المفكرون العرب أضاؤوا ظلمات أوروبا

الأحد 2014/05/11
الروائي الإيرلندي ريتشارد كيرني دارسا للفكر

من الكتب الممتعة التي شدتني مؤخرا إليها بقوة، واستمتعت فعلا بقراءتها كتاب ريتشارد كيرني الموسوم: ” جدل العقل: حوارات آخر القرن ” الذي ترجمه من الانكليزية إلى اللغة العربية ترجمة رصينة كل من الأديبين والمترجمين الأردنيين إلياس فركوح وحنان شرايخة. إن الذي يميز هذا الكتاب هو أنه قد تمَ إنجازه في شكل حوارات دسمة وعميقة أجراها هذا الدارس والمفكر الايرلندي المعاصر مع مجموعة من كبار النقاد والشعراء والمفكرين والفلاسفة المعاصرين المشهورين وهم: نعوم تشومسكي، إدوارد سعيد، جوليا كريستيفا، فاتسلاف هافل وجاك دريدا، أمبرتو إيكو، مارينا وارنر، شيموس هيني، جورج لويس بورخيس ميروسلاف هولب وجاك داراس. من الضروري الاشارة إلى أن هذا الكتاب يدخل في إطار مواصلة فتح وترتيب المناخ للحوار بين كبار الأدباء والمفكرين المنتمين إلى الثقافات والجنسيات المختلفة قصد التوصل إلى أرضية مشتركة من التفاهم حول طبيعة المشكلات الكبرى التي تعترض قيام علاقات جوار صحي بين أوروبا ومحيطها ومن بينها القضايا البارزة والساخنة المطروحة على الرأي العام المحلي والدولي وعلى رجال الفكر والثقافة بصفة خاصة وفي صلبها علاقة أوروبا بالعالم العربي – الاسلامي، والهوية والمشكلات الحادة التي تتولد جراء مصادرة الاختلاف والتنوعات باسم التمركز فيها أو رفض مجاورة ومحاورة هويات أخرى.

منذ البداية تطرح مقدمة هذا الكتاب التي كتبها ريتشارد كيرني لكتابه هذا مسائل القومية والفيدرالية والعلاقة بين أوروبا / الغرب والآخر وكذلك القضية القديمة – الجديدة التي تتمثل في الإنكار المتزمت الذي كرسه ولا يزال يكرسه اليمين الغربي المتطرف لدور الثقافة العربية والاسلامية في عصر ازدهارها في إضاءة ظلمات أوروبا / الغرب. في هذا السياق بالذات يدعو الدارس ريتشارد كيرني أوروبا أن تتخلَص من تمركزها الذاتي والعرقي وأن تفتح بصيرتها على الآخر المختلف: ” هل بمقدور أوروبا أن تعيد صياغة نفسها؟ وهل بمقدورها أن تميز بين ميراثاتها المختلفة – الجديدة، والسيئة والبشعة؟ هل بمقدورها أن تسهم في تكوين مفهوم جديد لعالمية متحررة من إرث الهيمنة على العالم - عالمية تحترم الفروقات والاختلافات”؟ ثم َ يتساءل: ” كيف يمكن لمستقبل أوروبا أن يتفادى شراك ومآزق ( الأوربة) بإبقاء نفسها منفتحة على ” آخرينها” – ليس الامم الأخرى خارج الدول الاعضاء في الاتحاد الأوروبي وحسب، بل أيضا جيرانها غير الأوروبيين في الشرق والجنوب”؟


شجاعة وموضوعية


يبدو واضحا أن الدارس كيرني يطلب من هذه ﻠ “أوروبا” بلهجة كوزموبوليتانية أن تعترف أنه ما كان ” لتعاليم أرسطو والفلسفة اليونانية أن تعود إلى أوروبا بعد عصر الظلمات لو لم يكن بفضل عمل المفكرين العرب العظماء أمثال إبن سينا وابن رشد”.

الهجرة الجديدة سوف تغير وجه أوروبا جذريا، وخلال مائة عام سوف تصبح أوروبا قارة ملونة

بعد دعوته الحارة هذه يذكر ريتشارد كيرني أوروبا بكل شجاعة وموضوعية ” بالخطايا التي ارتكب باسمها – من الهيمنة الكولونيالية، إلى الاستغلال الاقتصادي وتبديد موارد البيئة وإفسادها”. هنا يشير الدكتور كيرني إلى أن اصطلاح أوروبا نفسه ليس إرثا غربيا وإنما هو شرقي لحما وعظما، أي أنه لم يكن نابعا من العرق الأوروبي / الغربي الآري. إنه جميل أن يعترف الدكتور ريتشارد كيرني أنَ أثينا بكل دلالات رمزيتها التاريخية التي تعتبر في نظر الغرب الجذر الثقافي والحضاري لأوروبا / الغرب لم تزدهر، ولم تحقق وثباتها العملاقة بمعزل عن مؤثرات الشرق وأفريقيا، وبدون الاقتباس من بابل ومصر وأو بدون الاستئناس الحواري والتفاعلي الخصب بكل هذه الخلفيات الحضارية. يرى الدارس كيرني أن أوروبا سوف تعجز عن تحديد نفسها إذا لم تفتح المجال للآخر غير الأوروبي أن بيرز ويأخذ مكانته في المسرح العالمي. ومن جهة أخرى فإنه يقر أن ” مفهوم الواحد” يتضمن ” الغريب ” جزء من فهم الذات لذاتها”.


عدو يتمم عدوا


في هذا السياق بالذات تبرز المناقشة التي يجريها ريتشارد كيرني مع إدوارد سعيد حيث نجد أجوبة سعيد ترفض الانضواء تحت يافطة ما يدعى بالحد الأوروبي العازل والمحدد لهوية أوروبية شمولية يفترض خطأ أنها نقية وخالصة ولا تماثل إلاَ نفسها: “.. بمقدور المرء التحدث عن تقليد أوروبي، بمعنى مجموعة تجارب وخبرات ذات صلة بتعيين الهوية، مجموعة دول، وأمم، وموروثات كان لطابع أوروبا تأثيره عليها. لكن هذا، وفي الوقت نفسه، وجب أن لا ينفصل عن العالم الكائن وراءها أو خارجها.

هناك تعبير جيد مستقى من البيئة الجزائرية يناسب القصد هو ” الأعداء المتممون لبعضهم البعض”. هنالك وشيجة تكامل بين أوروبا وأغيارها، وهذا هو التحدي المثير الذي يواجه أوروبا، ولكي لا تتخلص من جميع صلاتها وروابطها الخارجية في محاولة لأن تعود إلى ضرب من النقاء”. هنا نجد الناقدة المفكرة جوليا كريستيفا تتناظر وتتوافق مع رؤية إدوارد سعيد وذلك في مناقشتها مع ريتشارد كيرني حول الآخر وأخطار الانغراس الذاتي في الهوية المغلقة. تقول كريستيفا:” نعم، إن العلاقة مع الآخرين أمر لا مفر منه لتطوير الفردانية “، وفي الوقت ذاته تحذر من العنف الذي يتولد من التحيز لهوية ما: ” علينا أن ننظر بجدية إلى عنف الرغبة بالهوية. للحظة، إذا ما أدرك شخص ذاته أو ذاتها بأنه من أصل ما، فمن الممكن أن تظهر لديه / لديها حاجة للهوية جديرة بالثناء ومغرية جدا، لكن علينا أن لا ننسى العنف وراء هذه الرغبة، العنف الذي يمكن له أن ينقلب ضد المرء والآخرين كذلك…”.

المفكرة جوليا كريستيفا تتناظر مع رؤية إدوارد سعيد في مناقشاتها مع ريتشاررد كيرني حول الآخر واخطار التقوقع في الهوية المغلقة


شبح الآخر


في معرض مناقشة كيرني مع نعوم تشومسكي حول الحجاب الذي تلبسه المسلمات الأصوليات في البلدان الأوروبية / الغربية وعلاقته بالهوية، وحول السبيل الصحيح للتعامل معه أكد هذا الأخير أنَ تقرير ارتداء أو عدم ارتداء الحجاب أمر شخصي:” نعم أنا ضده في معرض كونه يمثل رمزا لقمع النساء. أنا ضده مثل آلاف الأشياء في الحياة الاجتماعية التي يمكن التفكير فيها، غير أن مجرد رفضي له لا يمنحني السلطة لإيقافه، فذلك متروك للناس أنفسهم بأن يقرَروه”.

اما وجهة نظر أمبرتو إيكو حول العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الهويات المختلفة بداخل فضاء المهاجر الأوروبية/ الغربية فتتمثل في قوله: ” إن الهجرة الجديدة سوف تغير وجه أوروبا جذريا، وخلال مائة عام سوف تصبح أوروبا قارة ملونة.

وهذا سبب آخر يدعونا لأن نقبل بالتعددية، عقليا وثقافيا، ولنتقبل تداخل السلالات، ولنتقبل هذه الفوضى، وإلاَ فسوف نفشل فشلا ذريعا.”

ويأخذ الحوار حول التمركز الغربي المغلق مداه الأقصى في الحوار الذي داربين ريتشارد كيرني وجاك دريدا الذي يرى أن الخروج من أسره مرهون بحاجة كل ثقافة ان تقوم بما يدعوه ” بالاستجواب الذاتي ” الذي يتحقق بجعل الثقافة وأية ثقافة من الثقافات ” تقوم به من مسافة بعد عن نفسها، إذا أرادت أن تحدث تحويلا في نفسها”. وفي الوقت نفسه يرى جاك دريدا أن ما يسمى بالنقاء الثقافي الأوروبي/ الغربي ليس إلا وهما لأن:” ما نسميه بالتفكيك لثقافتنا الغربية، تسانده وتحرَض عليه الحقيقة بأنَ أوروبا قد تضمنت دائما التأثيرات المغايرة وتلك عير – الأوروبية. ولأنها كانت دائما معرضة لــــ، ومحاطة بالغريب عنها: ” الأخر” المختلف عنها، فقد وجدت أّنها مجبرة على استجواب نفسها. إن كل ثقافة يلازمها شبح الآخر”.

11