المغيّبة في الفكر العربي

الأحد 2015/02/01
لم يواصل الفكر العربي تفكير مسألة المرأة والنسوية والأنوثة

يبدو جليّا أن تاريخ الفلسفة هو ذاكرة ذكورية بامتياز، ليس فقط من حيث أن جدول الفلاسفة في معظمه يعجّ بالرجال، ويخلو إلا فيما ندر من النساء، ولكن أيضا من حيث ماهية الفلسفة نفسها كطريقة في التعاطي مع مشكلات العالم والوجود والإنسان، فقد كانت الفلسفة دوما طريقة ذكورية في رؤية العالم. ولم يشفع لها اسمها اليوناني الممعن في التأنث: “صوفيا” الذي يحيل على جمال الحكمة. منذ أفلاطون الذي نحت مفهوم الفلسفة، كان الفيلسوف يحمد الآلهة أنه لم يُخلق امرأة.

تاريخٌ طويل من الاحتقار والتهميش والإقصاء الفلسفي للمرأة والأنوثة ومسألة الاختلاف الجنسي، ذلك الذي ورثة المفكر العربي المعاصر، فهو لم يرث فقط البنية البطريركية والقبلية العربية والشرقية عموما في التعاطي مع مسألة الأنوثة، ولكنه ورث أيضا أدوات ومناهج التفكير الفلسفي المعاصر من فلاسفة غربيين لا يقلّون مركزية ذكورية وقضيبية، في مسألة الأنوثة يغدو الفلاسفة الغربيون الأكبر حداثة شرقيين حتى النخاع، لاحظ تحليلات هيدغر، فرويد، ماركس، وحتى فوكو حتى لا نتكلم عن ديكارت وهيغل وشوبنهور عدو المرأة المعلن.


تغييب المسألة


في الفكر العربي، ليس صدفة أن يثير كتاب “قاسم أمين” “تحرير المرأة” سنة 1903، ضجّة كبيرة آنذاك لأنه كان رميا لحجر ثقيل في المياه الراكدة للفكر والواقع العربييْن، حين نبّه لأهمية المسألة، ولكن الغريب هو أن الملفّ طُوي نهائيا، ولم يواصل الفكر العربي تفكير مسألة المرأة والنسوية والأنوثة بأيّ شكل من الأشكال. توالت الكثير من المشاريع الفكرية والمدونات الفلسفية، وتعددت المشارب والاتجاهات والتيارات، من ليبرالية، وقومية وتقدمية، أو إسلامية تراثية، والثابت واحد تغييب مسألة الأنوثة والنسوية.

لنقرأ مثلا مدوّنات كبرى، مثل كتابات عبدالرحمن بدوي، أو حسن حنفي أو محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وهي مدونات حداثية وتقدمية في معظمها، ومع ذلك لا نجد إلا إشارات قليلة لطرح مسألة الأنوثة والنّسوية محلّ الدرس الفلسفي، والنقاش الفكري والنقدي، فلا واحدة من هذه المشروعات حاولت التأسيس النظري لخطاب جندري، بالطريقة التي تطرح بها في الغرب أو حتى الهند والصين حاليا. باستثناء قلّة هامشية مثل كتاب نصر حامد أبو زيد: “دوائر الخوف”.

تخطيط ساي سرحان


ازدواجية المفكر


المسألة في الحقيقة لا شعورية، تتجاوز بكثير إرادة التفكير الفردي للمفكر العربي، يتجّنّب المفكر العربي والمثقف عموما، طرح مسألة الأنوثة بشكل جذري، لأن ذلك يخلخل كل الخلفية الاجتماعية والثقافية التي يعيش داخلها، ويساهم بشكل شخصي في تقويتها. فالمفكر العربي يفكّر بمقولات وأدوات معرفية حداثية لكنه يعيشُ واقعا تراثيا متخلفا، قبَليّا وتقليديا، ويدخل في علاقات اجتماعية تقليدية، مثل الزواج و تربية الأولاد، والعلاقات الأسرية، إنه منخرط فيها دون تغيير، أو مقاومة أو رفض، حتى ولو كان غير مقتنع بها فلسفيا فهو يتجنب الدخول معها في مجابهة فلسفية حقيقية.

أخيرا وليس آخرا، ثمة ردّة حداثية عاصفة عرفها الفكر العربي منذ أكثر من عشريّتيْن ولأسباب سياسية وتاريخية يطول شرحها، لقد تحول الفكر إلى فكر إسلامي وفقهي في مشاريع طه عبدالرحمن، وأبي يعرب المرزوقي مثلا، حيث تمت رسكلة المقولات الفقهية القديمة التي يستحيل ضمنها أيّ تفكير جدّي وجذري للمسألة النسوية.


كاتب من الجزائر

12