المقاربة القطرية لاتفاق غزة: طرح مرفوض إسرائيليا وأميركيا وإقليميا

الدوحة تناور لجعل حماس قوة بديلة عن السلطة الفلسطينية، والوساطة المصرية تحظى بتأييد مختلف الأطراف.
الثلاثاء 2018/09/04
يد حماس لا تكفي وحدها لانتشال الدوحة من أزمتها

تعطي متابعة وسائل الإعلام الإسرائيلية أبعادا هامة لفهم تطورات ما يجري في منطقة الشرق الأوسط والتفاهمات الخفية. ومؤخرا، كشف الإعلام الإسرائيلي أن الدوحة تسعى جاهدة إلى الدخول على خط المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، حيث مازالت الدوحة تعتبر أن قربها من إسرائيل هو أقرب الطرق لاستمالة أي إدارة أميركية، لكن لا يبدو أن الطرح القطري يلقى قبولا وتأييدا، فالواضح أن إسرائيل والولايات المتحدة تريان أن الإطار القطري محدود.

لندن - تبحث قطر عن ثغرة تمر منها لتصبح فاعلا في المفاوضات الجارية لإرساء هدنة طويلة الأمد بين إسرائيل وحركة حماس. وتلعب الدوحة على هذه الورقة مستفيدة من تاريخ قديم بينها وبين حماس، قدمت فيه الدعم للحركة واستضافت، ولا تزال، عددا من قياداتها.

وبالتالي، ووفق الخطة القطرية، على حماس أن تدفع المقابل، لكن لا يتعلق الأمر هنا بحماس، بل بالطرف الإسرائيلي، الذي يعتقد، كما الأميركيين، أن الدور القطري الجديد في غزة هدفه تعزيز موقع حماس وتصليب موقفها على نحو سيعرقل جهود مصر في إنتاج مصالحة فلسطينية داخلية باتت مطلوبة محليا ودوليا.

مازالت الدوحة تعتبر أن قربها من إسرائيل هو أقرب الطرق لاستمالة أي إدارة أميركية، وهو أمر كان رئيس الحكومة القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم قد صرح به بصفته قاعدة من قواعد السياسة الخارجية القطرية.

وتسلط وسائل إعلام إسرائيلية المجهر على الدور القطري الذي نشط بشكل واضح في الأسابيع الأخيرة. وكانت القناة الإسرائيلية العاشرة كشفت في 18 أغسطس الماضي عن لقاء سري جمع وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان بمبعوث قطري في قبرص (في يونيو 2018) بحثا خلاله الوضع في غزة وآفاق الهدنة بين إسرائيل وحماس.

واشنطن تنظر بعين الريبة إلى تحركات الدوحة وإسرائيل تفضل أن يكون لاتفاق غزة المقبل إطار أوسع من الإطار القطري المحدود 

بعد ذلك، ذكرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل موقع والا الإسرائيلي أن وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني هو من زار قبرص سرا في يونيو والتقى بالوزير الإسرائيلي.

وكانت تقارير إعلامية إسرائيلية قد تحدثت أيضا عن لقاء سري جرى بين ليبرمان ومبعوث قطر إلى غزة محمد العمادي في قبرص لبحث الأزمة الإنسانية في القطاع الفلسطيني وعودة المدنيين الإسرائيليين وجثامين الجنود الذين تحتجزهم حماس.

ترجح آراء إسرائيلية أن سبب الحفاظ على سرية اللقاءات يعود إلى رفض إسرائيل الوساطة القطرية بينها وبين حماس، مفضلة الوساطة المصرية، فيما تؤكد مصادر دبلوماسية غربية أن إسرائيل تسعى للتوصل إلى تهدئة تشرف عليها الأمم المتحدة، وأنها على الرغم من قناة التواصل مع الدوحة، مازالت تفضل أن يكون لاتفاق غزة المقبل إطار أوسع من الإطار القطري المحدود والذي لا أفق دوليا وعربيا له.

ضرب الوساطة المصرية

أكدت القناة العاشرة الإسرائيلية صحة ما يتردد عن رفض إسرائيل اقتراحات قطرية للتوسط بينها وبين حماس خلال الأشهر الماضية، خاصة في ظل معارضة مصر القوية لذلك، وقررت مواصلة الاعتماد على وساطة القاهرة.

ويرى مراقبون فلسطينيون أن المفاوضات الشفافة تجري في القاهرة، إلا أن ورشة أخرى تجري وراء الكواليس تقودها الدوحة في سعي لترتيب صفقة كبرى تدرج حماس داخل المشاريع السياسية التي قد تكون تفاصيل داخل المشهد الكلي لصفقة القرن التي تعد بها الإدارة الأميركية لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

ويختلف دور قطر تماما عن ذلك الذي تقوم به مصر لترتيب الاستقرار في القطاع، وأن جهود القاهرة تحفزها حاجات تتعلق بالأمن الاستراتيجي المصري من جهة كما ترتبط بضرورات تأمين استقرار يمنع القطاع من تشكيل خطر على أمن مصر، وأن القاهرة تود إقفال حالة الفوضى في غزة والتي تتيح تحرك جماعات إرهابية تنشط في سيناء وتهدد أمن العمق المصري برمته.

وقال أحمد فؤاد أنور أستاذ الدراسات العبرية بجامعة الإسكندرية (مصر)، لـ”العرب”، إن “متاجرة قطر بالقضية، وهي تحتضن حماس وتغدق عليها بسخاء لضمان تكريس انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية”، مضيفا أنه “تحت ذريعة المواقف الإنسانية الداعمة للفلسطينيين، قامت الدوحة بالعديد من الأدوار المشبوهة، لتخريب الدور المصري وتعطيل الوحدة الفلسطينية ووضع العراقيل أمام أي دور عربي جاد”.

Thumbnail

وكانت القاهرة استقبلت ممثلين عن حماس وبحثت معهم مسألة إبرام اتفاق يؤمن للقطاع استقرارا طويل الأمد. وتجري هذه الاتصالات برعاية جهاز المخابرات العامة المصرية، وذكرت مصادر لـ”العرب” أن وزير المخابرات عباس كامل زار لهذا الغرض الولايات المتحدة وإسرائيل والضفة الغربية بغية رسم مشهد كامل يتيح البناء عليه لإقامة هذه التهدئة.

ويبدو واضحا أن لقاء عباس كامل مع قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله كما استقبال القاهرة لوفد من حركة فتح يهدف إلى الدفع بالمصالحة بين فتح وحماس، واستدراج السلطة الفلسطينية لرعاية اتفاق التهدئة العتيد في غزة ليكون حدثا سياسيا فلسطينيا عاما وليس تفصيلا فصائليا محدودا.

فك مشروط لعزلة حماس

تحاول قطر فك عزلة حماس الدولية وإعادة الاعتبار لخيار الإسلام السياسي من بوابة غزة ومن خلال حماس، وأنها تسعى لتثبيت ثنائية إسرائيلية غزية لجعل حماس قوة بديلة عن السلطة الفلسطينية، مستغله توقف علاقات قيادة رام الله مع تل أبيب وواشنطن.

وكان السفير القطري محمد العمادي قدم اقتراحا لإسرائيل لوقف الاحتجاجات الفلسطينية في قطاع غزة، حيث أشار إلى أنه “يمكن البدء بدخول خمسة آلاف من سكان غزة للعمل في إسرائيل”، معتبرا أن ذلك “سيساهم في وقف الاحتجاجات والحرائق الناجمة عن الطائرات الورقية”.

وتلمح تصريحات العمادي إلى قدرة الدوحة على إقناع حماس بالانخراط في عملية تطبيع كاملة مع إسرائيل وإعادة ربط اقتصاد غزة بالاقتصاد الإسرائيلي، غزة مستندة على إرث من العلاقات التاريخية الملتبسة مع تيارات الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين، لا سيما الفرع الفلسطيني الذي تمثله حماس في القطاع.

إلى جانب ذلك، عرض الجانب القطري مسألة تحصين أي اتفاق تهدئة محتمل مع قطاع غزة بمساعدات اقتصادية تضخ في القطاع لدعم الاتفاق الأمني والعسكري بيئة مالية قادرة على معالجة الحاجات المعيشية والتنموية في غزة. والظاهر أن الدوحة قد وافقت على استخدام ثرواتها من جديد من أجل شراء اعتراف دولي بدورها ووظيفتها في العالم.

وقالت مصادر إعلامية إسرائيلية إن الدوحة وعدت إسرائيل بتخصيص 350 مليون دولار لدعم المشاريع الإنسانية في القطاع، غير أن هذه المصادر أضافت أن تل أبيب وواشنطن قد لا تهمهما ترتيبات تعيد قطر إلى غزة وتبعد الدوائر العربية والدولية.

وتشاطر واشنطن الإسرائيليين موقفهم بأن أي اتفاق تهدئة لن يكون جديا إذا لم يحظ برعاية وموافقة القيادة الفلسطينية، وبمتابعة مصرية، ومتابعة، وإن كانت غير مباشرة، من القوى الإقليمية، وهو ما لا يمكن لقطر أن توفره في الوقت الراهن وهي المعزولة إقليميا منذ قرار السعودية ومصر والإمارات والبحرين فرض مقاطعة ضدها، وتعاني من فتور في علاقاتها مع الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية بسبب تقارير عن ضلوعها في دعم منظمات جهادية إرهابية في العالم.

وكان السفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان أعلن الأسبوع الماضي أن توقيع اتفاق التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل دون السلطة الفلسطينية هو جائزة لحماس. ويلتقي تصور فريدمان مع ما أعلنه جيسون غرينبلات، المبعوث الأميركي للسلام في الشرق الأوسط، من أن السلطة الفلسطينية يجب أن تكون جزءا من الحل في قطاع غزة.

وكتب غرينبلات في تغريدة له على صفحته الرسمية على تويتر، أن الحكومة الأميركية تدعم وتؤيد الموقف المصري الخاص بالتوصل للتهدئة بين حماس وإسرائيل في قطاع غزة، وتحقيق شروط عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع.

 

وذكرت القناة العاشرة الإسرائيلية، الخميس، أن غرينبلات حذر الرئيس الفلسطيني محمود عباس من استمرار مقاطعته للتسوية الأميركية للقضية الفلسطينية، فـ”هناك من يسعى لملء الفراغ”.

7