المفاخرة الكاذبة

زعماؤنا الديمقراطيون التعدديون يخشون محاسبة الجناة، وصارت المؤسسة التعليمية مهددة، وتمشي الأمور ليوم أخذ الرواتب وكفى، ومازال البعض يتحدث عن المؤامرة الكونية!
الخميس 2018/11/15
واقع لا يسر لوحة: ريم يسوف

لا يمكن أن تصدق ما يقال دون أن تتيقن من أن القائل يملك الحجج الدامغة التي تفرض عليك التصديق، فإن حبل الكذب مهما طال، ويسلكه الكثيرون، فهو قصير.

شعوب تدعي أنها تسبق غيرها وهي تعيش عصر البحث عن ملاذات العيش دون ملذاتها، ومازال مواطنوها يبحثون عن الأمان والسكن اللائق والمواصلات الكفؤة والرخيصة، وجل اهتمام الناس بات تأمين لقمة العيش، فمن أين يأتي السبق يا ترى؟

لا أريد أن أكدر خواطركم بإحصائيات التراجع في عالمنا العربي عموما، فهي معلنة في المنظمات الدولية، بل تراها في الواقع المرير الذي نعيشه، وبعض المناطق التي تخلت عن مراكزها الاعتيادية في مستويات العيش، وتدنت وانحسرت إلى دون المعقول.

لكني أجد لزاما عليّ أن أقارن حصيلة التغيرات التي حدثت في هذا العالم العربي الذي يعزو مفكروه تراجعه إلى قوى كونية فرضت عليه أن يبقى يراوح في محله، والآخرون ينطلقون إلى المستقبل بمتوالية هندسية، إلى أجيال متقدمة في التكنولوجيا وعالم السيليكون ونحن مازلنا في العصور البدائية مِن التكنولوجيا والتطور.

بتنا ننتظر المنتج الدولي لنفرح به بعد أن نصدر مادته الأولية، لنحصل على الإيرادات، بمعادلة برميل نفط بسعر خمسين دولارا بيعا، وبرميل عطر شانيل بمليون دولار شراء! دون أن نعي بأننا مازلنا غارقين في الخرافة والأوهام والعيش في حالة من النكوص الأبدي في استعارة التاريخ، وكأن منجزاتنا كلها فيه.

 فالعودة إليه يُرضي غرورنا، وهو تاريخ، بالرغم من شذراته، دموي، وصراع أبدي حول السلطة والمال وفرض النفوذ والظواهر التي تمرغ أنوفنا بالخزي والعار، حتى سقطت حضارات تحت سلطة جيل من الزعامات التافهة العبثية، وشنّع بنا خصومنا في استباحة المدن ونهب الثروات وهتك الأعراض، ومرغت الأنوف بالوحل.

لا نحتاج إلى إحصاءات تدعّم قولنا فهي كثيرة جدا بالرغم من إمكانات الأمة الهائلة والمتنوعة، ولنأخذ عاملا مهما واحدا فقط لنلمس حجم ونوع الفكر الذي يتحكم بنا حاليا، وهو التعليم الذي كان حكوميا صرفا وصار خاصا، وكيف تمنح الشهادات فيه، ومستواه العلمي ومعاييره، وأقل ما يقال عنه صار ترفا ووجاهة ليس إلّا، فبتنا نحكي عن رصانته أيام القراءة الخلدونية، وحمل المعلم للعصا، ومشاركة العائلة الإدارات المدرسية في الدعم لا الاقتتال معها حين يرسب الطالب، فبتنا نسمع حكايات مشينة تكشف سوء العلاقة بين المعلمين وأولياء الأمور تصل إلى حدّ إطلاق النار على المدارس.

وزعماؤنا الديمقراطيون التعدديون يخشون محاسبة الجناة، وصارت المؤسسة التعليمية مهددة، وتمشي الأمور ليوم أخذ الرواتب وكفى، ومازال البعض يتحدث عن المؤامرة الكونية!

24