المفاوضات السورية لا علاقة لها بسوريا

الأربعاء 2016/02/17

متى تدرك الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية أن المفاوضات السورية لا علاقة لها بسوريا، وأنها أصبحت مجرد هامش للملف المعلق بين روسيا والدول الغربية بشأن العقوبات المرتبطة بالقضية الأوكرانية.

المثير للاستغراب والدهشة، أن جميع ما يصدر عن جولات المفاوضات السورية العقيمة، لا يشير حتى الآن، لا من قريب ولا من بعيد إلى القضية الأساسية التي تقف خلف استمرار الأزمة.

تنهمك المعارضة في الصراخ والعويل من الأجندة المدمرة للتدخل العسكري الروسي، وتنهمك الأطراف الدولية في الحديث عن المطالب والحلول، وتندفع في التحذيرات والتهديدات دون أن تلمس عصب المشكلة.

“يا جماعة” روسيا لم تتدخل عسكريا في سوريا لأسباب سورية! وقضية التوازن الاستراتيجي والنفوذ في المنطقة مجرد هامش ضئيل بالنسبة لموسكو الغارقة في أزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل.

يكفي أن نشير إلى أن الروبل الروسي فقد نحو 70 بالمئة من قيمته منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، وهو مجرد عنوان لانهيارات شاملة في جميع زوايا الاقتصاد وعزلة قاسية عن النظام المالي العالمي وانكماش الناتج المحلي الإجمالي.

جميع أزمات المنطقة واصلت اشتعالها في السنوات الماضية بسبب استخدامها من قبل طهران، وكان يفترض أن تدخل، على الأقل، في مخاض الانفراج مثلما بدأ يحدث في العراق، بعد إبرام الاتفاق النووي الإيراني.

وقد بدا واضحا، قبل التدخل العسكري الروسي، أن المجتمع الدولي سيكون أقدر على فرض حل للأزمة السورية بعد الاتفاق النووي مع إيران، لأن الاتفاق كان سيجعل إيران تخشى عودة العقوبات.

حينها أدركت موسكو أن الأزمة السورية إذا ما اتجهت إلى الانفراج، فإن العقوبات القاسية المفروضة عليها قد تبقى للعشرات من السنين.

وكان من المستبعد أن تصحو روسيا فجأة ذات يوم، وتقرر الانسحاب من شبه جزيرة القرم، مثلما هو مستبعد أن تصحو الدول الغربية ذات يوم وتقرر رفع العقوبات عنها، الأمر الذي يعني أن العقوبات قد تُوضع على الرف لعقود طويلة.

لذلك قررت روسيا التدخل العسكري في سوريا، وإشعال جميع الأوراق، إلى أن تذهب الدول الغربية إلى موسكو لإيجاد مخرج للعقوبات الغربية المفروضة عليها.

سير الأحداث يؤكد أن روسيا، قبل المفاوضات الأخيرة والتصعيد العسكري أثناءها، تؤكد أنها ستواصل التصعيد في سوريا مهما كان موقف المعارضة والأطراف الأوروبية والأميركية.

ولو أن المعارضة أعلنت اليوم أنها مستعدة لإلقاء السلاح، بل ودخول سجون النظام السوري، لما كان ذلك كافيا لموسكو، التي ستواصل إشعال الحرائق أيا كان نوعها، إلى أن يصل الغرب إلى ضرورة إيجاد حل للعقوبات المرتبطة بالأزمة الأوكرانية.

الأزمة السورية لم تعد لها أي علاقة بسوريا، وهي أصبحت مجرد ساحة جانبية للصراع بشأن الملف المعلق بين روسيا والدول الغربية بشأن أوكرانيا، ولن تجد حلا إلى أن تدرك واشنطن والدول الأوروبية أن عليها إيجاد تسوية لتلك العقوبات.

وحدها ألمانيا أدركت الأبعاد الخفية، التي تقف خلف استعصاء الأزمة السورية، ربما بسبب وطأة أزمة تدفق اللاجئين إلى أراضيها، التي لم تكن تدرك أبعادها في البداية.

وقد صدرت عن برلين إشارات كثيرة إلى ضرورة تسوية قضية العقوبات الغربية على موسكو، من أجل تحريك الأزمة السورية، التي دونها لن يلوح أي حل لتلك القضية.

وستبقى موسكو تصول وتجول في سوريا مهما كان موقف المعارضة والأطراف الأخرى، لحين الرضوخ لإرادتها في الساحة الأوكرانية ورفع العقوبات عنها.

ويبدو من المستبعد حتى الآن، أن تتراجع روسيا عن مواقفها في القضية الأوكرانية، مثلما هو مستبعد أن تتراجع الدول الغربية، ولذلك فإن سوريا مرشحة إلى أن تبقى بين حجريْ رحى هذه الحرب الباردة الجديدة، وأن تحول إلى رماد.

كاتب صحفي عراقي

9