المفهوم الجهادي و"النهي عن المنكر": فهم قتالي لدى المتطرفين ينسف التعايش

التأويل الجهادي الرّاهن لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ارتبط بلحظة عنيفة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية أفقدت المبدأ أبعاده العقائدية التي طوّرها المعتزلة.
الثلاثاء 2019/12/10
جماعات كرست المعنى العنيف لمفاهيم الإسلام

يعد مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحدا من أبرز المبادئ الإسلامية، لذلك احتفى به الموروث الفقهي والكلامي القديم أيما احتفاء. ولئن أبقى الفكر الإسلامي القديم تأويل هذا المبدأ مفتوحا، فإن منظري التيارات الأصولية المعاصرة، سعوا باعتماد قراءة تاريخية قاصرة إلى الابتعاد به من اتساع المعنى القرآني إلى ضيق الدعوة القائمة على فكرة الحقيقة الواحدة ووهم امتلاكها.

تبيّن المتابعة التاريخية لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنّ خلاصته الراهنة حصيلة تأويلية جرت على غير المنوال التأويلي الإسلامي القديم الذي استخرج هذا المبدأ من القرآن والحديث ليصيره مبدأ أخلاقياً وفقهيّا مرتبطاً بالشريعة، ووظيفة منوطة بالمجتمع والدولة.

ورأت مجموعة الباحثين العرب الذين شاركوا في كتاب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. الأعلام والنصوص”، الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، أن التأويل الجهادي الرّاهن لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ارتبط بلحظة عنيفة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.

خلخلة المبدأ

هذه اللحظة أفقدت المبدأ أبعاده العقائدية التي طوّرها المعتزلة، والفقهيّة التي أرادها الفقهاء لشروط المأسسة السياسيّة والسلوك الاجتماعي، والأخلاقية التي حدسها أخلاقيو الإسلام كمسكويه والتوحيدي والماوردي. بل أدرجته في أتون حرب كونيّة تحوّل فيها إلى “عنوان للعدوّ” بفعل تعريف اصطلاحي مضيّق جديد للعبارة ، إلى كلّ من لم يدخل ضمن المجال الذي تعيّنه دار الإسلام.

وانطلاقا من ابن تيميّة المصدر المشترك لكل الجهاديّين تقريبا، لاسيما بكتابيه “الحسبة في الإسلام”، و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، إلى عبدالقادر بن عبدالعزيز “صاحب رسالة العمدة”، لم يتوقّف التطبيق الجهاديّ لهذا المبدأ على تأويلاته النظرية الكبرى منذ سيد قطب وصولا إلى أبي مصعب السوري، مروراً بعبدالله عزام، وإنّما تحوّل هذا الموقف العنيف إلى حالة منفلتة دون مرجع إحالة معروف في الكثير من الأحيان.

أنس الطريقي: الموقف الجهادي المتصلّب المعاند لا يصدر من فراغ
أنس الطريقي: الموقف الجهادي المتصلّب المعاند لا يصدر من فراغ

ورأى أنس الطريقي الذي أعد وقدم الكتاب أنّ مبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واحد من أبرز المبادئ الإسلامية؛ لذلك احتفى به الموروث الفقهيّ والكلامي القديم أيّما احتفاء.

وتحوّل هذا المبدأ من واجب أخلاقي عام إلى فريضة، ثم إلى أساس من أسس العقيدة والإيمان عند المعتزلة، فإلى مؤسَّسة سياسيّة تضطلع بها الدولة حسبةً وجهادا.

 ولئن أبقى الفكر الإسلامي القديم تأويل هذا المبدأ مفتوحاً على إمكانات الفهم المختلفة في سياق جدل الرؤى المفسّرة للآيات والأحاديث المتّصلة به، فإنَّ استقدامه حديثاً، ثم في الفترة الراهنة، كان عرضة لعملية احتكار دفعت به ليكون في أتون الحرب الكونية التي تخوضها شريحة من دعاة إحياء إسلامي راديكالي متعدد الدوافع والأبعاد.

بالنظر لأهمية المبدأ في فضائنا الوجودي والمعرفيّ الرّاهن أوضح الطريقي أنه جدير بنا إعادة قراءته من المنظور الذي نبّه إليه المستشرق البريطاني مايكل كوك، بوصفه مدخلاً من المداخل الممكنة لتأسيس شروط المواطنة المعاصرة، وذلك من جهة إلحاحه على المسؤوليّة الفرديّة في تحقيق الخير العام.

 لكن هذا الأمر لن يتأتّى لنا إذا لم نتجرّأ على تحرير هذا المبدأ من سجن معركة الاستيلاء التي تُمارَس عليه، تماماً كما تُمارس على كلّ الإسلام من قبل دعاة الجهاد الإسلاميّ.

ولئن يلوح منطقيّا وشرعيّاً أن يجد هذا الطموح بعض المعارضة من قبل مواقف ذات منطلق إسلاميّ، تبعا للاختلاف الضروري في المرجعيات وزوايا النظر والحق في التأويل، فإنّ المشكلة أنّ هذه القوى الإسلاميّة المتطرّفة تتمسّك، بمقتضى الحقّ نفسه في الاختلاف والتأويل، بفهم حربيّ قتالي لهذا المفهوم ينسف التعايش من أساسه.

وأكد الطريقي أن المشكلة تكمن في أنّ الموقف الجهادي المتصلّب المعاند لا يصدر من فراغ، إنَّما هو موجود في التراث بصفة عامة، ما يؤسّس مواقفه على أسس جدالية تقنع الكثير من معتنقي الإسلام بصحّة تأويلهم.

وفي هذا السياق يصحّ تقرير رضوان السيّد أنَّ سلوك الإسلاميّين المتشدّدين في العصر الحاضر هو، في وجه منه، عودة للرّبط بين الجهاد ومبدأ الأمر بالمعروف. وعلى الرّغم من إدانة الأعمال العنيفة من قبل هؤلاء المسلمين أنفسهم، فإنَّ مشاعر التأييد المضمرة عند أغلبهم، قد تحوّل بعضهم إلى جنود احتياط في انتظار التأهيل.

 وتبعاً لهذا تصبح محاورة هذا الفكر المتشدّد في شأن هذا المبدأ محاورة على التأويل وشروطه، قد يكون أوّل مضامينها بيان تاريخيّة تأويل هذا المفهوم في كامل الفكر الإسلاميّ قديمه ومعاصره، وارتباطه بمسارات أدلجة لم تكن في بعض وجوهها وفيّة لاتّساع المتاح التأويلي في القرآن، كما هو الحال مع الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة.

قراءة تاريخية

من هذا المنظور الساعي إلى إيجاد المدخل الرئيس لاستعادة الحقّ في التأويل، يتصدّى الباحثون المشاركون في الكتاب “هدى بحرون، عفاف مطيراوي، جمال اشطيبة، محمّد سويلمي، صالح الأحمدي، عبدالباسط القمّودي، محمد عبده أبوالعلا”، لمبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر انطلاقاً من بيان مدى ارتباط الفهم المتطرّف لهذا المبدأ بقراءة تاريخيّة محفوفة بقبليّاتها الكامنة في الذّاكرة والوعي معا.

الكتاب كشف أن منظري الإسلام الجهادي المعاصر بحثوا في النص والحديث وكتب الفقه عن تأويل مخصوص تمكن من أن يحوّل الأمر بالمعروف والنهي  عن المنكر إلى أصل من أصول الاعتقاد
الكتاب كشف أن منظري الإسلام الجهادي المعاصر بحثوا في النص والحديث وكتب الفقه عن تأويل مخصوص تمكن من أن يحوّل الأمر بالمعروف والنهي  عن المنكر إلى أصل من أصول الاعتقاد

لكن هذا التضييق في تأويل المبدأ ترفضه هدى بحرون من خلال بحثها “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن والسنّة”، مقدمة فهما إيجابيا ينتصر لقيم السلام الكونيّ والمواطنة المعاصرة؛ باعتماد منهج جمع بين الأنثروبولوجيا والدراسة المقارنة والبحث المعجمي والاصطلاحيّ، فهما يؤكد أن دلالة هذا المبدأ في القرآن والسنّة لم تخرج عن التوجّه التوحيدي العام للتوحيد الإبراهيميّ نحو تحقيق السلام الإنسانيّ.

وبهذا المنظور عينه، ولكن بمنهج دراسة المتخيّل البشريّ التي تقرّ بأنَّ الأفكار والاعتقادات تبنى تراكميّاً في المتخيّل أوّلاً، ذهبت الباحثة عفاف مطيراوي في بحثها “مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المتخيّل الإسلاميّ” إلى أنّ المفهوم في أصله تعبير عن قيمتين إنسانيّتين أصيلتين هما الخير والشرّ، وأنَّ الإسلام هو الذي قبض عليهما دون سائر الأديان ليحوّلهما إلى فريضة دينيّة تؤسّس للجهاد في سبيل الله.

وحاولت من هذا المنطلق، فهم تشكّل هذا الواجب في المتخيّل الإسلامي، فبحثت في جذوره والآليّات التي أنتجته، ووظائفه، ورمزيّاته. واستعان الباحث جمال اشطيبة، بواحد من أساطين الفكر المقاصدي، المثقف والسياسي المغربي علال الفاسي، للاستدلال على ضرورة إعادة هذا المفهوم إلى سياقه الدينيّ العام الأصلي، الذي تتابعت الرسل والديانات على تشييده.

 واهتمّ الكتاب بالأدلجة السياسيّة الكامنة في التأويل الجهاديّ لهذا المفهوم، عبر تعرية ارتباطاته بالمفاهيم السياسيّة الأساسيّة للإسلام السياسيّ، من قبيل الحاكميّة، والجاهليّة. وفي بحثه المتميّز “تشكّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من التوصيف إلى التوظيف، وأثر ذلك في نشأة التطرّف الدينيّ” بيّن صالح أحمدي الكيفيّة التي تمَّ بها من خلال التراث الفقهيّ والتفسيريّ تشكيل هذا المبدأ ضمن ثنائيّة ضديّة تقابل بالضرورة بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا سعى إلى تحريره من سجن هذه المقابلة اللّغويّة الثقافيّة، ليستعيد بُعده الأخلاقيّ التاريخيّ المهدور.

 ومن جهته تتبّع الباحث عبدالباسط القمّوديّ، تاريخ تشكّل المعنى العنيف للمفهوم، انطلاقاً من مدلوله الأخلاقي المفتوح في القرآن، مروراً بعمليّة شرحه، ثمّ مأسسته في النّصوص جهاداً وحسبة تختصّ بهما الدولة، وصولاً إلى تنظيراته الجهاديّة بدايةً من حسن البنّا.

 ومن منظور مختلف عن منظور تاريخ الأفكار، تطرق الكتاب إلى ظاهرة التطرّف الدينيّ عامّةً من بابها الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ، وبحث عن أسبابها في العناصر المؤسّسة للمجال الواقعيّ الإسلاميّ، وردّها إلى مظاهر الفساد السياسيّ والظلم الاجتماعيّ والتهميش.

وسعى الكتاب إلى تقديم دليل من التراث المعتزليّ على أن التأويل الإسلامي ممكن لهذا المبدأ بما يجعل منه أساسا لثقافة التسامح والتعايش والسلم، تحت عنوان اعتزاليّ جعل هذا المبدأ أساساً للإيمان: “توقّي إلحاق الضرر بالآخر”.

وخلص إلى أن المعتزلة المعروفون باتجاههم العقلاني جعلوا مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خامس أصول مذهبهم بعد (التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد). حيث أنهم لا يوافقون الخوارج في فهمهم ولا في تطبيقهم له. وهم يعتبرونه من فروض الكفايات، بمعنى أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقي.

12