المغول الجدد وقد خرجوا من بيننا

الأربعاء 2014/08/13

كان هناك في الولايات المتحدة محافظون جدد، نكبوا العالم بنظرياتهم العدمية التي دفع ثمنها المباشر بلدان هما أفغانستان والعراق، أضاعا المستقبل بعد أن تم تحطيم ماضيهما وتزييف حاضرهما.

لا تزال هناك الكثير من البلدان والشعوب تعاني من بقايا السموم التي دسها المحافظون الجدد في طعام السياسة الدولية، بالرغم من أن الرئيس الأميركي باراك أوباما حاول أن يعتذر للعالم عما اقترفته الولايات المتحدة من جرائم بحق المعتقلين، وهم ضحايا الحقبة التي حكم فيها المحافظون الجدد، ليست أميركا وحدها، بل العالم كله بعد أن صار ذلك العالم يمشي على رجل واحدة. ولكن حدثا لا إنسانيا ولا أخلاقيا من النوع الذي يشير إليه نشوء ونمو الجماعات الإسلاموية المتشددة التي صارت تعيث بأوطاننا وشعوبنا فسادا في حاضنة مخابراتية أميركية لا يجرؤ أوباما على الإشارة إليه.

المغول الجدد هم أبناء المحافظين الجدد. هم الأبناء العمليون، رعاة القتل في الشوارع، وناشرو الرعب في أرحام النساء، ومروجو بضائع الشر وموزعو الهبات الشريرة. إن لم يصبك مقدمهم بمقتل، أصاب إنسانيتك بالقبح وكرامتك بالهدر. هم ورثة النظرة العدمية التي رسخها المحافظون الجدد في ذاكرة البشرية. لنحاول أن نضع رايات وأناشيد تنظيم داعش جانبا. ما الذي يتبقى؟ لن نرى سوى “بلاك ووتر” بلباس أفغاني ولحى مغبرة وابتسامات أفاع صفراء.

في كل مكان يمر به “مجاهدو” التنظيم لابد أن تقع مجزرة وتُرفع رؤوس مقطوعة وتحرق أحياء وتقام سوق للنخاسة. كما لو أن الإسلام الذي يدعون أنهم يحملون راياته هو دين للسبي واغتصاب النساء وتشريد الطاعنين في السن والأطفال. فهل يعقل أن تنظيما جهاديا جاء ليحرر الناس من ظلمات دنياهم، صار مفتونا بتقديم أفراده على هيئة وحوش ضارية؟ في الأمر ما يريب حقا.

مغول جنكيزخان وهولاكو وتيمورلنك لم يكونوا أصحاب رؤى نورانية يسعون إلى نشرها بين جهات الأرض. كانوا أبناء قبيلة فتية سعت إلى أن تجاهر بقوتها التي تفني ولا تفنى. فما بال الدواعش يتصفحون كتاب المغول في محاولة للتفوق على الأصل، بنسخة ليست معاصرة، غير أنها تقع في عصرنا.

يقال أنهم من خلال مجازرهم وأفعالهم الشنيعة، إنما يسعون إلى خلق سمعة سيئة يرهبون بها عدوهم. أين يقع ذلك العدو؟

لا أعتقد أن داعش، بكل الجهات التي تقف وراءه وتموله، في حاجة إلى أن يعثر على عدوه. صورة العدوّ هي واحدة من أعظم الأكاذيب التي اخترعها التنظيم لتبرير أفعاله. فشذاذ الآفاق وقطاع الطرق ومرضى النفس والمتاجرون بعضلاتهم وعديمو الضمائر وفاقدو الحس الإنساني وناكرو الأخلاق، ممن سهلت لهم جهات عديدة الانضمام إلى ذلك التنظيم لا يحتاجون إلى سبب لكي يكون الآخر عدوا لهم. ولا حاجة بنا إلى سؤال من نوع “مَن يكون ذلك الآخر؟”

فالآخر لم يخترعه داعش. الآخر هو نحن. بكل أسمائنا، بكل أفكارنا، بكل أحلامنا، بمزارع حنطتنا وأرزنا وشعيرنا، إلى حقول لوزنا وفستقنا، مرورا ببساتين تمورنا وبرتقالنا ورماننا. ولأن داعش لم يخدع أحدا، فكل الذين تأملوا فيه خيرا هم مغول جدد.

لقد ابتلي العراق في تاريخه المعاصر بتجربة “بلاك ووتر” التي لم تكن سوى رمز لسواها من الشركات الأمنية التي استعانت بها القوات الأميركية لقتل واغتصاب وتشريد العراقيين، وها هو اليوم يُبتلى بنوع جديد من تلك الشركات الأمنية، مادته جيل أعمى لا ينظر إلى الإسلام إلا من ثقب الجاهلية.

كانت الحقبة التي حكم فيها المحافظون الجدد الولايات المتحدة أشبه بجاهلية جديدة أحكمت طوق عتمتها حول العالم، وما كان لما تبقى من رمادها سوى أن يعيدنا إلى ظلمات عصور لم تكن الصورة قد اخترعت فيها. وما داعش إلا محاولة لإعادة إحياء تلك العصور المقيتة، لكن بالصور هذه المرة.


كاتب عراقي

9