المفكر سمير أمين: الإسلام السياسي حركة سياسية توظف الخطاب الديني

المفكر المصري سمير أمين في كتابه “في نقد الخطاب العربي” لم يفرد فصيلا سياسيا وفكريا معينا لنقد أطروحاته بل انطلق من الخطاب القومي ومحدداته التاريخية ومجالات انتشاره جغرافيا، بل خصص الكلام عن خطاب الحركات الإسلامية بغض الطرف عن اعتداها أو تطرّفها ليصل إلى أن الإسلام السياسي ما هو إلا حركة سياسية توظف الدين في مجال طموحاتها السلطوية، وأن هدفها واحد رغم اختلاف طرقها في تكريس خطابها، فالتطرف والاعتدال وجهان لعملة واحدة عند هذه الحركات.
الاثنين 2015/08/17
نقد أطروحات حركات الإسلام السياسي كفيل بتصحيح الخطاب الديني

يرى المفكر سمير أمين في كتابه “في نقد الخطاب العربي الراهن” والصادر عن دار العين أن هناك قاسما مشتركا يجمع التيارات القومية العربية هو أنها تضفي أهمية رئيسية لإنجاز وحدة الوطن العربي، بل تعتبر تحقيق هذه الوحدة مفتاحا متميزا للتقدم بصفة عامة ويمثل للشعوب العربية عودة “مجدها”.

ويقول إنه لا يخالف هذا التيار ـ تيار القومية العربية ـ من حيث المبدأ في ما يتعلق بالهدف، ألا وهو إنجاز الوحدة العربية التي “أعتبرها ضرورة تاريخية، فيقع الخلاف في مجالات أخرى تخصّ استراتيجية العمل من أجل تحقيق الهدف، فما أعيبه على التيارات القومية إنما إغفالها للعلاقة ـ الحاسمة في رأيي ـ التي تربط النضال من أجل إنجاز الوحدة العربية بالصراع الطبقي".

ويوضّح أمين أن أطروحته التي توصّل إليها في هذا المجال هي أن “إنجاز الوحدة المطلوبة أمر مستحيل دون الخروج من الرأسمالية بمعناها الشامل، أي الخروج من المنظومة الرأسمالية المعولمة من جانب، واستبدال علاقات اجتماعية رأسمالية الطابع بعلاقات ذات طابع اشتراكي في إدارة المجتمع المحلي من الجانب الآخر، هذا بينما التيارات القومية لا تهتم بهذا التساؤل فتغفل أهميته الحاسمة، وبالتالي تذهب إلى تصور إمكانية إنجاز دون ثورة جذرية معادية للرأسمالية أصلا”.

ويؤكد أمين أن “الوحدة العربية لا تزال مطلبا ملحا. على أن النظرة السوفيتية السابقة ـ وهي نظرة ماركسية مبتذلة في رأيي ـ التي ذهبت إلى أن الأمة العربية تتحقق عبر تطور وتكملة مسار الرأسمالية، هي ـ في نقدي السابق نشره ـ نظرة خاطئة من الأصل.

وذلك لأن البورجوازيات العربية ذات الطابع الكومبرادوري بالضرورة لن تفلح في تطوير رأسمالية كاملة، وبالتالي لن تنجز مهام المرحلة القومية، ولذلك كتبت أكثر من مرة أنه على الطبقات الشعبية إنجاز هذه الأهداف التي لا يمكن الفصل بينها، وهي الخروج من الرأسمالية وتحقيق الوحدة العربية عبر الحركة الشعبية المعادية للرأسمالية أصلا”.

وفي ضوء هذه الرؤية لا يختار سمير أمين مناقشة المشروعات الناصرية والبعثية التاريخية ولكن يناقش أطروحات القوميين العرب ويختار منها أطروحات كاتب قومي يساري هو شمس الدين الكيلاني، ويرى أن الخطاب القومي يعتمد على سرد الوقائع وسمات يفترض أن تثبت وجود هذه القومية “الأمة”، فالكتب المعنونة “عروبة مصر”، و”عروبة الجزائر” و”عروبة المغرب” عديدة وكلها تروي نفس القصة وتقوم بعرض نفس الوقائع والسمات. ويلجأ الكيلاني إليها دون أدنى تساؤل حول درجة علمية المنهج المتبع في هذه الكتب، ودون التساؤل حول احتمال كونها منتجات أيديولوجية بحتة.

ويضيف “ينحصر الجمع المطروح لهذه الوقائع عند القوميين في عدد محدود من السمات المشتركة والظاهرة عند الشعوب العربية عبر تاريخها دون بذل المجهود المطلوب لفهم تنوع تفاعل فعلها مع أوجه أخرى للحياة الاجتماعية الخاصة بهذه المجتمعات، ومعنى ذلك عند القوميين العرب أن هذه السمات تساوي العروبة في حد ذاتها. وأعيب هنا على نظره للمنظومة الاقتصادية الملموسة -وخصوصيتها وتنوع تطوراتها من منطقة إلى أخرى ومن عصر إلى التالي، وطابع علاقات الإنتاج المتغير وشروط إنتاج الفائض وتمليكه واستخدامه.
أحزاب الإسلام السياسي المعتدلة والمتطرفة لا تختلف من حيث جوهر الهدف

وكذلك بالنسبة إلى نظم الحكم علما بأني أعتقد أن هذين الوجهين من الواقع المجتمعي يجب أن يحتلا المكان الرئيسي في تحليل طابعها الحقيقي، الأمر الذي بدوره وضع السمات المذكورة في محلها المناسب، فاعتبار هذه السمات في حدّ ذاتها منعزلة عن النظام الاقتصادي ونظام الحكم، لا يعدو كونه عرضا سطحيا يكاد يقوم على بديهيات لا غير”.

ومن خطاب القومية إلى خطاب الإسلام السياسي يواصل سمير أمين تفنيد الآراء وتحليلها حيث يؤكد في مدخل فصله عن خطاب الإسلام السياسي أن أحزاب الإسلام السياسي المعتدلة والمتطرفة لا تختلف من حيث جوهر الهدف الذي تسعى إلى إنجازه بل فقط في وسائل تحقيقه وبالتالي فإن الطرفين يتكاملان أكثر من كونهما يتناقضان.

ويقول إن القول بتدهور الأوضاع وتفاقم الفقر في شعوبها هو السبب الذي يقف وراء انتشار دعوة الإسلام السياسي قول صحيح ولكنه لا يعدو أن يكون بديهية.

ويضيف “إن الإسلام السياسي المعاصر وكذلك الهندوسية السياسية والبوذية السياسية والمسيحية الأصولية الأميركية وغيرها تنتمي إلى هذه المجموعة التي تقدم إجابات لا تعتمد على تحديد علمي لطابع التحدي، وبالتالي تروي أوهاما خطيرة حول قدرتها على تغيير العالم.. وإذا كان نجاح بعض هذه الحركات في تعبئة مناضلين من أصول شعبية وفقيرة دليلا على نوعية طابعها السياسي، فالنجاح هنا لا يعدو كونه وجها واحدا للعملة، والوجه الآخر هو فشل اليسار (الاشتراكي خاصة) في مواجهة المد اليميني الذي تلا انهيار الأنماط التي سادت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتشمل السوفيتية والشعبويات الوطنية لعصر باندونج.

الإسلام السياسي يقدم إجابات لا تعتمد على تحديد علمي للتحدي، ويروي أوهاما حول قدرته على تغيير العالم

ويلفت أمين إلى أن الإسلام السياسي ليس حركة إنعاش ديني بل هو حركة سياسية توظف الخطاب الديني بل توظف خطابا سلفيا دون تحفظ. فاختزلت العقيدة معه في ممارسات طقوسية. لقد كرس الإسلام السياسي العودة إلى مفاهيم عصر الانحطاط لا غير. فليس من الصدفة أن الإسلام السياسي قد فتح باب العودة إلى التمييز الطائفي وفتح باب التعصب وتصاعد الكراهية بين السنة والشيعة.

ويشدد على أن دحر أوهام الإسلام السياسي هو الشرط لإنعاش العقيدة نفسها، إلى جانب إنجاز التقدم في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، تلك مسؤولية اليسار التقدمي وهي مسؤولية حاسمة، وللنضال في الساحة الأيديولوجية أهمية لا أودّ التقليل من أهميتها. على أن محور النضال الأساسي هو الصراع الطبقي على أرضية التحديات الملموسة التي تواجهها الطبقات الشعبية التي تعاني من الاستغلال والاضطهاد.

ويشير إلى أنه لا يصحّ الجمع السريع بين ظاهرة إسلام الضواحي الشعبية في أوروبا وأميركا وظاهرة الإسلام السياسي في المجتمعات الإسلامية، فظاهرة فقراء الضواحي لا تعدو كونها انتفاضة مهاجرين فقراء، شأنها شأن احتجاجات اجتماعية أخرى، فهي رد فعل على ممارسات تمييز لها طابع اجتماعي طبقي قبل أن يكون ثقافيا.

علما بأن المشروعات السياسية التي تسعى إلى إعادة ترتيب المجتمع على أساس تنظيم جماعات ثقافية ـ باسم احترام الفروق، وهو مبدأ مقبول في حد ذاته ـ هي في نهاية المطاف سياسات تكرس التمييز، لا تلغيه، فليس صدفة أن الحكومات الرجعية في الولايات المتحدة وبريطانيا على الأخص هي التي تنادي بهذا النوع من الحل للمشكلة.
13