المغني شفان هبة الله للأكراد

السبت 2014/03/15
شفان غنى للشعوب المضطهدة مع ويتني هيوستن وجيسي كينغز

عاش المغنّي والعازف والشاعر والكاتب الكرديّ شفان برور حياة يُمكن وصفها بأنّها حياة غير شخصيّة. ليس كشخصيّة اعتباريّة محليّة، بل كشخصيّة اعتباريّة عابرة للقارات، من كثرة ما كانت تلك الحياة حياة عامة. فهناك أناس كُتب عليهم أن يفقدوا حياتهم الشخصيّة كي يعيشوا شخصيّات أخرى. أو أن يعيشوا شخصياتهم واحدة إثر أخرى كي يتخلصوا منها الواحدة بعد الأخرى، كي يعثروا على شخصيّتهم الحقيقيّة. وعندها سيجدون الجدار العالي الذي بنته تلك الشخصيّات بينهم وبين شخصيّتهم الحقيقيّة.


شفان برور من أولئك الناس


ولكثرة ما اشتهر شفان سواء لدى الكرد، من شيوخهم ونسائهم وأطفالهم، ولدى غيرهم من الشعوب، ولكثرة ألبوماته وحفلاته وجوائزه العالميّة، ولشدّة ارتباط اسمه بقضايا عدّة شعوب، قد لا يصدّق الناس بأنّه لم يصل إلى الستين من عمره. وهذا عمر قصير بالنسبة إلى شخص معروف في كلّ بلدان العالم تقريبا.

ولد إسماعيل آيغون، وهو الاسم الذي سُجّل به شفان برور في دائرة الأحوال المدنيّة، في قرية “صوري” أو سورك التابعة لمدينة أورفا (الرّها) في كردستان التركيّة يوم 23 سبتمبر من عام 1955، لأبوين كردييّن.

وتابع تعليمه، ضدّ رغبة والده في أن يكون مزارعا مثله، حتّى أنهى المرحلة الابتدائيّة بتفوق، ثمّ انتقل إلى مدينة أورفا كي يدرس هناك بقيّة المراحل التعليميَة.

“كان عليّ أن أعمل في مهن كثيرة منذ الثالثة عشرة من عمري، كي لا أشاهد نظرة العتب الكرديّة القاسية في عيني والدي، لأنّني ركلتُ نصائحه وعمله وعمل أجداده في الزراعة”، يقول شفان في إحدى المقابلات التي أجريت معه.

شفان واسمه الأصلي إسماعيل آيغون، وقف ضد رغبة والده في أن يكون فلاحا مثله، وقاوم ضغوط الحياة من أجل أفكاره المختلفة، فظل يرعى الغنم ليلا ويدرس نهارا

ومن أجل ذلك، ومن أجل أقدار يجهلها مراهق في ذلك العمر، سيعمل شفان برور، الراعي المخلّص بالكرديّة، في عدّة مطاعم ومصانع ليستطيع أن ينفق أثناء دراسته بعيداً عن دعم العائلة. وليُكمل دراسته الجامعيّة في الرياضيّات والجيولوجيا، وليس في كليّة الموسيقى التي أتقنها لوحده، في العاصمة أنقرة.


طفولة ومراهقة وحكم بالإعدام


لابدّ للجينات الوراثيّة أن تعمل عملها الدقيق والمحظوظ في جسد وعقل وحساسية وحنجرة شفان. فجده كان عازفاً مشهوراً على آلة الناي، ومغنّيا مطلوبا في الموالد الدينيّة والأعراس.

كان جدّه يملك ذلك الصوت الشجيّ والعذب. وكان الناس يظلّون يطلبونه لإحياء حفلاتهم، رغم أنّه كان يجعلهم يبكون في كثير من الأحيان.

ربّما هذه الجينات هي التي ستزيّت باكرا تلك الحنجرة التي امتلكها شفان. وهي التي ستجعله يركض خلف الأغاني والأسئلة الوجوديّة الكبرى، بدل ركضه خلف الأغنام التي كان عليه حراستها في الليل، كنصيب من اسمه الرقيق ذاك. أو ربّما كي يشاهد الوالد زراعته الخاصّة به كجينة وراثيّة رعويّة وخصبيّة، هذه المرّة، إن صحّ التعبيران.

فمنذ الصغر كان يشدّ قلوب أهل قريته بطبقات صوته المختلفة، وكانوا يعطونه مكافآت من أجل أن يظلّ يُغنّي لهم. “شفان رجاء غنّ لنا وسوف نعطيك السكاكر والحلويّات”. كان أهل القرية يرجونه هكذا كما يذكر ذلك شفان ضاحكا في أحد حواراته.

هذا الحظ سيقف إلى جانبه طويلاً، وإلى حدّ الآن، كما حصل معه في أول حفلة غنائيّة خاصّة به في عام 1970، وهو في الخامسة عشرة من عمره، عندما حضرها ما يُقارب ثلاثين ألف شخص، وهذا الحدث سيجعل اسم شفان يطفو على سطح الأغنية الكرديّة، كرائد لها، ويظلّ عائما هناك ولا يغرق.

في تلك الأيام، ومن وقت تأسيس الجمهوريّة التركيّة على يد رئيسها الأول مصطفى كمال أتاتورك في عام 1923، كانت القوانين تحرّم الحديث باللغة الكرديّة، إذ كان من شأن ذلك تعريض المتحدّث إلى السجن وربّما الإعدام، مع وجود الرنين الدائم للتهم الملفّقة في جيب القضاة القومييّن.

وكان يحقّ لرجال الجندرمة (الجيش التركيّ)، من دون التقيّد بأيّة إجراءات قانونيّة يفرض الدستور احترامها، أن يقتحموا أيّ منزل تُسمع منه أغنية كرديّة، ولو كان شخصا عاديّا يدندنها، أو كانت أغنية يستمع إليها. وكان يحقّ لهم تحطيم ذلك المنزل فوق رؤوس ساكنيه، وسيق ربّ البيت إلى السجن عرفيّا لسنة على الأقل، قبل عرضه على أيّة محكمة.

هذا بالضبط ما يمكن قوله عن شجاعة ذلك المراهق شفان كي يسمع طنبوره الكرديّ ثلاثون ألف شخص، يُحيط بهم وبمكان الحفل، العشرات من الجندرمة. ومن ذلك الوقت صدرت الأوامر السرّية باعتقال شفان، وليس بمراقبته فحسب.

في عام 1972، وفي جامعة أنقرة أيضاً، سيسطع نجم شفان أكثر مع قيادته لحملة التضامن مع الاحتجاجات الكرديّة التي اندلعت ضد النظام العراقي، أما أول ألبوم غنائيّ له فسيكون في عام 1975، وسيكون عليه الهرب إلى خارج تركيّا في عام 1976، بعد أن صدرت الأوامر باعتقاله، ومن ثمّ الحكم عليه بعقوبة الإعدام غيابيّا. سيُقبل المغنّي الماركسيّ الثوريّ والقوميّ الكرديّ، آنذاك، كلاجئ سياسيّ في مملكة السويد، وسيحصل على جنسيّتها. ولكنّه سيفضّل الاستقرار في ألمانيا، لوجود جالية كرديّة كبيرة هناك.

تحول شفان إلى سفير للمحبّة والسلام، بعد أن حصل على ثقة الشعوب المضطهدة التي غنى لها. وأنشأ في العام 2004 مجمع شفان برور الثقافي الدولي في مدينة فرانكفورت الألمانية


شعب وهوية


في ألمانيا سيصبح شفان ممثلاً لكلّ ما يعتر شأنا كرديا. وسيقوم بإيصال هموم وعذابات ونضال وهويّة الكرد إلى كلّ مكان يصل صوته إليه.

ومن ألمانيا سيزداد عدد ألبوماته عاما بعد عام. وسينتظر الأكراد صوت شفان كي يهدهد لهم تاريخهم غير المدوّن، بتدوينه صوتيا. لذلك غنّى أشعار الشاعر الكرديّ الكبير “جكر خوين” ( 1984-1903)، التي تتحدّث عن تاريخ ونضالات الكرد، وخاصّة قصيدته “مَن نحن؟” من ديوانه الأشهر ” مَن أنا”، إلى الدرجة التي وصف فيها جكر خوين إبداع شفان على أنّه “صوت شعره”.

شفان سيغني عن قضيّة وهويّة الأكراد للعالم، وسيغني للأكراد جميعاً، وبجميع لهجاتهم المختلفة، عن تاريخ وجودهم وتاريخ نضالهم وتاريخ انتصاراتهم وتاريخ انقسامهم المتواصل. سيغنّي عن “القاضي محمد” و”عبد الرحمن قاسملو” ومناضلين آخرين تمّ قتلهم لدفاعهم عن الهويّة الكرديّة. لذلك كان “مقدّسا” ومسموعا ومقدّرا من كلّ الأحزاب الكرديّة غير المتفقة في ما بينها، قبل أن ينقلب على دعمه لقتال حزب العمال الكردستانيّ في حربه مع تركيّا، بعد تورط الحزب في قتل أحد قيادييه في السويد.

ولم ينس كوادر الحزب موقفه الذي جرى منذ أكثر من خمسة عشر عاماٌ، فانتهزوا فرصة إجراء قناة تي في 6 التركيّة مقابلة معه قبل ثلاث سنوات، ثمّ زيارته الأخيرة لتركيّا، حتى يهاجموه بقسوة لن يلتفت لها ولهم شفان.

في تركيا كان يحق لرجال الجندرمة العسكريين اقتحام أي منزل تسمع منه أغنية كردية، ولو كان شخصا عاديا يدندنها، ليبدؤوا بتحطيم المنزل فوق رؤوس ساكنيه


التبرع بريع الحفلات


سيُحيي شفان العشرات من الحفلات الغنائيّة، وسيتبرّع بريعها للاجئين الأكراد الذين نزحوا إلى تركيّا بسبب نظام صدام حسين. مثل الحفل الموسيقيّ الضخم في عام 1991، الذي حمل عنوان “الحقيقة البسيطة”. وغنّى وقتها مع كلّ من توم جونز وجيسي كينغز وويتني هيوستن وستينغ وبيتر غابرييل وغيرهم. ونظم عدة حفلات موسيقيّة في الآونة الأخيرة، لمساعدة اللاجئين الكرد الذين نزحوا إلى العراق بسبب وحشيّة نظام بشّار الأسد.

سيغنّي عن المدن الكردية في الأقسام الأربعة لكردستان، عن “حلبجة” في كردستان العراق، وعن “قامشلو” في كردستان سوريا، وعن “آمد – ديار بكر” في كردستان تركيا، وعن “مهاباد” في كردستان إيران.

سيعبّر شفان عن ذلك بقوله: “أريد لأغنياتي أن تحمل رسالة عن شعبي وحقيقتهم ووضعهم ومعاناتهم ومآسيهم. أريد أن أعطي الموسيقى الكرديّة وجها وهويّة”، من ناحية شخصيّة سيلتقي شفان في ألمانيا بالمغنّية والسياسيّة والمذيعة الكرديّة “كلستان” وسيتزوجها.

وبالإضافة إلى تلحين وكتابة الكثير من أغانيها، سيشكل معها ثنائيّا ناجحا للأغنية الكرديّة، سواء الفلكلوريّة منها أو الحديثة.


شعوب مضطهدة


لم يغنّ شفان عن الكرد وللكرد والقضيّة الكرديّة فحسب، بل غنّى عن فلسطين والفلسطينييّن، كما غنّى للمسحوقين والفقراء في تركيّا، وأهدى أغنية للمغنّي الأفريقي الأسود “روب سون”، كمّا غنّى أغنيته المعروفة عن “هوشي منه”. وغنّى كذلك بالعربيّة.

بسبب كلّ ما ذكرناه عن دور الأغنية السياسيّة ونضالها ونضال شعوبها، واعتبار شفان أحد روادها على مستوى الشرق الأوسط، لم تمنع أغانيه وإقامة حفلاته في تركيّا فحسب، بل منعت حتى في العراق، قبل سقوط نظام صدام حسين، وفي إيران وسوريّا. بل إنّ مجرّد ذكر اسمه وهويته من خلال غناء المغنّي السوريّ المعروف سميح شقير أغنيته الشهيرة “لي صديق من كردستان.. اسمه شفان” نزولا عند رغبة الجمهور الذي حضر حفلته على مدرج قلعة حلب في عام 1987 في مهرجان بصرى، وهو مهرجان رسمي كانت تقيمه وزارة الثقافة السوريّة، كاد يؤدّي إلى اعتقال سميح شقير وفرقته من منصّة الاحتفال مباشرة، بعد تدخّل المسؤول في الوزارة ورجال المخابرات السوريّة لمنعه من إتمام الغناء.

سيردّ شفان الجميل لسميح شقير، وللشعب السوريّ المضطهد، ولأغنيته تلك بأغنية، باللغة العربيّة، بعد أسابيع من اندلاع الثورة السورية، والتي يقول مطلعها: “سلام من صبا بردى أرقّ/ ودمع لا يكفكف يا دمشق”.

بدأت تحدث تحوّلات في فكر وغناء شفان نفسه، دفعته إلى أن يكون سفير المحبّة والسلام، ولكن ليس على حساب قضيّة الشعب الكرديّ. وهذا ما جعل شفان يحوز ثقة الشعوب، التي تناهض سياسة حكوماتها الأكراد وحقوقهم، وينشئ في عام 2004 مجمع شفان برور الثقافي الدولي في مدينة فرانكفورت الألمانيّة.

كان الأمر يبدو وكأنّ شفان ينفخ في الشعلة التي أشعلها “كاوا” الحدّاد، ضد الاستبداد والعبوديّة والظلم، كي تبقى شعلة الأكراد مشتعلة ولو بالغناء، كي لا يُطفئ الانقسام والوهن تلك الروح، وتلك الهويّة لسكّان الجبال.

كان يبدو الأمر وكأنّ الأكراد في ثورة دائمة، وحضور دائم، حتى لو لم تكن هناك أيّة ثورة في أيّة بقعة تتواجد فيها الغالــبيّة الكرديّة، طالـــما أنّ شفان برور ما زال يــغنّي.

15