المفارقات العجيبة

الخميس 2016/04/07

نحار أحيانا في فهم تناقض المواقف لدى من نحسبهم قدوة، ونعني هنا فريقا من المربين والكتاب والمفكرين، فهم عادة ما يدعون طلبتهم ومريديهم وقراءهم إلى إعمال العقل وتنمية الوعي وإذكاء الفكر النقدي، وعدم التسليم بما يقرؤون أو يسمعون تسليم المفتون بوحي يوحى، ولكن صدورهم تضيق إذا ما صدر عن الطالب أو المريد أو القارئ رأي يخالف ما يعتقدون، فلا تتسع حتى لتدارك سهو أو تصويب، فما بالك بالنقد، وكأن ما ينصحون به كلامٌ مجرّد، يساق في المطلق أسوةً بمقولات فلاسفة ومنظّرين وعلماء تربية، ولا يمكن التوسّل به في معارضتهم ولو من باب استكمال الفهم بحثًا عن اليقين.

من منّا لا يتذكر أساتذتنا وهم يحدثوننا حديث الإعجاب عن أدباء وشعراء ومفكرين تمرّدوا على أوضاع عصرهم ومعتقدات مجتمعاتهم وثبتوا رغم ما نالهم من ضيم واضطهاد، فإذا ما رمنا التمرّد نحن أيضا على السائد، لنحلّق نحو عوالم غير مألوفة تناسب تطلعات جيلنا، كسروا أجنحتنا وشلّوا همّتنا وتوعّدونا بالنقمة عند الامتحان.

ومن منا عارض يوما مفكّرا من مفكرينا الذين طالما عابوا على الوعي النقدي عند العرب قصوره أو غيابه أصلا، ولم يأته ردّ صاعق يَردعه عن تكرار المحاولة.

ويحضرنا في هذا الباب مثال صارخ عن مثقف في قمة الهرم الأكاديمي، إداريّا، كنّا نحسب من خلال ما نقرأ له من كتابات نقدية وتحاليل أدبية ومقالات فكرية أنه كاتب مستنير وناقد حصيف وباحث طُلَعة كما تقول العرب، فإذا هو يسلك سلوكا يناقض ما كان يدافع عنه ويدعو إلى اتباعه، حينما تعلق الأمر بعمل إبداعيّ صاغه على غير عهده بنفسه.

ما نتحدث عنه هو رواية استملحها البعض واستهجنها البعض الآخر، فكان يقابل من يمدحها بترحاب كبير، فينقل المدائح مباشرة على جداره بالفيسبوك حتى يعلم من لا يعلم قيمة ما جاد به يراعه، ويلقى ما لا يروقه بنوع من التشفّي السّادي، إذ يعمد إلى نشره هو أيضا، على الجدار نفسه، مع عبارة “مقال سلبيّ”، فينبري طلبته وخلاّنه وزملاؤه في الجامعة يسلقون صاحب المقال بألسنة حِداد وكأنه أتى جرما تَذلّ أمامه أبشع الجرائم.

لا ندري ما المراد بالسلبية تلك والنقد بالأساس، كما يقول نيكولا بوالو، يتعقب الخلل الذي حال دون اكتمال الأثر أكثر مما يشيد بمحاسنه، إلا إذا كان المؤلف، كحال الحاكمين بأمرهم، لا ينتظر من الناس غير المديح، وإلا نالهم عقابه.

كذلك هم، مستبدّون بالرأي لا يقبلون خلافه، ونتساءل بعدئذ من أين جاءنا الاستبداد، وهو طبع فينا.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15