المفكر العدمي

هل تسقط الحضارة الغربية؟ كل الحضارات ذائقة الموت، إذا ما صدقنا نبوءة بول فاليري الشهيرة بما فيها الحضارة الغربية إذ دقت بداية نهايتها حسب مواطنه المعاصر الفيلسوف ميشال أونفري الذي ينعى الحضارة الغربية في كتابه الصادر أخيرا والموسوم “الانهيار، من يسوع إلى بن لادن، حياة الغرب وموته”. ما رأيك في أطروحة ميشال أونفري؟
الأحد 2017/05/28
أونفري المبشر بسقوط الحضارة الغربية: بات نجماً للكاريكاتور في فرنساً

يصنف ميشال أونفري نفسه بأنه فيلسوف ينتمي إلى اليسار النيتشوي. لكن لا شيء يدل على ذلك. فإن الفيلسوف بالمعنى النيتشوي هو طبيب الحضارة، وللفلسفة وظيفة علاجية بالأساس. بلا شك، يبقى نقد الحضارة الغربية الحديثة منهجا مارسه جلّ الفلاسفة تقريبا وفق وظيفتهم الأساسية. وظيفة الفلاسفة نقد مسارات الحضارات التي ينتمون إليها، ونقد الحضارة الإنسانية إجمالا. وبلا شك، يبقى التوجس من مآلات العلم والتقنية قائما في قلب الفلسفة نفسها، من روسو إلى هيدجر.

وطبيعي أن يرتفع منسوب التوجس جراء الثورات العلمية الجارية اليوم في مجالات الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي، لكن، إن كان الاستسلام للتشاؤم قد أنتج في بعض الأحيان نصوصا أدبية وشعرية وإبداعات فنية وموسيقية مبهرة، فإن التشاؤم في حقل الفلسفة يعني التخلّي عن الوظيفة العلاجية للفلسفة.

بهذا المعنى لم يعد لأونفري ما يفعله كفيلسوف. أضف إلى ذلك أن كلمة اليسار التي يتغنى بها لا معنى لها بعد أن ظنّ بأن الغرق هو قدر السفينة التي يمتطيها. أما عن نيتشه الذي ينتسب إليه عنوة فقد سبق له أن بشّر فعلا بالعدمية التي تنتظر الحضارة المعاصرة، لكنه لم يكن ناعيا باكيا بقدر ما كان طبيبا معالجا. وقد ضخ في دماء الفكر الغربي مفهوم إرادة الحياة كقوة ارتقائية.

هنا بالذات يكمن الطابع المتفائل في فلسفة نيتشه التي هي عبارة عن روح تسري اليوم في الجميع أكثر مما هي تيار يصلح للانتماء كما ظن أونفري.

إن كان الاستسلام للتشاؤم قد أنتج في بعض الأحيان نصوصا أدبية وشعرية وإبداعات فنية وموسيقية مبهرة، فإن التشاؤم في حقل الفلسفة يعني التخلّي عن الوظيفة العلاجية للفلسفة. بهذا المعنى لم يعد لأونفري ما يفعله كفيلسوف

عموما، ليس يخفى الدور الذي لعبه ألكسندر كوجيف داخل فرنسا في انتشار نوع من الفهم “التشاؤمي” لهيجل، على أساس أن الحضارة تدخل طور الذبول عندما لا يبقى الناس مستعدين للتضحية من أجل أيّ فكرة.

قديما كان الناس يضحون من أجل الدين، ثم أصبحوا في القرنين التاسع عشر والعشرين يضحون من أجل الوطن، ثم شهدنا أجيالا تضحي من أجل الاشتراكية، واليوم لا يبدو أن الناس في الغرب مستعدون للتضحية بأرواحهم من أجل أيّ فكرة أو مبدأ أو قيمه، وفق ملاحظة يرددها ميشال أونفري باستمرار. في أواسط القرن العشرين أكد ليو شراوس والذي يُعتبر الفيلسوف المرجعي للمحافظين الجدد، بأن سبب صعود النازية أن الناس لم يتعاملوا مع قيم الحرية والديمقراطية كمُثل تستحق التضحية، ومن ثمة بدأ التراخي الموسوم بالعدمية.

كثيرون يتبنّون اليوم نفس الفكرة، ويعتبرون “التراخي” الغربي أمام التطرف الإسلامي وعدم استعداد الغربيين للتضحية من أجل قيمهم، مؤشر على بداية انهيار الحضارة الغربية. أونفري أحد هؤلاء. غير أن ليو شتراوس كان فيلسوفا بالفعل، مارس وظيفته العلاجية عندما حاول إحياء مفاهيم الفلسفة الكلاسيكية، وعلى رأسها مفاهيم أفلاطون والفارابي وابن ميمون.

في المقابل، يؤكد ميشال أنفراي اليوم بأن عدم استعداد الإنسان الغربي للتضحية من أجل قيمه يعني بداية انهيار الحضارة الغربية، بل لعل الانهيار أمسى حتمية تاريخية وقدرا لا راد له. بهذا المعنى يكون أونفري قد تخلى عن وظيفة الفيلسوف بكل المعاني، وبالمعنى النيتشوي بالذات، طبيب الحضارة.

أخيراً، هذا هو الدرس الذي يمكنني أن أستخلصه من عدمية ميشال أونفري: ليس الدين وحده من يقود إلى العدمية، بل الإلحاد أيضا قد يقود إلى العدمية. بل، بعيداً عن معارك الدين ومعارك الإلحاد هناك ما هو أهم: إرادة الحياة.

كاتب من المغرب

13