المفضل الضبي: الثائر الفاشل رائد "المختارات الشعرية"

الأحد 2013/09/01
أبو ظبي تصدر "المفضليات" في سلسلة "ديوان العرب"

صدر عن "دار الكتب الوطنية" التابعة لـ"هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة" مجموعة "المفضَّليات" في عشرة أجزاء صغيرة الحجم ضمن سلسلة "ديوان العرب" المخصصة لاستعادة الموروث الشعري العربي العريق، وإعادة تقديمه للقارئ المعاصر وترجمة معانيه بلغة ميسرة.

ويعد كتاب "المفضَّليات" أقدم مدونة وضعت في اختيار الشعر العربي، إذ جمعها المُفَضَّل بن محمد الضبي في القرن الثاني الهجري، وقد جمع فيها جيد أشعار الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، وسماها في الأصل "كتاب الاختيارات" لكنها سميت بعد ذلك بإسمه، ورواها عنه العلماء حتى صار يكفي في توثيق القصيدة أنها "مُفضَّلية".

قام بتحرير المجموعة والتعليق على حواشيها الباحث محمد علي الحسني، والذي يذكر في التقديم "تشتمل المجموعة على قصائد منتقاة، انتخبنا فيها سبع عشرة قصيدة لأربعة عشر شاعراً… وكان معيار الاختيار أن تجمع القصيدة أمرين معاً: الطول والحسن؛ ولذلك قدمنا قصائد متوسطة الطول حسنة، على قصائد طويلة متوسطة الحسن، ولكل واحدة من القصائد المختارة مزية تسوّغ اختيارها".

كما يقدم الباحث ترجمة موجزة لسيرة كل شاعر تتضمن سبب اختيار قصيدته ضمن المجموعة، كما قام بضبط الأبيات بالشكل ضبطا وافيا، وشرح غريب الأبيات لفظا لفظا مشروحا بأخصر تركيب وأبين تعبير.

وكانت الهيئة قد أصدرت المجموعة الأولي من سلسلة "ديوان العرب" في وقت سابق من العام الماضي، وقد خصصت للـ "المعلقات" أشهر روائع العرب الشعرية، وقد طبعت المجموعة الأولى على نفس النمط بحجم صغير لتسهيل التناول، وإيجاز في شرح المعنى والتراجم. تتوفر مطبوعات دار الكتب الوطنية في مكتبة آل نهيان في أبوظبي، كما تتوفر في المكتبات الرئيسية في الدولة.


مختارات شاملة


وحسب الموسوعات العربية المختلفة التي تنقل عن المظان التاريخية والأدبية العربية، قال ابن النديم بعدما ذكر أن الضبي ألف الكتاب للمهدي العباسي: "هي 128 قصيدة وقد تزيد وتنقص وتتقدم القصائد وتتأخر بحسب الرواة، والصحيحة التي رواها عنه ابن الأعرابي".

ومجموع شعراء المفضليات 67 شاعراً منهم 47 شاعراً من شعراء الجاهلية و14 من المخضرمين و6 من الإسلاميين. قال المرزوقي: "وقع الإجماع من النقاد على أنه لم يتفق في اختيارات المقطعات أنقى مما جمعه أبو تمام، ولا في اختيارات المقصدات أوفى مما دونه المفضَّل ونقده".

طبع الجزء الأول منه في ليبزج سنة 1885م بعناية المستشرق توربكه، ثم طبع كاملاً بمصر سنة 1324هـ بتصحيح أبي بكر بن عمر الداغستاني وتعليقه.

وله شروح أشهرها: شرح أبي بكر الأنباري وقد طبع قديماً في المطبعة الكاثوليكية في أكسفورد عام 1808م بتحقيق جاريس لايل وشرح التبريزي المتوفى سنة 502هـ وقد باشر شرحه بعد فراغه من شرح ديوان "الحماسة"، ومنه نسخة بخطه في دار الكتب الوطنية بتونس، فرغ منها سنة 486هـ وبداخلها زيادات في طيارات بخطه أيضاً.

يروى أن المفضل الضبي قد اشترك في ثورة إبراهيم بن عبد الله على أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي، فلما أخفقت الثورة أُلقي القبض عليه، ولكن أبا جعفر المنصور عفا عنه وألزمه تعليم ابنه المهدي، فوقع جمعه هذا على تلك المفضليات، وهناك رواية أخرى بأن إبراهيم بن عبدالله كان مختبئا عند المفضل، وفي أثناء ذلك اختار عددا من القصائد مما تضمه مكتبة المفضل وقدمها إليه فأتَم المفضل عليها باقي كتابه.


روائع الشعر

"المفضليات" قصائد نسبت إلى الضبي


كتاب الاختيارين هو مجموع القصائد التي اختارها المفضل الضبي مع القصائد التي اختارها الأصمعي والتي جمعها الأخفش في هذا الكتاب. فقد أشار الخليفة أبو جعفر المنصور على المفضل الضبي أن يختار أجود القصائد ليدرب بها المهدي ويعلمه روائع الشعر وخالصه. فكان أن اختار المفضل قصائد نسبت إليه وسميت "المفضليات".

وتقبل العلماء هذه القصائد تقبلاً حسناً ورووها شيوخاً وتلاميذ وعلقوا عليها شروحاً وزيادات و يبدو أن الخليفة هارون الرشيد راقه صنيع المنصور والمفضل، فإذا هو يكل تأديب ابنه الأمين إلى الأصمعي ويدرب بها، وقد استجاب الأصمعي لهذه الرغبة وجمع قصائد نسبت إليه وسميت "الأصمعيات".

ثم جاء الأخفس الأصغر فجمع بين الأصمعيات والمفضليات في كتاب واحد وعلق عليها شرحاً، يفسر بعض الغريب ويوضح بعض المعاني الغريبة فكان ما سمي بكتاب "الاختيارين" وقد شاع ذكر اختيارات المفضل والأصمعي وأعجب بها جهابذة الشعر وأشادوا بمنزلتها، لأنها تمثل خبرة عالمين كبيرين أجمعوا على صحتها وتقدمها.


المفتتح قصيدة


المفضل الضبي لم يلتزم منهجا محددا في كتابه بل سردها سردا عشوائيا دون أن تخضع لترتيب زمني ولا بحسب موضوعات القصائد، ولا حتى بحسب أهمية الشعراء أو أقدمهم، ولا بحسب القوافي، وكتابه يخلو من المقدمة، والمقدمة يجب أن تكتب بعد الانتهاء من مضمون الكتاب، لأن في المقدمة يجب أن يشرح منهجه الذي اتبعه في التأليف، فالمفضل الضبي لم يضع مقدمة، وقد افتتح المفضليات بالقصيدة الأولى لتأبط شرا ومطلعها:


يا عيد مالك من شوق وإيراق *** ومرً طيف على الأهوال طراق


والمفضل الضبي كتب جميع القصائد التي اختارها ولم يقتطع منها شيئا.

وتعد أقدم مجموعة شعرية وصلت إلينا هي مجموعة المفضليات، وهي بمثابة مرآة لحياة العرب انعكست عليها عاداتهم وأخلاقهم وشيمهم العربية، وما خاضوه من حروب ومعارك، وبذلك حفظت لنا أشعارا كثيرة وقديمة، وكانت عرضة للضياع لولا اختيار المفضل الضبي لها وتصنيفه لها في كتابه. وقد طبعت مرارا في القاهرة وبيروت وأجود طبعاتها تلك التي حققها أحمد شاكر وعبد السلام هارون.

ومن شروحها المطبوعة: شرح أبي محمد الأنباري المتوفى سنة 305 هجري وشرح الخطيب التبريزي المتوفى سنة 502 هجري، أشهر قصائدها قصيدة الشاعر الجاهلي عبد يغوث الحارثي الذي وقع أسيرا في أيدي أعدائه، ولما جهزوا لقته قال تلك القصيدة التي مطلعها:


ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا *** ومالكما في اللوم خير ولا ليا

ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل *** و ما لومي أخي من شماليا


وكذلك عينية المخضرم أبي ذؤيب الهذلي التي رثى فيها أولاده الخمسة الذين ماتوا بالطاعون في عام واحد، منها:


أمن المنون وريبها تتوجع *** والدهر ليس بمعتب من يجزع

قالت أميمة ما لجسمك شاحبا *** منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع

وإذا المنية أنشبت أظفارها *** ألفيت كل تميمة لا تنفع

والنفس راغبة إذا رغَبتها *** وإذا ترد إلى قليل تقنع

15