المقاربة الأردنية للأزمة الخليجية: الحديث مع قطر عبر نافذة تركيا

العلاقة بين عمان والدوحة تسير باتجاه متصاعد لكنه بطيء، واللوبي القطري يضغط على جرح الاقتصاد الأردني النازف.
السبت 2018/03/24
الحفاظ على مسافة الآمن

عمّان - تفرض طبيعة الأردن الاستراتيجية عليه أن يوازن دائما في مواقفه السياسية الخارجية، فعمّان نقطة تقاطع في محاور عديدة ضمن ملفات المنطقة، وهذا يدفعها إلى تطبيع العلاقات مع جهات لا تتفق معها، وأن تحافظ على “شعرة معاوية” في علاقات حساسة ومحورية، من ذلك العلاقة مع الدوحة، كما الحذر في إدارة التقارب مع تركيا، ضمن سياقات منها التواصل مع الدوحة عبر أنقرة.

وتروج جهات أردنية لفكرة أن عمان وقفت في الأزمة الخليجية موقفا “معتدلا غير منحاز″، وبأنه في إطار هذا الحياد لا بدّ من كسر حالة الجمود وعودة العلاقات إلى ما كانت عليه مع قطر، خصوصا وأن الأردن يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، ضاعفت من تداعياتها الحرب في سوريا وتدفقات اللاجئين.

واعتبر خالد شنيكات أستاذ العلوم السياسية في جامعة البلقاء، أن “علاقة الأردن مع دول الخليج تتميز بالتوازن، فالأردن أخذ تقريبا نصف خطوة تمثلت في خفض التمثيل مع الدوحة، ولم يقم بنفس خطوة دول الخليج؛ من باب الوسطية في اتخاذ القرار، بحيث يُبقي الخطوط مفتوحة مع الجميع″.

ورأى شنيكات أن الأردن أبقى الباب مفتوحا لإمكانية لعب دور الوسيط في حل الأزمة بين قطر والدول الخليجية، معتمدا على علاقاته الجيدة مع دول الخليج العربي.

لكن، اتخذت بعض الجهات من التنسيق الأردني مع قطر، كما مع تركيا، في قضية القدس إثر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، نافذة للترويج لفكرة انتقال الأردن إلى الجناح التركي القطري في مواجهة حلف السعودية والإمارات.

وبنَت هذه الرؤية على ما اعتبرته تحركات أردنية نحو تركيا، من ذلك مشاركة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في القمة الإسلامية في اسطنبول، والتي كان موضوعها قضية القدس. وقد وصل الملك عبدالله إلى اسطنبول قادما من الرياض، حيث كان في زيارة رسمية.

 

في يونيو الماضي، قررت الحكومة الأردنية تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع دولة قطر بعد دراسة أسباب الأزمة التي أدت إلى مقاطعة السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر. وعلى مدى الأشهر العشرة الماضية، بقي الباب مواربا، حيث كانت هناك اتصالات بين عمان والدوحة وفق ما تقتضيه الظروف، من ذلك التواصل خلال أزمة إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، وهو تحرك فرضه دور الأردن في هذه القضية بالذات

ودفعت تلك التحركات ببعض النواب الأردنيين إلى تقديم مذكرة نيابية تطالب حكومة المملكة بإعادة سفير البلاد إلى قطر. وعلق الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني أرحيل الغرايبة على هذه المذكرة بقوله إن “المذكرة النيابية الأخيرة هي في الاتجاه الصحيح، مصالحنا الأردنية في قطر كبيرة، فهناك جالية أردنية كبيرة تعمل هناك (أكثر من 40 ألف أردني)، وأعتقد أن المرحلة القادمة تحمل المبشرات”.

ويذهب مراقبون إلى تأطير الحديث الأخير عن التفاهمات القطرية الأردنية في سياق تصعيد تركي خفي يأتي كرد من أنقرة على قرار عمان إلغاء العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا.

وجاء في بيان وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية أن القرار يهدف إلى تجنب المزيد من الآثار السلبية التي لحقت بالقطاع الصناعي في ضوء المنافسة «غير المتكافئة» بين البضائع التركية والمنتج الأردني.

موقف غير منحاز

في الحادي عشر من شهر مارس الجاري، استقبلت غرفة تجارة وصناعة قطر وفدا اقتصاديا أردنيا برئاسة رئيس غرفة تجارة الأردن ورئيس اتحاد الغرف العربية، نائل الكباريتي، وناقش الطرفان السبل الكفيلة بتعزيز الاستثمارات وإقامة مشروعات مشتركة.

ووجد اللوبي القطري في الأردن في الأزمة الاقتصادية نقطة ارتكاز قوية للدفع نحو تخلي الأردن عن موقفه والترويج لفكرة ميله نحو المحور التركي القطري. ويقدر حجم الاستثمارات القطرية في الأردن بنحو 1.6 مليار دولار، جلها في السياحة والعقارات. وإلى جانب وجود أكثر من 40 ألف عامل أردني وافد في قطر، تستورد الدوحة حوالي 11 بالمئة من صادرات الفواكه والخضروات والأغذية الأخرى والمواشي الأردنية.

وبحسب دائرة الإحصاء العامة الأردنية (حكومية) بلغت التجارة الخارجية للمملكة مع دول مجلس التعاون الخليجي نحو 5.8 مليار دولار خلال 2017، وسجلت قيمة الواردات السلعية الأردنية من دول الخليج نحو 3.957 مليار دولار، فيما وصلت الصادرات الكلية الأردنية لدول الخليج إلى 1.847 مليار دولار.

واعتبر محللون أن التقارير الإعلامية المتناقضة حول عودة العلاقات بين عمان والدوحة من عدمها، تعكس تردد النظام الأردني، في المقابل رأى خالد شنيكات أنه “من الصعب أن يعود الأردن إلى قطر كي لا يضحي بعلاقته مع بقية دول الخليج العربي”،  لكن في المقابل يمكن للأردن أن يتعامل مع هذه المشكلة المركبة من خلال الوسيط الثالث، وهو تركيا.

وقال أرحيل الغرايبة، في تصريحات نقلتها وكالة أنباء الأناضول، إن “العلاقة الأردنية القطرية شهدت توترا وجمودا، وقد بُذلت جهود من كلا الطرفين لمحاولة تحسينها”. وأضاف أن “العلاقة تسير باتجاه متصاعد ولكن ببطء ملحوظ؛ الأردن وقف موقفا معتدلا ولم ينحز إلى أحد في الأزمة الخليجية، لذلك نحن بحاجة إلى عودة العلاقات مع الدوحة”.

لكن وفق شنيكات تعتمد علاقة عمان بالدوحة على “تمسك قطر بالمصالح الخليجية والتزامها بالصف الخليجي، مما يسهل عودة علاقتها بالأردن”، وإلى أن تحل الأزمة يبدو أن الطريق الأكثر أمنا هو الحديث مع الأتراك بدلا من فتح نافذة مباشرة على قطر.

ونقلت وكالة الأناضول عن رائد الخزاعلة، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأردني، قوله “نحن مع الانفراج في العلاقات ومع فتح القنوات وإعادة التمثيل إلى مستواه مع قطر وغيرها، بأن نكون لاعبين رئيسيين في رأب الصدع مع الأشقاء العرب”.

طبيعة الأردن الاستراتيجية تفرض عليه أن يوازن دائما في مواقفه السياسية الخارجية، فعمان نقطة تقاطع في محاور عديدة 

ودعا الخزاعلة حكومة بلاده إلى إعادة حساباتها وأن تكون جزءا من المصالحة. في المقابل، ذكرت الوكالة التركية أن الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية محمد المومني رفض التعليق على الموضوع، ما يعني أن الحديث عن “رسائل الأردن الأخيرة لقطر.. مقدمة لإذابة جليد العلاقات” لا يتجاوز حدود قراءات المحللين وتأويلات وسائل الإعلام القطرية والتركية ضمن سياسة الهروب إلى الأمام التي انتهت صلاحياتها كورقة لحل أزمة المقاطعة.

تجنب الاستقطاب

يشير أسامة الشريف، المحلل في صحيفة المونيتور الأميركية، إلى أن الأردن يحرص على تجنُّب أن يلقي بكل ثقله ضمن تكتّلات أو تحالفات إقليميّة. فعلى الرغم من العلاقات الوثيقة التي جمعت عمان تاريخيا بدول الخليج، لا سيّما السّعودية، لطالما اعتمد عبدالله سياسة مستقلّة تتجنّب الاستقطاب.

ويستدل على ذلك بأن عمان تحافظ على علاقات دبلوماسيّة منخفضة المستوى مع طهران، على الرّغم من رفضها للدّور الإيراني في سوريا والعراق واليمن. وكان الملك عبدالله أوّل من حذر من ظهور الهلال الشيعي، في عام 2004.

كما أن دول المقاطعة، التي اتجهت إلى التركيز على قضايا أهم وأكثر مصيرية بالنسبة إليها من قضية المقاطعة، تعلم خصوصية الأردن في علاقته بقطر وتركيا كما إيران. وبما أن للأردن أدوارا لا يمكن تجاوزها في المنطقة فإنه حاضر بقوة في المشهد الذي تقوده السعودية بهدف تأمين المجال العربي بشكل يضمن سلامة واستقرار المنطقة، من الفوضى في العراق إلى قضية الصراع العربي الإسرائيلي والتوتر في البحر الأحمر، والأزمة في سوريا، وغير ذلك من الملفات الإقليمية.

ويحوز الأردن دورا محوريا في التنسيق الإقليمي ضد المجموعات المتشددة، ودارت لقاءات ومشاورات خلال السنتين الماضيتين بين السعودية والأردن من أجل توحيد الصف ضد التطرف والتعاون لحماية حدود البلدين خاصة أنهما يواجهان نفس العدو. وفي الملف السوري أيضا، تمتلك عمّان مفاتيح التأثير، سواء من ناحية تسهيل العلاقة مع المعارضة ومع العشائر السنية، أو من ناحية خنق المجموعات المتطرفة التي تسللت إلى سوريا.

والعقيدة، التي بني عليها الأردن بكل مؤسساته، تجعل من البلد جدار صد منيعا ضد أي محاولات إيرانية للاختراق، إذ يجب الوقوف مرارا عند خطابات الملك عبدالله الثاني، المتعلقة بالأمن العربي، وفيها كانت لهجته واضحة بأن “الأمن العربي كل لا يتجزأ”.

6