المفاضلة الخاطئة

الأربعاء 2015/01/21

حتى الآن، وقد طوينا من القرن الجديد أزيد من عُشره، لا يزال الاهتمام عندنا في تونس مقصورا على أدباء ما بين الحربين، سواء في الشعر (الشابي) أو في الأدب السردي (الدوعاجي والمسعدي)، بل إن الأحفاد يدرسون اليوم ما درسه أجدادهم في فجر الاستقلال، وكأن البلاد عقمت منذ ذلك التاريخ.

والسبب أن النقاد والدارسين لا يملكون جرأة التعاطي مع الأسماء “الجديدة” (التي قضى بعضها نحبه وجاوز معظمها الستين) لأنها في ظنهم غير ناضجة بالقدر الكافي، أو هم يفضلون اجترار ما كرّسه أساتذتهم، ومن ثَمّ لا نقرأ في أدبياتهم غير تمجيد المتقدّمين وتعظيم كتب السالفين، وإن كان في كتب المحدثين ما هو أعظَم فائدة.

وفي هذه المفاضلة خروج عن المنطق السليم، إذ لا يُعقل أن يكون جيل من الناس أفضل من غيره لمجرّد السبْق الزمني، ولا أن يكون التفوّق والعبقريّة حكرين على قوم دون قوم أو عصر دون عصر.

وكنا نحسب أن هذه المسألة حسمت منذ القدم، فالقدامى تعاملوا مع الآثار الأدبية دون تغليب سابق على لاحق. يقول ابن قتيبة في مقدّمة “الشعر والشعراء”: “لم أقصِدْ فيما ذكرتُهُ من شعرِ كلّ شاعر سبيل مَن قَلّد أو استَحسَنَ باستِحسانِ غيرِه، ولا نظَرْتُ إلى المتقدِّمِ منهم بعينِ الإجلالِ لتقَدّمِه ولا المتأخِّر منهم بعين الاِحتقارِ لتأخّرِه، بل نظرتُ بعين العَدْلِ إلى الفريقيْن، وأعطيْتُ كُلاًّ حقّه، ووفّرْتُ عليه حَظَّه. فإني رأيتُ من عُلَمائنا مَن يستجيدُ الشعرَ السخيفَ لتقَدّمِ قائلِه، ويُرْذِلُ الشعرَ الرصينَ ولا عيبَ لهُ عندَه إلا أنه قيلَ في زمانه ورأى قائلَه، ولم يقصُرِ اللهُ الشعرَ والعلمَ والبلاغةَ على زمنٍ دونَ زمن، ولا خَصَّ بهِ قومًا دونَ قوم، بل جعَلَ ذلك مقسومًا بين عِبادِه”.

وهو ما عبّر عنه الجاحِظُ أيضا في قوله: “وقد رأيتُ ناسًا منهم يُبَهْرِجونَ أشعارَ المولّدين، ويستَسقِطونَ مَن رَواها، ولم أرَ ذلك قَطُّ إلا في راويةٍ للشعر غيرِ بصيرٍ بجوهَرِ ما يُروى. ولو كان لهُ بَصَرٌ لَعرَف موضِعَ الجيـّدِ مِمّنْ كـان، وفي أيِّ زمانٍ كان”.

وكذلك المسعودي في كتابِ “التنبيه” حين انتقد تلك الطائفة وقدّر أن رأيها لا يعبأ به كبارُ الناس، حيث يقول: “وإنما العملُ على ذَوي النظرِ والتأمّلِ الذين أعطَوْا كلَّ شيءٍ حقَّهُ من العدل، فلم يرفَعوا الْمُتقدّمَ إذا كان ناقصًا، ولم يُنقِصوا المتأخّرَ إذا كان كاملاً. فلِمثْلِ هؤلاءِ تُصَنَّفُ الكتبُ وتُدَوَّنُ العلوم”.


كاتب من تونس مقيم بباريس

15