) وكتاباته التنظيرية ومن ثم مؤلفاته الإبداعية التي تزيد على أكثر من 30 عملا، مثل “الدرس”، “ضحايا الواجب”، “المستأجر الجديد”، “الكراسي”، “الخرتيت”، “الملك يحتضر”، “القتلة”، حتى ندرك أننا أمام قامة إبداعية استثنائية غذتها حياته المتنوعة وتجربته الشخصية، فالرجل الذي ولد في بلدة سلاتينا الرومانية، من أب روماني وأم فرنسية، وقضى فترة طويلة من حياته في السفر بين باريس ورومانيا، متنقلا بين أكثر من مهنة، جدير بأن يعدّ اليوم، من أبرز وجوه المسرح العبثي في العالم، وذلك للفضل الذي يعود له في تفكيك البنية الكلاسيكية للكتابة المسرحية.

مسرح "لا هوشيت" حيث قدمت المسرحية تسعة عشر ألف مرة وشاهدها أكثر من مليوني متفرج بنفس الإخراج وعلى نفس الكراسي
مسرح "لا هوشيت" حيث قدمت المسرحية تسعة عشر ألف مرة وشاهدها أكثر من مليوني متفرج بنفس الإخراج وعلى نفس الكراسي

أطلق يونسكو طلقة الرحمة على تلك البلاغة اللغوية المهترئة بحواراتها الفاترة للمسرح الذي جاء قبله، أوجد مفاهيم جديدة للحدث الدرامي وآليات تصعيده بالشكل الذي يجعل فيه من اللغة مجرد ذريعة للتواصل الإنساني، في حين أنها من أكبر العوائق وأخطرها في الحضارة البشرية.

كان يوجين، واعيا لكل ما يفعله ويقدم عليه في فن الكتابة حتى وإن تعلّق الأمر بأسماء تلفها هالة التقدير الزائد والتفخيم مثل برتولد بريخت، الذي سبقه للكتابة المسرحية، وتمسك بتلك النزعة الملحمية التي تبالغ في تمجيد البطولة الفردية إلى حد السقوط في الأسلوب التعليمي كما يرى يونسكو، ولفيف من كتاب الموجة التي ينتمي إليها.

وإمعانا في ما ذهب إليه من مفهوم مغاير للكتابة، يقول يونسكو في إحدى حواراته: إن الكاتب ليس مربيا أو خطيبا واعظا، فالإبداع يستجيب لضرورة فكرية ملحة. الشجرة هي شجرة وليست محتاجة للتعريف بنفسها كشجرة. وهي في غنى عن تصريح مني لتبرر وجودها كشجرة.

القارئ والمتتبع لأعمال يونسكو، يكتشف أن هذا الكاتب العبثي “لا يعبث” ولا يتقصد السخرية والإضحاك بل هو واثق الخطوة في ما يذهب إليه من رغبة في التعرية ودق ناقوس الفجيعة والتنبيه، وذلك ضمن نظرة سوداء تخفف منها السخرية والغمز إلى نوع من “النرجسية” في نظر بعضهم، لكنها الحقيقة التي يستهزئ من خلالها يونسكو بالمنظرين لفكرة القيمة المضافة للفن كما في قوله “يمكن أن نقيم الدليل على أن التقدم الاجتماعي هو أفضل مع قليل من السكّر”.

فالعبث يقتل اللغة. والمأساوي الكامن والمضمر في مسرحية “المغنية الصلعاء” 1950 يظهر جليا في مسرحية “الدرس” 1951 حيث يكشف المأساوي عن نفسه من خلال الجمل والعبارات.. وهكذا ننتبه إلى أن يونسكو، يؤسس للأدب المأساوي عبر النزعة العبثية، ومن خلال تهشيم اللغة والاستهتار بما تدعيه من رسالة للتواصل والتبليغ.

هكذا يقطع يونسكو، الطريق على نقاد التأويل السلبي لأعماله، ويسأل “هل ينبغي أن أكون قديسا لكي يتنازل الناس ويستمعوا لما أقول”، ثم يستطرد “وحتى لو كنت قديسا فهل سيستمعون لي؟ إننا جميعا نخشى بعضنا من بعض..”. ويحسم يونسكو فلسفته النهائية بقوله “إن الحقد الذي يكنه بعضنا للبعض ينبغي أن يتحول، دفعة واحدة إلى حب، حينئذ يصبح كل شيء ممكنا.. أنا لم أفقد كل الأمل، وما زلت أؤمن بالمعجزة”.

16