المغني قدور حدادي كتب رواية نيابوليس

الأحد 2014/11/16
قدور حدادي موسيقار ومغن ولكنه الآن يصدر رواية

المؤلف، الملحن والمغني قدور حدادي، كاتب ليس من النوع الذي يخفي قناعاته أو يبخس الأشياء قيمتها. روايته الخيالية "نيابوليس" تتناول القضية الفلسطينية من دون نفاق أو مجاملة.

يستيقظ رجل فاقد الذاكرة في غرفة الفندق. في الخارج، طلقات نارية. بمدينة نيابوليس المحاطة بالأسوار، نقاط تفتيش وجنود، يقود تحقيقا للبحث عن ذاكرته فيصادف رجالا، نساء وأطفالا، يبدو أنه بات يجهل من هم هؤلاء.

روايته نيابوليس مفعمة بالشعر تقرأ مثل رواية بوليسية، هي الثانية له بعد “أنا أكتب، إذن أنا موجود” (منشورات “ريفنوف” (Riveneuve)، 2012)، يكتب قدور حدادي وفي جعبته الكثير من الأشياء ليحكيها عن فلسطين والفلسطينيين، وهو على ما يبدو يعرف أكثر مما نعتقد.


المغني اليساري


في مقال نشر بأسبوعية “نور إيكلير” الفرنسية كتب الصحفي أدريان لوليافر أنه عندما طلب من قدور حدادي الحديث عن اليوم الذي طبع مسيرته كفنان، كان يتوقع أنه سيحار في الاختيار. فمنذ بداياته أواسط سنوات 2000، جاب ابن مدينة روبيه (شمال فرنسا)، خشبات أكبر المهرجانات في فرنسا. لقد غنى بباريس في ساحة لاباستيي أمام أكثر من مائة ألف متفرج، لدعم جبهة اليسار. سجل، بالطبع، عددا كبيرا من الأسطوانات صحبة مجموعة “ماب” (MAP) (التي ترمز حروفها لـ وزارة الشؤون الشعبية) و”ه. ك” (HK) وسالتيمبانكس (Saltimbanks). لكن الموسيقار لم يتردد لثانية واحدة قبل أن يقول: "اخترت أن أتحدث عن اليوم الذي ذهبت فيه للغناء في غزة في نيسان 2008".


نحو فلسطين


في غزة، هناك عدة أماكن تبدو أقل خطراً لإقامة عرض على خشبة مسرح، يقول الفنان، الذي كان يشتغل حينها ضمن مجموعة “ماب” بشكل رسمي: “تعود القصة إلى عام 2007، لقد قمنا بجولة في فلسطين كانت رائعة. أقمنا عروضا في رام الله، بيت لحم، أريحا والقدس، لكننا لم نتمكن من إقامة الحفل الذي كان مزمعا إحياؤه في غزة، لأن الوضع هناك كان متوترا بالفعل”.

بعد عام، وبفضل المجهودات الخاصة التي بذلها مدير المعهد الفرنسي في غزة، تمكن قدور حدادي من دخول تلك الأراضي المحاصرة بين إسرائيل ومصر.

“محاسن الصدف، ضربة حظ، أو هدية من القدر” من المؤكد أن شيئا من ذلك كان يدور في مخيلة الفنان الملتزم. عادة، يجب بذل جهود مستحيلة للمرور عبر معبر إيريتز، نقطة العبور الوحيدة بين إسرائيل وقطاع غزة. لكن هذه المرة، بسبب إجراء طوارئ غير اعتيادي، تمكن المغني من الانسلال إلى غزة “تقريبا كما تنسل الشعرة من العجين”.

كان للسفر إلى فلسطين وقطاع غزة في 2007 و2008 أثر عميق في نفس قدور حدادي كموسيقار وإنسان


الموسيقى أقوى


يفسر المغني قائلا: “بالنسبة إلينا، كان من المهم جدا أن يكون باستطاعتنا القول إن بإمكاننا الغناء في كل مكان، بما في ذلك غزة”، واقتناعا منه بأن الموسيقى يجب أن تكون أقوى من الحواجز ونقاط التفتيش، فإن إحياء سهرة في غزة، كان أيضا بالنسبة إليه طريقة لإتمام جولة 2007. بعيدا عن المعايير المعتادة للمجموعة، تم إحياء الحفل في الهواء الطلق في حدائق المركز الثقافي الفرنسي، أمام نحو مائتي شخص، هكذا يذكر الفنان بصوت يطبعه الحنين.

بالرجوع إلى تلك الذكرى، يحتفظ قدور حدادي، في المقام الأول، بذلك البُعد وتلك الأهمية الرمزية لذلك الحدث في أبريل 2008، والذي يقول إنه استخلص منه مفخرة عظمى: “لقد تخطينا الجدران، تحدينا المحظورات، وتمكنا من تقاسم أوقات طيبة مع أهل غزة، وأيضا أبدينا استنكارنا وإدانتنا”. وبشيء من السخط والتذمر، يرى أنه بعد ست سنوات، لم يتغير شيء على أرض الواقع.


رواية نيابوليس


كان للسفر إلى فلسطين وقطاع غزة في 2007 و2008 أثر عميق في نفس قدور حدادي كموسيقار وإنسان. على الفور وفي المكان نفسه، كان ينقل في مذكرة الرحلة كل الخدوش التي حُفرت في ذاكرته، يتحدث للموسيقيين المحليين ويغذي شغفه بتاريخ المنطقة. لحظة مؤسِّسة بالنسبة إلى هذا الفنان الذي، لم ينتظر فوات يوم الجمعة 18 يوليو حتى أدان على صفحات موقعه الإلكتروني تقاعس فرانسوا هولاند وتخاذله في الصراع الحالي بين إسرائيل وقطاع غزة.

على خلفية الأيام التي قضاها هناك، أبدع كتابه وعنوانه "نيابوليس"، الذي سيتم نشره من قبل “ريفنوف” (Riveneuve) في سبتمبر 2014. نيابوليس هو الاسم الروماني القديم لمدينة نابلس، وهي مدينة مشهورة في المشرق لأنها تضم أماكن مقدسة لدى المسلمين، المسيحيين واليهود. تسرد هذه الرواية استيقاظ رجل في بلد وهمي، محتل ويعيش الحرب. وأيّ تشابه مع الواقع هو من قبيل الصدفة البحتة، كما يقول.


قلم وميكروفون


تحت عنوان “حدادي مرتاح وهو يعتمر قبعتي الكاتب والفنان”، كتبت جريدة “لومانيتي” (l’Humanité): “كنا نعرف قدور حدادي الشهير بـ”ه. ك” كمغنّ ومواطن عالمي. إنه لا يكلّ، لا يملّ، وهو دائم الحضور حيث لا ننتظر. التزامه في عمق اليسار لم يفقده طابعه الساخر. من الأغنية إلى السرد، خطوة واحدة اجتازها بشراهة. في 2012، استبدل الميكروفون بالقلم.

"نيابوليس" رواية مفعمة بالشعر

روايته “أنا أكتب، إذن أنا موجود” كانت سيرة ذاتية ومناسبة للدفاع عن قيم التشارك والتضامن. بعيدة عن أن تكون مجرد ضربة سيف في الماء، تلك الرواية كانت فألا لذيذا ينبئ بقدوم كتب أخرى. هذا ما حصل بالفعل مع "نيابوليس". من خلال رجل فاقد الذاكرة، يسائل “ه. ك” ذاكرتنا”.

حدادي ظل يفاجئ الجميع بشكل مستمر، فبعد النجاح الكبير لأغانيه الأولى التي تمزج الثوري بالعاطفي، والتي نذكر منها على الخصوص “الفارُّون” و”نحن لا نفلت شيئا”، أبهر الجميع من جديد بخاصيته متعددة الثقافات حين أعاد اقتباس الخالدات الفرنسية في قالب شعبي مخلص لأصوله الجزائرية. وها ذي "نيابوليس" الخيالية تعرض بشكل فلسفي، شاعري وإنساني واقع القضية الفلسطينية: “اليوم، أنتظر بفارغ الصبر أن تأتي الشرطة لاستنطاقي. لديّ أخيرا أجوبة لأسئلتهم! بالتأكيد، ليست الأجوبة التي يتوقعونها، إنها أجوبتي الخاصة. ولن أغير سطرا واحدا منها.(…) لو سألوني ما اسمي، لن أكذب. لن أكذب بعد اليوم أبدا، لا عن اسمي، لا عن “فقدان ذاكرتي”، لا عن كيف أراهم وكيف أرى سركهم: سأقول لهم، حتى ثبوت العكس، اسمي لا أحد!”.


مقتطف من الرواية


“هل سمعتم أيها الأطفال، حكاية أولئك الغزاة الذين قدموا من البحر؟ قراصنة همجيون، حلوا فجأة على شواطئنا، بالمئات، بالآلاف.

أولئك اللصوص الذين لا يعرفون إلا النهب والتخريب، تَوجَّب احتجازهم إلى الأبد وراء جدران مدينة عتيقة: نيابوليس، اسم كالأسطورة. نيابوليس، الافتراضية، الوهــــمية، سجن خـــيالي في الـــهواء الــطلق.

لو قلت لكم إني رأيتها بأم عيني، تجولت فوق ترابها، ولامست جدرانها.

لو قلت لكم إنني مشيت على طول شوارعها التي لا تنتهي، وسط شعب البحر، وسط أبناء كنعان. لو قلت لكم إن نيابوليس موجودة منذ ملايين السنين، إنها في الواقع مأهولة من قبل مزارعين، حدادين، تجار وشعراء؛ من الممكن جيدا ألا تصدقوني.

على كل حال، فأنا أطلب منكم ذلك، قبل كل شيء، لا تأخذوا بأقوالي. لا تصدقوا أبدا أي شخص من خلال الأقوال.

ابحثوا واعثروا بأنفسكم على تلك المدينة الخفية، على بعد بضعة أميال فقط من ضفاف البحر الغربي؛ تهيمن عليها من الشمال والجنوب اثنتان من تلال كنعان المقدسة؛ منعزلة وراء أسوار ضخمة. حاولوا الدخول إن استطعتم، ومن ثم انظروا بما ستحدثكم أعينكم. ابقوا هناك طالما أمكنكم.

عيشوا هناك قدر ما استطعتم، ومن ثم انظروا بما يحدثكم قلبكم.

اطبعوا بداخلكم تلك الصور، احفروا تلك اللحظات، لا تضيّعوا شيئا، حافظوا جيدا وبكل عناية على ذلك كله في أعماق كيانكم. أتوسل إليكم، لا تدعوا الناس ولا الزمن، ولا المرض، يمحو ذلك مــن ذاكرتكم”.

12