المفكر ستيوارت هول وتفكيك المركزية الغربية

الأحد 2014/04/27
بريشة: جمال الجرّاح

في مرحلة ما بعد الاستعمار برز اسم المفكر الكاريبي ستيورات هول في المشهد الفكري والثقافي والسياسي البريطاني والأوروبي ليواصل على نحو متفرد ما كان قد بدأه مثقفو المرحلة الكولونيالية الذين قدمتهم منطقة بحر الكاريبي من أمثال فرانز فانون وإيمي سيزر وسير كارل جيمس، خلال مرحلة الصدام الكولونيالي بين القوى الاستعمارية الغربية وحركات التحرر الوطني في العالم الثالث.

يعد ستيوارت هول Stuart Hall، المولود في 3 فيفري من عام 1932 والمتوفى في 10 فيفري الماضي من هذا العام 2014 عن عمر يناهز 82 عاما، من الشخصيات الفكرية البارزة في القرنين العشرين والحادي والعشرين، ويتميز بإنتاجه الفكري الغزير وبدوره كأديمي عالمي، وبمواقفه المشرفة حيث بقي طوال حياته يدافع من موقعه بالمهجر البريطاني عن الثقافات الثانوية التي تعرضت ولا تزال للطمس والإنكار، وعن حقوق الأقليات في المجتمع البريطاني وفي الغرب عموما ومنها الأقلية السوداء، كما دافع عن الطبقة العمالية والشرائح الفقيرة والمهمشة، هذا وقد لعب دورا مهما في إعادة صياغة وتحديث الفكر اليساري البريطاني/ الغربي وذلك قبل سقوط المنظومة الاشتراكية والشيوعية الأوروبية/ الغربية وبعدها بكتاباته، وبواسطة إشرافه على تحرير ” مجلة اليسار الجديد ” الراديكالية.


مسار حياة


لقد زاول ستيوارت هول تعليمه الابتدائي، ومن ثم التعليم الثانوي بمسقط رأسه بجاميكا من عام 1944 إلى عام 1951، أما تحصيله العلمي لمرحلة ما قبل التدرج وما بعد التدرج الجامعي فقد زاوله بكلية ميرتن بجامعة أكسفورد Oxford University حيث تحصل على الإجازة في اللغة الإنكليزية وآدابها وذلك في عام 1954 وعلى الماجستير في التخصص نفسه، وبعدئذ واصل تعليمه العالي من عام 1954 إلى 1957 في نفس الكلية ونال شهادة الدكتوراه في الفلسفة عن أطروحته ” أوروبا ضد أميركا: موضوعات اجتماعية وأخلاقية في الروايات العالمية للكاتب الأمريكي هنري جيمس”.

في بداية حياته الأكاديمية المبكرة درَس ستيوارت هول في التعليم الثانوي بلندن وبعدئذ انتقل إلى جامعة أكسفورد ليدرّس هناك الطلاب الكبار في السن. وفي عام 1960 أصبح رئيس تحرير لـــ “مجلة اليسار الجديد” الشهيرة في العالم الغربي، وفي عام أسندت إليه إدارة مركز جامعة برمنغهام لمدة عشر سنوات كخلف لمديرها السابق ريتشارد هوغارت مؤلف الكتاب الذي يعد بمثابة حجر الزاوية في الدراسات الثقافية وعنوانه: “استخدامات التعلم – 1957”. تعد حياة ” هول ” الأكاديمية غنية جدا حيث أنه عمل كأستاذ زائر في العديد من الجامعات الغربية الكبرى مثل جامعات فنلندا والدانمرك وأميركا وفضلا عن ذلك فقد توج نشاطه العلمي في الجامعات بعدد من شهادات الدكتوراه الفخرية، وفي سنة 1997 أحيل على التقاعد بعد أن أنهى مشواره الأكاديمي بالجامعة المفتوحة كأستاذ لعلم الاجتماع. للمفكر ستيوارت هول عدد ضخم من الدراسات والكتب في حقل الدراسات الثقافية والسياسية منها على سبيل المثال فقط: 1- المقاومة من خلال الطقوس، 2- الطريق الصعب إلى التجديد: التاتشرية وأزمة اليسار، و3- الإعلام والثقافة وغيرها كثير لا يسع المجال هنا لذكرها كلها. إن هذا المسار الفكري والسياسي قد جعل ستيوارت هول من أبرز المفكرين اليساريين الكبار الذين وقفوا في عصرنا إلى جانب المظلومين والمهمشين والحرية والأحرار.

عندما تسلم ستيوارت هول مركز برمنغهام للدراسات الثقافية من مؤسسه الأول والمفكر البريطاني البارز ريتشارد هوغارت فإنه سرعان ما أدخل عليه تطويرا لافتا للنظر، ونتيجة لذلك انتشر هذا الحقل الأكاديمي الجديد، والعاصف بالعادات الأكاديمية التقليدية، في الجامعات البريطانية، والأميركية، والأسترالية، وفي جامعات أخرى في أصقاع المعمورة نظرا لقيمته المعرفية والعلمية من جهة، وبسبب إعادته الاعتبار للثقافات الثانوية المهمشة، وللتواريخ المتعددة، وللرؤية الديمقراطية للعالم وللتجارب الإنسانية.


تفكيك ثقافات المركز


تعتبر الدراسات الثقافية كمفهوم واستراتيجية منعطفا معرفيا نقديا في مجال دراسة ظاهرة الثقافة المركبة وكيف تبنى تاريخيا، ويهدف هذا التخصص من حيث الممارسة إلى المساهمة في بناء النهضة التعليمية الجامعية على أساس الوعي النقدي الجديد. بخصوص جنيالوجيا الدراسات الثقافية ينبغي أن نأخذ عدة عوامل لعبت دورا تكوينيا لا ينكر ونشير هنا إلى الدور التاريخي الذي لعبته حركات التحرر الوطني في العالم الثالث في مساءلة ونقد المركزية الثقافية الاستعمارية وإلى التأثير القوي الذي مارسه تواجد ثقافات الأقليات الإثنية والعرقية والدينية العربية والإسلامية والملونة في المهاجر الأوروبية / الغربية فضلا عن المساهمات الفعالة للحركة النسوية بمختلف انتماءاتها السياسية والفكرية وللحركة الطلابية في أوروبا في 1968 إلى جانب النشاط الفكري والأكاديمي لعدد من المثقفين والدارسين والنقاد الوافدين من البلدان المستعمرة سابقا للعمل في الجامعات الأوروبية / الغربية أمثال إدوارد سعيد الفلسطيني وهومي بهابها الهندي وستيوارت هول الجامايكي، وألبير ميمي التونسي الأصل وغيرهم.

من الناحية الأكاديمية فإن بريطانيا هي التي بدأت في التأسيس للدراسات الثقافية وتم ذلك على أيدي مجموعة من الأساتذة المفكرين بجامعة برمنغهام وفي طليعتهم ريتشارد هوغارت وستيوارت هول اللذين يعتبران من الرموز المؤسسة لهذا الحقل المعرفي الذي استلهم الميراث الفكري والنقدي الأدبي لمفكرين ونقاد بارزين أمثال ميشال فوكو وجاك دريدا وفرانز فانون وجاك لاكان وجوليا كريستيفا ور. ف. ليفز، رايموند وليامز وإدوارد طومسون والفرويدية ومدرسة فرانكفورت وهلم جرا. بعد نضج تقاليد الدراسات الثقافية في مركز برمنغهام انطلقت منه إلى جامعات أخرى بالمملكة المتحدة البريطانية وفي مقدمتها جامعة شرق لندن التي استقبلت هذا الحقل المعرفي الذي تحلق حوله عدد من الأكاديميين المنتمين إلى اليسار النقدي الجديد في بريطانيا منهم بيل شووتز وسالي ألكسندر وكوز فين ومن ثمة توسع نطاقها الجغرافي وشمل أميركا وكندا والهند وجنوب إفريقيا وها هي الآن تدخل إلى الفضاء الأكاديمي العربي والإفريقي. وفي الواقع فإن استراتيجيات “الدراسات الثقافية” تختلف جذريا عن الأسلوب التقليدي في دراسة الظواهر الثقافية مثل الأنتروبولوجيا.

فبماذا يتميز هذا الحقل وما هي أسسه الأكاديمية المعرفية؟من حيث التوجيه البيداغوجي فإن الدراسات الثقافية قد تجاوزت المنطق التقليدي الذي يقسم الشُعب الأكاديمية إلى شعبة للآداب وأخرى للفلسفة وتالية للدراسات اللغوية اللسانية أو للتحليل النفسي وأخرى لعلم الاجتماع الخ… إنه جراء هذا التجاوز للمنطق الأكاديمي القديم والمحافظ نجد حقل الدراسات الثقافية يتميز بيداغوجيا ومنهجيا بأنه تركيبي من حيث الأساس النظري، فهو يوظف نظريات الأدب، والفلسفة، والتحليل النفسي، واللسانيات ونظرية المعرفة وعلم الاجتماع وغيرها من الأجهزة والحقول النظرية المتنوعة التي تشتق حتى من الفيزياء منها النظرية التكاملية عند الفيزيائي الدنمركي الشهير نيل بوهر على سبيل المثال.

إن الدراسات الثقافية تعتمد هذا العنقود النظري المتعدد كمفاتيح لفتح أسرار الوعي واللاوعي الثقافيين والهدف من وراء هذا هو فهم ” كيف تتشكل الثقافة تاريخيا”، وكيف ” ينتج المعنى وكيف يستخدم كسلطة” في المجتمعات المختلفة. أما استراتيجياتها فإن المرء يمكن أن يلخصها في أنها رد (ثقافي وتربوي له أبعاد سياسية) على المنظومة التربوية التقليدية الغربية ببعدها الرأسمالي والكولونيالي. إن الدراسات الثقافية قد انبعثت منذ البداية من المعاهد العليا المدعوة ﺑ “البوليتكنيكس” التي تستقبل عموما أبناء الطبقة العاملة البريطانية وأبناء الإثنيات المهاجرة المقيمة ببريطانيا. وهكذا نجدها مرتبطة بالنزعة اليسارية ذات البعد الثقافي والفكري والتربوي.

بريطانيا هي التي بدأت في التأسيس للدراسات الثقافية وتم ذلك على أيدي مجموعة من الأساتذة المفكرين بجامعة برمنغهام وفي طليعتهم ريتشارد هوغارت وستيوارت هول


كسر احتكار الجامعات


فالدراسات الثقافية من حيث بعدها السياسي كانت ترمي في بداياتها المبكرة ولا زالت تهدف إلى إيجاد موقع للثقافات المهمشة بل المنسية عمدا في داخل معاقل منظومة التعليم العالي البريطاني، وعلى نحو خاص في المرحلة التتشارية (نسبة إلى مارغريت تاتشر) المعروفة برأسماليتها المتطرفة، وممارساتها المنهجية للتنكر لثقافات الأقليات ذات الأصول غير الأوروبية/ الغربية، ولتفكيك التنظيمات، والمؤسسات ذات الطابع الثقافي والتربوي العمالي فضلا عن ضرب الكيان الثقافي الشعبي المعادي والرافض للرأسمالية كثقافة وأيديولوجية. إن هذا السياق التاريخي ضروري لفهم ظاهرة الدراسات الثقافية، توجهاتها واستراتيجياتها. ثم إنه ينبغي إدراك بعد آخر ألا وهو استشعار اليسار الثقافي والتعليمي البريطاني داخل الجامعات بضرورة نقل المعركة ضد اليمين الرأسمالي إلى الجبهة الثقافية والتعليمية وعدم الاكتفاء بالنضال السياسي في صورة أحزاب أو تنظيمات المجتمع المدني التقليدية. أما بخصوص الاستراتيجية المعرفية الثقافية، فإن الدراسات الثقافية قد قامت بإعادة النظر نقديا في الثقافة التي كانت تُدرَس وتقيَم على أساس معايير ومنظور الطبقة العليا المسيطرة.

أما على المستوى المعرفي – الثقافي والمنهجي فان الدراسات الثقافية قد أبرزت المنظورات المتعددة للثقافات ودافعت عنها وبذلك ساهمت بقسط وافر في مساءلة ما يدعى بالموقف الفوقي المتمركز طبقيا أو قوميا أو غربيا إزاء الثقافات الأخرى التي تقحم تعسفيا في خانة “الثقافات الثانوية” أو “ثقافات الهوامش والأطراف” والتي تلصق بها صفة الدونية عن سبق إصرار وعلى نحو جوهراني. لا شك أن استخدام الدراسات الثقافية للاستراتيجيات والنظريات التي تزحزح المركزيات، والبطريركية، والأصوليات، وآثار الاستعمار وغيرها من الاتجاهات الثقافية والفكرية ذات الأصول والأهداف الرأسمالية، والكولونيالية، والطبقية المتعالية هي التي جعلتها تتميز بطابع “الكرنفال النظري” متعدد الأصوات والتواريخ، والاختلافات، والهويات. أما المحاور التي تركز عليها الدراسات الثقافية فتتمثل في تاريخ الأفكار، والثقافات الشعبية بما في ذلك الثقافات الإثنية، وكذلك النسوية، والمعمار، والسينما، والمسرح والتصوير بكل أنواعه، والإنتاج الأدبي، وثقافات المجموعات المهمشة، والفلسفة كخطاب محمّل بما أدعوه بشفرات تاريخ وخصوصيات المجتمعات التي أنتجتها أو بما يدعوه ميشال فوكو بتكنولوجيات المعرفة / السلطة وإن ارتبطت الفلسفة في العرف الأكاديمي بالميتافيزيقا والكونية المحايدة، وغيرها من الخطابات الثقافية والفنية والعلمية.

يتميز مفهوم الدراسات الثقافية بشكل عام بأنه تركيبي، وبالنظر إلى الثقافة على أنها ظاهرة تاريخية وأنها تعبّر عن المصالح الطبقية كما هو الوضع في المجتمعات الرأسمالية الغربية المتطورة وعن المصالح في المجتمعات القبلية والطائفية، والخراجية وفقا لتعبير سمير أمين. أما في الممارسة فإن الدراسات الثقافية تفكك الثقافة الأرستقراطية، والبرجوازية، والعمالية والفلاحية، وثقافة الإثنيات، والمجموعات التي تدعى حسب الاصطلاح النقدي بالمهمشة والمعرضة للإقصاء بكل أنماطه.

ومن هنا ندرك أنّ الدراسات الثقافية التي لعب الدكتور ستيوارت هول دورا مفصليا في ادخالها إلى معاقل الجامعات الغربية ثم انتشرت في العالم تعد من حيث الجهاز النظري أنها ليست أحادية المنظور بل إنها متعددة المنظورات كما ذكرنا أعلاه، وأنها تتناول الظواهر الثقافية نقديا ومن خلال التاريخ بغض النظر عن مصادرها وجغرافياتها والشريحة التي تعبّر عنها أو تقدم رؤيتها للتاريخ وللعلاقات وللمعنى في المجتمع.

11