المغيرة الهويدي في مدارات رعب الفقد والغياب

الخميس 2015/11/05
الكتاب يأخذك إلى الداخل لتغوص في اللغة التي لم تكن غير دالّة

يضم كتاب “الحب لا يغادر البلاد “، الصادر حديثا، عن “الدار العربية للعلوم ناشرون”، للكاتب السوري المغيرة الهويدي، نصوصا نثرية وشعرية جاءت بعناوين: في الوحدة وعن، رؤى محنطة، الأم، الحب لا يغادر البلاد، في مديح جسدها، دمشق الهامش والمتن، وطن وعلم ومقبرة، الحرب لا تقول الحقيقة كاملة، وأوراق على طاولة مواطن مفقود.

يحاول الشاعر الهويدي في هذا العمل الإمساك بتلك اللحظة المفقودة وإخضاعها للتصوير الشعري، لتحضر الذاكرة باعتبارها “المحضنة الأولى” للشعر، من ثمّ تُخضع ذاتها لإدراك الشاعر ومداده الشعري، إدراك يتصل مباشرة بما حوله، وبهذا التحول الطارئ الذي قذف بـ”اللحظة” في قلب “الحرب” لتصير البلاد، بلاد العشب الأخضر والعشب الطريّ، موطنا للموت.

قوة الشعر تكمن في مدى تأثيره على القارئ، وفي ذلك الأثر الذي يتركه في النفس، إذ يحرك المغيرة بئر الأحاسيس البصرية لدى قارئه بحيث يتحول النص من نص شعري مسموع إلى نص شعري بصري متخذا أدواته من التشابه والاستعارات، إضافة إلى قدرته كشاعر من خلال الأسلوب وقوة التخيل واللغة التي يتخذها المغيرة، فاللغة لدى المغيرة إيحائية بامتياز بحيث تظهر شاعرية المشهد على الرغم من باطنه الموجع وطباعه الساخرة في آن.

يُخيّل لك وأنت تطارد “الحب الذي لم يغادر البلاد” أن الهويدي يلعب مع اللغة لعبة القط والفأر، لعبة تتضح أكثر فأكثر وأنت تغوص في الكتاب لتكتشف أنه ليس كتابا شاعريا، وإن طافت بك هذه الشعرية، ولكنه يتخذ من التكثيف والغموض الشهي والمتناقضات أبعادا أخرى ليرسم ملامح فلسفية لا تشبه غير ذاتها.

تتسلق اللغة مرارتها في “الحب لا يغادر البلاد” بكبرياء، فهي لا تفضح ذاتها بابتذال بقدر ما تسمح لك بأن تغوص داخل الصورة وتمنحك الحرية في الشعور وفق منطق التخيّل الحيّ الخاص بك، مرارة تستمدّ وجودها من الصورة الأصلية (الواقع)، وذلك الحب الذي يُسمى البلاد.

ثمة شيء هنا في هذا الكتاب يأخذك إلى الداخل لتغوص في اللغة، اللغة التي لم تكن غير دالّة بسخريتها الموجعة وتشابيهها واستعاراتها وغموضها وصورها الشعرية منها والفكرية وحتى الفلسفية؛ ترشدك إلى معنى الرعب، الرعب الذي يتجسد في هذا الفقد والغياب، اللذين ينهشان قلب كل سوري.

14