المفكر روائيا

الصادق النيهوم حاول تحويل الشخصية التراثية إلى شخصية معاصرة من حيث رؤيتها النقدية العنيفة للواقع السياسي الليبي المعاصر.
الأحد 2019/11/10
الصادق النيهوم كاتب الناس وصوت فكري جريء (غرافيك "العرب")

وجد العديد من المفكرين العرب في السرد الروائي ملاذا للتعبير عن مواقفهم وتأملاتهم وتجاربهم، وبث أفكارهم المتعلقة بالمعضلات السياسية والاجتماعية والدينية، والكون والطبيعة، وعالم ما وراء الطبيعة، بصيغة تمثيل واقعي أو تخييلي رمزي. من هؤلاء المفكرين نذكر، تمثيلا لا حصرا، التونسي محمود المسعدي، والمغربيان محمد عزيز لحبابي، عبدالله العروي، والمصريين عباس محمود العقاد، ورفعت السعيد، والسوري مطاع صفدي، والعراقي عزيز السيد جاسم، والأردني غالب هلسا، والليبي الصادق النيهوم، الذي نحاول في هذا المقال الوقوف على رواياته الثلاث “من هنا إلى مكة”، “القرود” و”الحيوانات”.

من مكّة إلى هنا

تدور أحداث رواية “من مكّة إلى هنا” (1970) في قرية الصّيّادين الواقعة على طرف خليج سوسة في ليبيا، أيام الاحتلال الإيطالي للبلد، ذلك الاحتلال البشع الذي أحكم قبضته على الليبيين، وجنّدهم استعدادا لغزو الحبشة. بطل الرواية أفريقي زنجي يدعى مسعود الطّبّال مهاجر إلى شمال قارته، كان يسكن في بنغازي ثم انتقل إلى قرية الصيادين ليصيد السمك ويعتاش منه.

وهو يذكّرنا، بعناده وشيخوخته ووحدته، بشخصيّة الشّيخ الصيّاد سنتياغو في رواية همنغواي الشّهيرة “الشّيخ والبحر”، وقد جُرّد من كلّ الصفات الّتي تجعله في مرتبة الأبطال.

لكن الأحداث في الرّواية قليلة لأنّ معظمها يدور في سريرة مسعود وباطنه أكثر ممّا تجري في أرض الواقع، فهو في صراع محتدم مع فقيه القرية، القابض على سلطة الدين، بدلالتها الكهنوتية القمعية، وذلك لأنه، أي مسعود الطبال، يصطاد السلاحف، التي يعتبرها الفقيه، ممثل القوى الرجعية المتخلفة، مباركة ويحرّم اصطيادها، ومن يفعل ذلك فإنه يتحدى الله والأرواح، متغافلا عمدا قول الله “أُحل لكم صيد البحر وطعامه”، وعندما يغرق الصبي الذي يعمل مع مسعود، يفسر الفقيه الحادثة بأنها رسالة من الله، في حين أن مسعودا لا يبتغي اصطياد السلاحف فقط، بل يريد زيادة عدد ما يصطاد لأن ثمة إقبالا على تناولها في مطاعم الإيطاليين، من خلال تزويد قاربه المهترئ بمحرك (موتور)، ينوي شراءه من أحد الإيطاليين، ليتمكن من التوغل إلى عمق البحر ومصارعة جنونه. وهكذا ينمو التمرد في داخله وهو يجابه خرافات الفقيه، التي تعرقل مسعاه لتحسين معاشه، وتُربك نومه، بل تتراءى له أحيانا كشبح. والأسوأ من ذلك أن الفقيه يسيطر على عقل زوجة مسعود، ويملأ رأسها بخرافاته، وهي المرأة الساذجة التي لا يتجاوز حلمها أداء فريضة الحج.

صراع مسعود الطبال مع الفقيه، الذي يعده عبدا مارقا لأنه تمرد عليه، يشير إلى موقف الصادق النيهوم المناوئ لهيمنة السلطة الدينية البطرياركية

إن صراع مسعود الطبال مع الفقيه، الذي يعده عبدا مارقا لأنه تمرد عليه، يشير إلى موقف الصادق النيهوم المناوئ لهيمنة السلطة الدينية البطرياركية المتجذرة في الواقع، ومعاداتها لأي تحديث أو تغيير من شأنه أن يضعف نفوذها، وما محاولة مسعود الحصول على “موتور” لقاربه، رغم فشلها، إلا مسعى تحديثي/خلاصي يقوض هذه السلطة. كما يفضح النيهوم، من خلال اشتباك اللون مع الدين، العنصرية ويدينها، ويجعل من الزنجي محنكا يتخذ من زنوجته أيقونة للوجود؛ وجوده هو، ومعنى الوجود ذاته بالمعنى الفلسفي.

يشكّل المونولوج لحمة الرواية، فمسعود الطبال هو قلبها ونواتها، والكائن الفرد الذي كثيرا ما يكون في المكان وحيدا، ولا زمان له غير الزمن الذاتي، وزمن الطبيعة البحرية، وكأنما يعطي ظهره لزمن الناس بانشغاله بالبحر وعراكه ومناجاته. ويستثمر النيهوم ذلك ليجعل شخصية مسعود الطبال متمردا وجوديا يصوغ نفسه عبر أسلوب المناجاة في نسيج الرواية، ويعيش مع أفكاره أكثر مما يعيش مع عالم الصيد، لكنه في نسيج الفضاء السردي (قرية الصيادين) كائن لا منتمي هامشي، وكأنه إحدى شخصيات كولن ويلسون.

القرود: الصراع من أجل الهيمنة

فضح اشتباك اللون مع الدين
فضح اشتباك اللون مع الدين

تقوم رواية “القرود” (1975) على سرد يرمز إلى التنافس بين البشر، على نحو عام، وربما إلى الصراع الدولي وكذلك المحلي، على السلطة والسلاح والقوة والثروة والإناث، حيث يستمر الصراع بين الذكور الأقوياء في قطيع القرود، وتكون الغلبة لمن يملك القوة العضلية والمهارة القتالية اليدوية إلى أن يكتشف أحدهم، عن طريق الصدفة، صناعة سلاح عجيب يقلب ميزان القوى، وهو عبارة عن عصا في رأسها عقرب سامة مثبتة بخيط، عندئذ تميل الكفة في الصراع بين زعماء القرود على القيادة والإناث لصالح من يمتلك هذا السلاح الفتاك المخيف! لكن هؤلاء الزعماء يتعلمون بدورهم صناعة هذا السلاح، ومن ثم يمتلكون قوة ضافية في مواجهة خصومهم، ويحصل نوع من توازن القوى الرادع بين الذكور الأقوياء في مجتمع القرود إلى أن يحدث ما لم يكن في الحسبان حيث يتعلم كل من هبّ ودبّ من القرود صناعة هذا السلاح، فتصبح جميع القرود مسلحة، ويفقد الذكور الأقوياء والزعماء، عندئذ، مصدر قوتهم وهيبتهم، فيدب الاضطراب في مجتمع القردة، وتتلاشى السلطة وتسود الفوضى.

 ومن الواضح أن الصادق النيهوم يحذو في هذه الرواية، وروايته الثالثة “الحيوانات”، حذو العديد من الكتّاب العرب والأجانب، قديما وحديثا، في توظيف عالم الحيوان رمزيا، مثل ابن المقفع في كتابه الشهير “كليلة ودمنة” وابن طفيل في “حي بن يقظان”، وإيسوب في حكاياته الخرافية التي يدور معظمها حول الحيوانات، وحديثا جورج أورويل في روايته “مزرعة الحيوانات”.

الحيوانات: رؤية نقدية للإقصاء

شيد الصادق النيهوم العوالم الحكائية لروايته “الحيوانات” (1984) في سياق رؤية فنية حاولت التوفيق بين عناصر سردية تسترفد مقوماتها من الموروث الحكائي العربي القديم وعناصر سردية أخرى تستمد مكوناتها من السرد الحديث. ويمكن تحديد هذه العوالم بأربع حكايات هي: الحكاية الإطارية (حكاية الصقر والذئب)، حكاية الأسد والذئب، وحكاية الفيل، وحكاية السنجاب والصقر، وهي تنتظم ضمن نوع من التوالد السردي الذي يقوم على بنية سردية كبرى (الحكاية الإطارية)، وبنيات سردية صغرى (الحكايات الصغرى)، الأمر الذي أدى إلى تنوع الفضاءات، وتعدد الشخصيات، وتناسل الأحداث في شكل تداعيات جمعت بين الحقيقة والخيال، والواقع والرمز، والتجسيد والتجريد الذي ينزع، في بعض الأحيان، إلى توظيف العجائبي، وذلك على النحو الذي تمثله حكاية اختفاء الفيل.

سرد يرمز إلى التنافس بين البشر
سرد يرمز إلى التنافس بين البشر

إن شخصيات الرواية تتماهى والشخصية الخرافية في الكثير من الخصائص، الأمر الذي يدفع إلى طرح أكثر من سؤال حول هوية المكون الحكائي، هل هو شخصية روائية أم شخصية خرافية، أم أنه مزيج “شخصياتي” هجين تمتزج فيه العناصر الروائية بالعناصر التراثية؟ ويرى أحد النقاد أن الصادق النيهوم عمد إلى بناء شخصية رواية فريدة تتماهى والسرد التراثي، خاصة على مستوى الاحتفاء بالعنصر الخرافي، بحيث أفرز شخصية روائية اكتسبت ملامحها وسماتها انطلاقا من تعالقها الفني المباشر بالشخصية الخرافية، تعالق يمكن اختزال تمظهراته بعدة نقاط هي:

 1 - عدم حمل الشخصية اسما معينا يحيل إلى تكوين اجتماعي وثقافي معين، على الرغم من تقديم بعض الملامح التعريفية التي ترتكز إما على صفاتها النوعية (أسد، ذئب، أرنب، فيل، جمل، تمساح، ثعلب، خرتيت…)، أو الطبقية (رئيس الحكومة، وزير الداخلية، وزير الثقافة، وزير العدل…)، أو العلائقية (أب، أُم، ابن…).

2 - الطابع النمطي والجاهز للشخصية، فهي شخصيات جامدة، غير نامية، الأمر الذي جعلها أقرب إلى المقولات الفكرية منها إلى الشخصيات الروائية.

3 - بُنيت الشخصية الروائية على أساس التقايل الثقافي بين شخصيات معتدية (مفترسة/قوية) وأخرى مُعتدى عليها (ضعيفة/ ضحية). لذلك كان الصراع ذا نمط علائقي مهيمن يجمع بين هذه الشخصيات.

 ويمثل شكلا من أشكال الصراع الأبدي بين الخير والشر، والذي كرسه القدماء في حكاياتهم، بما في ذلك الحكايات الخرافية.

وحاول الصادق النيهوم تحويل الشخصية التراثية إلى شخصية معاصرة، ليس من حيث ملامحها ولغاتها فحسب، بل من حيث رؤيتها النقدية العنيفة للواقع السياسي الليبي المعاصر أيضا، هذا الواقع الذي اتسم يسياسة إقصائية لا تتورع عن ممارسة كل أشكال القمع والتنكيل في سبيل الاستئثار بالسلطة. ومن أجل تشخيص هذه السياسة بنى شخصية روائية مستعينا بالمفارقة والترميز.

11