المفكر لوي ألتوسير والزمن الجزائري

الأحد 2013/10/20
لوي ألتوسير.. الفرنسي جزائري المولد

في السيرة الذاتية التي كتبها " ألتوسير" على عجل يروي فيها قصة حياته كطفل ومسرحها منطقة الغابات بضاحية بئرمراد رايس بالعاصمة (الجزائر): "ولدت على الساعة الرابعة و نصف وذلك في السادس عشر من أكتوبر عام 1918 و هو بمنزل بغابة بولون". وعلى مدى صفحات كثيرة يسرد ألتوسير قصصا كثيرة عن جده و جدته قائلا بأنهما كانا محبوبين من قبل العرب و البربر على حد سواء وأنهما اندمجا فقط مع العرب و البربر الذين التقى بهم في الأماكن المختلفة حيث عاشا و مع (المسؤولين) بوكالات الأدغال و الغابات أولئك الذين قاموا بزيارات غير منتظمة.

يقصد ألتوسير بالمسؤولين شخصيات فرنسية كانت تنتمي إلى الإدارة الاستعمارية. يستدعي ألتوسير جذور عائلته التي أقصيت من فرنسا بالقوة إلى الجزائر هكذا: "هناك ذكرى قاسية و هي أنه في عام 1871، و ذلك بعد الحرب بين نابليون الثالث و بين بسمارك فإن عائلة ألتوسير اختارت فرنسا، و كان شأنها شأن الكثير من الألزاسيين (نسبة إلى منطقة ألزاس لورين )،إذ أبعدت مثل هؤلاء إلى الجزائر من قبل حكومة ذلك الوقت". هكذا نفهم منه الظرف الذي جعل عائلة ألتوسير تحط رحالها بالجزائر ولكنه لم يوضح أسباب إبعاد عائلته والعائلات الألزاسية الأخرى من مقاطعة "ألألزاس" إلى الجزائر.

هل يعني ذلك أن حكومة فرنسا إذ ذاك قد وضعت علامات استفهام كبيرة بشأن نسب عائلة ألتوسير إلى فرنسا ؟! و مهما يكن فإن سبب إبعاد هذه العائلة إلى الجزائر يحتاج إلى توضيح خاصة و أن ذلك يشكل واحدة من الخلفيات للقلق الذي طبع حياة ألتوسير مفكراً و إنساناً.


الدرس الجزائري


إذا كان المفكر غارودي قد دخل الإسلام من باب الجزائر و تونس فإن الفيلسوف لوي ألتوسير قد تعلم أول درس في السياسة عندما كان في الجزائر. إنه في سيرته الذاتية "المستقبل زمن يدوم أطول" يتحدث عن الحب الحقيقي و عن الكولونيالية كتجربة عاش تفاصيلها كطفل. يقول ألتوسير:" إنه (أي جده) قد ارتمى في أحضان الصمت و ذلك من أجل أن يتحدث إليّ و في كل وقت كان يشير و يشرح عجائب الغابة التي لم أكن أعيها بعد. إنه بدل أن يسألني عن أي شيء فهو قد واصل الحديث ليغمرني بشلال من الهبات و المفاجآت، و هكذا أدركت لأول مرة كيف يمكن أن يكون الأمر عندما يحبك أحد ما. فالانطباع الذي لازمني في كل مناسبة يتمثل في استقبال شيء بدون أن يتوقع مني أن أعطي له شيئا مقابل ذلك".

في عزلة الغابة و بجوار جده تعلم ألتوسير الحب الحقيقي و لكنه تعلم أيضا درسا في السياسة لازمه طوال حياته كمفكر: " وفيما بعد علمت أن الجيش الفرنسي الذي غزا مدغشقر أيام التوسع الاستعماري قد ألقى القبض على الملكة (ملكة مدغشقر) وأسرها بالقوة و أتى بها إلى مقر يطل على الجزائر العاصمة حيث أخضعت للمراقبة عن قرب، و في مدينة البليدة التقيت برجل أسود ضخم كان محميا بمظلة و الذي حيا بأذرعه كل المارين هكذا "أيها الأصدقاء إنكم كلكم أصدقاء". كان اسمه بيهازين و كان "إمبراطور الداهومي " السابق الذي نفى إلى الجزائر. كانت الوضعية غريبة عني، إنها كانت و بلا شك أول درس لي في السياسة". فالصور التي تتداعى من خلال ذكريات لوي ألتوسير تؤكد أن إفريقيا كلها كانت معتقلة و منفية و أنه كطفل كان يسجل ذكرياته ليؤكد أن الاستعمار الفرنسي كان يمارس الإذلال و النفي و التشريد للأفارقة. و في مقابلة أجريت مع لوي ألتوسير و نشرت في كتابه الشهير: "لينين و الفلسفة و مقالات أخرى" صرح بوضوح قائلا: "كانت السياسة هي التي قررت كل شيء. ليس السياسة بشكل عام و إنما السياسة الماركسية ـــ اللينينية". إذا كان الدرس الأول الذي تعلمه ألتوسير تمثل في الحب بدون مقابل، و في نفي رموز السيادة في الداهومي و مدغشقر إلى المستعمرة الجزائرية فإن ذلك لا يتناقض مع السياسة وفقا لمعتقدات الماركسية ـــ اللينينية التي تدين الاستعمار و تعتبره أعلى مراحل الرأسمالية المتوحشة. من هنا نستنتج أن المفكر "لوي ألتوسير" قد تشرب من تجربته الجزائرية تمرده الفكري كفيلسوف على الرأسمالية كشكل استعماري زجري و كاستغلال طبقي. و يواصل ألتوسير سرد عدد من الذكريات التي أثرت عميقا في بنيته النفسية التي نقلها فيما بعد إلى مسرح السجال و البناء الفكريين و هي متصلة بالتحولات السياسية في القرن العشرين، و بهذا الصدد كتب ما يلي "لقد كانت فضيحة أن يكون الفرد المجرم محميا من طرف المؤسسة: فكر ماذا كان سيحصل لجزائري عادي في نفس الوضعية". إن ألتوسير يشير هنا إلى ازدواجية معايير المؤسسة الفرنسية التي تحمي المجرم الفرنسي و في الوقت نفسه لا تحمي الفرد الجزائري العادي و الذي لا علاقة له بالإجرام ممن بعيد أو من قريب.

الموقف العنصري

فالدرس الأول الذي تعلمه "ألتوسير" من تجربته الجزائرية تمثل في السياسة الاستعمارية الفرنسية تجاه الأفارقة حيث تم تكريس أسلوب النفي لرموز السيادة في البلدان الإفريقية. إذ يذكر في سيرته الذاتية بأن الجزائر المستعمرة حولتها الإدارة الاستعمارية إلى منفى لكل من يعارض الوجود الكولونيالي في أي بلد إفريقي.

و الحال فإن "ألتوسير" لم يفصل الحديث عن هذا الأسلوب علما أن فرنسا لم تكتف فقط بأبعاد ملكة مدغشقر أو إمبراطور الداهومي إلى الجزائر بل فإنها قامت بإبعاد مئات إن لم نقل الآلاف من الجزائريين إلى جزيرة كورسيكا و إلى عدة جزر أخرى في المحيطات منها "غينيا الجديدة " التي تدعى في الموروث الشعبي جزيرة بـ"كيان". و بخصوص جزيرة "كيان" نجد كثيراً من الأغاني الشعبية الجزائرية التي تؤرخ لعمليات النفي و ولآلام تفريق شمل العائلات و الأفراد و تثبت الكتابات التاريخية أن هؤلاء المنفيين لم يعودا إلى وطنهم الأصلي إلي يومنا هذا، و أكثر من ذلك فإن الإدارة الفرنسية قد قامت بنفي الأمير عبد القادر الشاعر و المحارب إلى سوريا و كذا الكثير من مؤيديه. إلى جانب ذلك فإن "لوي ألتوسير" لم يشر إلى نفي الملك محمد الخامس من قبل السلطات الفرنسية و بسبب ذلك و حزنا عليه لبست النساء المغربيات الحجاب الأسود لأول مرَة و بقي حتى هذه اللحظة متداولا كاستمرارية لذلك الألم العميق. مما لا شك فيه أن ممارسات النفي في المستعمرات من قبل الإدارة الاستعمارية الفرنسية ليست غريبة على مفكر كبير من طراز "ألتوسير" و هو الذي يعتبر نفسه و أفراد عائلته قد مورست عليهم عملية الإبعاد من منطقة "ألزاس لورين" إلى الجزائر. إن التاريخ يسجل كذلك عمليات تشريد و نفي ذهب ضحيتها أكثر من 12 مليون إفريقي و أغلبها تمت على أيدي الفرنسيين. إن هذا الدرس الأول الذي تعلمه "ألتوسير" مؤلم حقا و هو في حاجة إلى دراسة تاريخية موثقة و إلى دراسات لتبيان تعسف الاستعمار عبر التاريخ.

أما الدرس الثاني الذي تعلمه "ألتوسير فيتلخص في الموقف العنصري لبعض الفرنسيين الذين استوطنوا الجزائر. و بهذا الصدد يروي ألتوسير هذه السردية :"إن مهمة هرد بعد الحرب لم تكن متوقعة ككل " ،ولقد أقنعه احد أبنائه والذي كان يسوعيا وعاش بالجزائر على مدى عدة سنوات بأن المسلمين ولأسباب وراثية غير قادرين أن يرتفعوا إلى مستوى التحديات المعرفية العلمية وذلك بسبب ديانتهم وكتاباتهم".ويعلق ألتوسير على هذا الموقف متكئا على التراث الإسلامي مذكرا بأن العرب كانوا ورثة أرخيمدس وهم الذين اخترعوا شكلا طبيا صوريا وترجموا وأولوا أرسطو ويضيف ألتوسير مبرزا استعمارية هذا المواطن الفرنسي الذي"أصبح رأسه معبأ بأنه ينبغي على الفرنسيين أن لا يغادروا الجزائر،وصار متعصبا للجزائر الفرنسية في الوقت الذي كان الجنرال ديغول مستعدا للاستسلام لمطلب الاستقلال المقدم من قبل مستعمرتها القديمة ".كما نرى فان ألتوسير على وعي تام بالمواقف العنصرية لليمين الفرنسي تجاه الثقافة الإسلامية وانجازاتها وجراء ذلك نجده ينتقد تفسير القصور المعرفي بالعرق أو بالانتماء الديني وبالتالي فانه يشيد بالتراث العلمي الإسلامي وبالثقافة العلمية والفلسفية اليونانية.إن هذا الدرس الثاني الذي تعلمه ألتوسير يبقى وفيا له في حياته الفكرية حيث نجده يستبعد النزعة العرقية أو الشوفينية الدينية في مؤلفاته أو مناقشاته. على ضوء ما تقدم فإن ألتوسير المفكر والفيلسوف الكبير ليس نتاج المحيط الثقافي الفرنسي أو الغربي فقط وإنما هو خلاصة تجاربه في مسقط رأسه بالجزائر أيضا.

11